كيف تحولت أسماء الأسد من زهرة الصحراء إلى المرأة الحديدية؟

كيف تحولت أسماء الأسد من زهرة الصحراء إلى المرأة الحديدية؟
أخبار | 27 مايو 2020

*روزنة ترجمت هذه المادة الصحفية عن موقع "calcalistech"، ولا تتبنى المصطلحات التي تخالف سياستها التحريرية.

السيدة الأولى، التي كانت تظهر فاتنةً على أغلفة المجلات، تتصدر الآن عناوين الصحف عبر تأثيرها في الدولة، التي مزقتها الحرب. 


يبدو أنه حتى السرطان لم يبطئ عمل الطاغية الصامتة، أسماء الأسد، التي تريد إعادة تشكيل سوريا حسب رؤيتها الخاصة، فهي تستخدم تأثيرها على زوجها، وتتآمر على روسيا وتحاول إيقاف إيران التي تعزز موطئ قدمها في سوريا.

كما أنها تحاول إبعاد الأغنياء والأقوياء عن طريقها، وتَحلُب المؤسسات الخيرية وتراقب ملايين المواطنين سراً.

أثارت أسماء ضجة عالمية، وصارت نجمة منذ اللحظة الأولى، التي تم تسليط الضوء عليها عندما تزوجت من بشار في العام 2000، الذي كان قد تم تعيينه قبل فترة وجيزة رئيساً لسوريا، وبدأت تظهر على أغلفة المجلات مثل مجلة " Vogue" الأميركية الشهيرة.

لقد تم تقديمها كرمز لكل شيء ناعم، حساس وإنساني، لكن هذه الصورة تغيرت بين ليلة وضحاها عندما بدأت الحرب الأهلية في عام 2011، حيث تحولت صورة بشار الدولية إلى صورة طاغية، متعطش للدماء ويذبح شعبه، وكان يُنظَر إلى زوجته وقتها على أنها منفصلة عن الواقع الاجتماعي، ومشغولة بإنفاق المال بينما كان الشعب السوري يُسحق.

أما الآن وبعد تسع سنوات من الحرب الدموية برز اسم أسماء بين قادة الصراع المستمر على السلطة في خضم الصراع، الذي سوف يعيد تشكيل حكومة سوريا في السنوات المقبلة، ولا نتحدث هنا عن عملية عسكرية أخرى، بل صراع يمتد إلى ما خارج حدود سوريا، ويركز على السيطرة على اقتصادها وعلاقاتها الدولية ومراكز القوة فيها. 

على مدى الأسابيع الماضية، قدَّمت المشاحنات التي حدثت على وسائل التواصل الاجتماعي لمحة نادرة عن الصراعات الدائرة  داخل الجزء العلوي من النظام السوري، لكنها حتى الآن ما زالت تقتصر على الشائعات.  

المرأة التي وُصِفت قبل عقد من الزمن بأنها "زهرة الصحراء" تبين أنها عدوانية لا ترحم، ولن تتردد في القضاء على أي شيء أو أي شخص يقف في طريق جهودها لإعادة تشكيل سورية الحضارية (كما تريد). 
يبدو أنها قد تنجح فيما فشلت إسرائيل في السابق في تحقيقه، وهو الحد من نفوذ إيران في سوريا. 

اقرأ أيضاً: عين أسماء الأسد على أهم ممتلكات رامي مخلوف ​

لنفهم كيف صعدت أسماء، يجب  أن نكون على دراية بما يحدث خلف كواليس النظام السوري.

لعدة سنوات كان عهد الأسد الأب والابن يعتمد على خلق التوازن بين روسيا وإيران، القوتان الدوليتان اللتان تتدخلان في شؤون سوريا، وبين العلويين (الأقلية الشيعية) التي تحكم البلاد، بالاضافة الى المسلمين السنة الذين يشكلون غالبية السكان، وبين عائلة الأسد التي تحكم سوريا وعائلة مخلوف التي تمول الأولى.

تم خلط جميع هذه الأوراق، وعلى جميع الجبهات بعد الفوضى المستمرة التي تسببت بها الحرب الأهلية ، كما أن انتقال أسماء الأسد من زوجة الرئيس إلى سيدة سوريا الأولى له علاقة كبيرة بكل ذلك. 
بدأ هذا التحول في 6 شباط من العام 2016 عندما توفيت والدة بشار، أنيسة مخلوف، عن عمر يناهز 86 عاماً، التي على الرغم من أنها نادراً ما كانت تظهر علناً، إلا أن مخلوف تُعتبر أقوى امرأة في سوريا والشخص الأكثر نفوذاً على الرئيس.

عندما اندلعت الحرب الأهلية، هي التي نصحت ابنها بقمع المقاومة بقوة لا هوادة فيها، لأنها رأت زوجها حافظ الأسد فعل نفس الشيء بنجاح عندما قامت انتفاضة ضده في العام 1982 في مدينة حماة.  
عائلة مخلوف التي تنتمي إليها أنيسة تعتبر واحدة من أكثر العائلات العلوية تأثيراً، لذلك زواجها من حافظ الأسد أنجب النظام الحالي في سوريا، حيث زود آل مخلوف حافظ بالمال والعلاقات، وهو بدوره رد لهم الجميل بتعيينهم مسؤولين سياسيين وعسكريين ومخابراتيين.

هذا التحالف بين العائلتين هو ما مهد الطريق أمام عائلة مخلوف للاستيلاء على الاقتصاد السوري، الذي يمتلكون منه الآن حوالي 60٪.

ولتسمية الأمور بأسمائها فإن واحداً من بين كل شخصين يعملان في سوريا، يحصل على راتبه من إحدى شركات مخلوف، التي تغطي مجموعة واسعة من القطاعات، كالاتصالات، البناء، التمويل، السياحة، خطوط الطيران، الأزياء، المستحضرات الصيدلانية و المواد الغذائية. 

أسس محمد مخلوف ( 88 عام) شقيق أنيسة الأصغر امبراطورية تجارية في روسيا، وتولى ابنه الأكبر رامي منصب رئيس الشركة العائلية في سوريا، تقدر ثروته الشخصية بنحو 6 مليارات دولار.

كان رامي مخلوف مقرباً وشريكاً لبشار الأسد، وكان يُعتبر "وزير المالية الحقيقي" في سوريا، كما كان بشار شريكاً سرياً في أعمال رامي، وحقق ثروة كبيرة عبر  المؤسسات المرتبطة به.
هذا القُرب بين الرجلين تسبب بأن يكون رامي  على رأس قائمة الأفراد الذين فُرضت عليهم العقوبات الأمريكية عندما بدأت الحرب في سوريا. 

آل مخلوف كانوا الممولين الرئيسيين لجيش الأسد، أتخموا كبار الضباط الروس بعشرات الملايين من الدولارات مقابل تدخل روسيا لدعم النظام السوري، وفي أيلول من العام 2015 أعلنت روسيا مشاركتها العسكرية في سوريا، مما ساعد الأسد على كسب اليد العليا في الصراع السوري.

 لكن تبين لاحقاً أن زيادة التدخل الروسي في سوريا كان سيف ذو حدين، حيث تعمل روسيا منذ دخول جيشها إلى سوريا على جبهتين: الأولى تقويض ارتباط بشار الأسد بإيران ، والثانية الحد من قبضة آل مخلوف على المواقع الرئيسية. 

على سبيل المثال: أجبرت روسيا الأسد على إجراء تغييرات هيكلية في الجيش السوري، وميليشيا قوات النمر التابعة لمخلوف، وذلك لتقوية الجيش السوري ولتحييد سيطرة رامي مخلوف عن قوة عسكرية خاصة قد تقع في يد إيران، وبالتالي تتحكم روسيا بالخيوط في الوقت نفسه.



تزعم مصادر في روسيا أن الرئيس فلاديمير بوتين، يهدف إلى الإطاحة بالأسد من أجل تحقيق الاستقرار في سوريا داخلياً، وتقليل وجود الجيش الإيراني إلى الحد الأدنى.

وصل تدخل روسيا في شؤون العائلتين (مخلوف والأسد) إلى نقطة الغليان في أيلول من العام المنصرم، طلبت روسيا من الأسد أن يسدد ديونه السابقة البالغة 3 مليارات دولار، مما شجعه على طلب المال من مخلوف، رفض الأخير بدوره وكان رد الأسد قاسياً، إذ تمت ملاحقة رامي مخلوف بتهمة التهرب من الضرائب، صودرت معظم ممتلكاته وتم اعتقال موظفيه، واضطر هو نفسه إلى الاختباء، ولم يكن الأسد وراء هذه الخطوة بل أسماء الأسد، التي تترأس لجنة مكافحة غسيل الأموال في سوريا. 

ولدت أسماء (44 عاماً) وترعرعت في لندن، حيث حصلت على تعليمها في أفضل مؤسسات المملكة المتحدة التعليمية، وكانت قد قابلت زوجها لأول مرة  عندما كان يدرس طب العيون في لندن في التسعينيات، وكانت هي تنهي بكالوريوس علوم الكمبيوتر والأدب الفرنسي في جامعة "King's".

كرهت أسماء ابن خال زوجها رامي منذ اللحظة الأولى، التي دخلت فيها القصر الرئاسي، وبصفتها من عائلة الأخرس وهي عائلة سنية من مدينة حمص في غرب سوريا، استاءت من عائلة مخلوف العلوية، التي تمكنت من إبعاد جميع العائلات الأخرى عن المواقع القوية في البلاد. 

ومع ذلك كان على أسماء أن تنتظر رغم استياءها، فقط في ظل  الحرب الأهلية تمكنت من مواجهة رامي.  

وحسب مصادر سورية، فإن أسماء أقنعت زوجها أن الانتفاضة الشعبية التي أشعلت الحرب كانت بسبب الفساد واسع النطاق الذي تلوثت فيه أعمال ابن خاله.

دفع هذا بشار إلى مطالبة رامي بأن يعلن علناً أنه سيتبرع ببعض ثروته للمحتاجين، لكن فَشَل هذا في إعادة السلام، وربما لإرضاء الزوجين الرئاسيين، حَوّل رامي المزيد والمزيد من موارده لتمويل معركة النظام من أجل البقاء.

بالنسبة إلى أسماء، كانت وفاة أنيسة في العام 2016 فرصة لإزالة فوضى آل مخلوف، واستبدالها بنخبة اقتصادية جديدة تتكون من أفراد عائلتها (الأخرس) وعائلة عمها (الدباغ)، ويعتبر والدها فواز الأخرس، وشقيقها فراس من أقرب مستشاريها بالإضافة إلى ابن خالتها محي الدين مهند الدباغ.

تواجه أسماء تحدياً صعباً للاستيلاء على جميع أصول رامي مخلوف، وذلك لتغيير ميزان القوى في البلاد، بما فيها تلك التي تمكن من تهريبها خارج البلاد خلال العقد الماضي.

حيث ذُكر أن  مافيا مخلوف قامت بتهريب أصول تبلغ قيمتها الفلكية 120 مليار دولار، تشمل  مشاريع وشركات في دبي وماليزيا وجنوب إفريقيا ولبنان والنمسا.

تشتيت الممتلكات بهذه الطريقة في عدة دول يتعبره رامي بمثابة بوليصة تأمين له، وبالتالي ستمنع أسماء من قتله، لأنها تعرف أنه هو ووالده وأقرب محاميهم فقط من يعرفون أماكن هذه الممتلكات.

 بالإضافة إلى ذلك كله، تعمل أسماء على إنشاء بدائل لإمبراطورية مخلوف التجارية، ففي العام الماضي على سبيل المثال أمرت بإنشاء شركة اتصالات جديدة "إيماتل"، وهذه الشركة في طريقها لتصبح ثالث أكبر مشغل للهواتف الخلوية في سوريا.

اختيار أسماء للتركيز على صناعة الاتصالات ليس مصادفة، فقد بلغ صافي الربح من مشغلّي مخلوف للهاتف الخليوي، سيريتل  ومجموعة إم تي إن المحدودة حوالي 60 مليون دولار في العام 2019.
علاوة على ذلك فإن كسر احتكار مخلوف للاتصالات في البلاد سيرسل إشارة لإيران بأن نفوذها في سوريا سيختفي.

 في العام 2017 وقعت شركة الاتصالات الإيرانية "MCI"، اتفاقية لدخول السوق السورية كمشغل للهواتف الخلوية، ولكن مع تأسيس شركة إيما تل، تم إبطال الاتفاقية، وكان العذر الرسمي هو العقوبات الدولية على طهران. 

كانت هذه أيضاً فرصة أخرى لأسماء لاسترضاء روسيا، التي كانت تخشى من منح إيران موطئ قدم في سوق الاتصالات السورية.

كل ذلك لم يكن كافياً لأسماء، فصادرت جميع أصول مؤسسة مخلوف التي تملكها مؤسسة البستان الخيرية في آب من العام الماضي، بتهمة الاشتباه في أعمال فساد وتمويل الإرهاب. 

تأسست جمعية  البستان هذه في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لتمويل الإجراءات الطبية للمحتاجين، وتوزيع السلال الغذائية على الفقراء، وتقديم الدعم المالي للطلاب.

لكن منذ العام 2011 قامت الجمعية بتمويل الميليشيات المكلفة بالدفاع عن نظام الأسد وكان مقرها في دمشق، وكانت بمثابة مركز تجنيد لفرق البلطجة أو الشبيحة، التي تعمل بالنيابة عن الدولة.

مصادرة أصول البستان كانت بمثابة ضربة أخرى لجهود إيران، التي تحاول إحكام قبضتها على سوريا، حيث كان الترويج للشيعة أحد نشاطات الجمعية أيضاً.

عندما جاءت مطالب الروس للحصول على المال، ادعى رامي مخلوف أنه لا يستطيع زيادة المبلغ المطلوب، وبدأت مواقع التواصل الاجتماعي المحلية تمتلئ بمقاطع فيديو لأولاده يعرضون سياراتهم وشققهم الفاخرة في دبي، ما تسبب بغضب شعبي مكّن أسماء من التحقيق في شركات مخلوف والمطالبة برؤية سجلاتهم، مدعيةً أنهم زوروا تقاريرهم المالية.



طلبت وزارة الاتصالات السورية من مخلوف دفع 185 مليون دولار بسبب مخالفات في تراخيص التجديد لِشَركتيّه وعدم دفع مستحقات الدولة.

كانت هذه الضربة الأخيرة التي تلقاها رامي قبل نحو الشهر، وترافقت مع  اعتقالات طالت المديرين التنفيذيين في الشركتين. 

تفادي رامي القبض عليه ربما باللجوء إلى معقل عائلته في الساحل السوري، ومن مخبئه نشر رامي مقاطع فيديو على الفيسبوك  قال فيها إن الرئيس السوري مضلل من المقربين منه، كما ألمح إلى أن ما يحدث ليس نزاعاً مالياً بل اضطهاداً للطائفة، ملمحاً بذلك إلى أصول أسماء السنية.

قد يهمك: اللبواني لـ "روزنة": مجلس عسكري-أمني بديلاً للأسد في حكم سوريا​

في الفيديو الأول الذي نُشر في 30 نيسان قال رامي مخاطباً بشار الأسد، بما معناه أنه مجرد ترس في هذا النزاع وأن هناك مجموعة في قمة السلطة تنظر إليه دائماً كمشتبه به، كشخص على خطأ، وكرجل سيء، ودعا مخلوف ابن عمته إلى تصديقه هو. 

لكن في الفيديو التالي قرر رامي رفع نبرته، وقال "سيدي الرئيس: بدأت قوات الأمن هجوماًعلى الحريات الإنسانية"، وأضاف أن "هذا الوضع خطير، وإذا استمر هكذا ستصبح حالة الدولة كلها وخيمة". 
كان على أسماء قبل كل شيء إصلاح صورتها العامة، لكسب معركة السيطرة على سوريا، لذلك مباشرة بعد أن تصدر الربيع العربي عناوين الصحف، ظهرت أسماء الأسد في مجلة الموضة الأمريكية فوغ،  في صور جذابة جداً، هذه الصور تم نشرها تماماً بعد أن بات معروفاً أن جيش الأسد يذبح المتمردين عليه.

لذلك تسبب ظهور  هذه الصور بعد تلك الأحداث، بموجة من الانتقادات ورسخت صور أسماء عزلتها عن الواقع السوري. 

لكن في وقت لاحق تبين أن مراسل مجلة فوغ  الذي كتب ملف أسماء الشخصي فُصل من عمله بعد أن تبين أن ظهور أسماء في المجلة بهذه الصورة البراقة مدفوع الثمن مسبقاً. وذلك من خلال تعاون تجاري بين المجلة وشركة العلاقات العامة براون لويد جيمس "public relations firm Brown Lloyd James".

وهذا الاخير قد تم تعيينه من قبل الأسد لتحسين صورتهم العامة العالمية، وهي خدمة دفع الأسد مقابلها 5000 دولار شهرياً. 

بعد فشل خطة الصورة العالمية هذه وطالما أن القتال مستمر، اختارت أسماء الابتعاد عن الأنظار والاختفاء عن أعين العامة، لكن خلال السنوات القليلة الماضية مع تحقيق قوات زوجها المسلحة انتصارات على المتمردين، ظهرت أسماء باستراتيجية جديدة عبر دعم قوات الأسد "خارجيا" ودعم المرضى والمصابين "داخلياً".

بصفتها السيدة الأولى، ترأست العديد من المؤسسات الخيرية، مما منحها الكثير من الفرص للبقاء في دائرة الضوء. 

في السنوات الأربعة الماضية، حَضرت عشرات المناسبات التي تهدف إلى إبراز الجانب الإنساني الناعم من شخصيتها، مثل زيارة مصابي الحرب، استضافة أقارب العساكر السوريين الذين قتلوا في مهماتهم، الاجتماع بذوي الاحتياجات الخاصة ورعاية الأنشطة المتعلقة بالنساء والأطفال. 

حصلت جهود أسماء في تغيير صورتها على تعزيز مفاجئ في آب من العام 2018 عندما أعلنت سوريا رسمياً، وعلى عكس القاعدة التي يتم اتباعها في الأنظمة المناهضة للديمقراطية، على موقع تويتر أن السيدة الأولى مصابة بسرطان الثدي وبدأت العلاج في أحد المستشفيات العسكرية في دمشق . 

بعد ذلك بشهرين، نشرت الحكومة صوراً لأسماء نحيفة وشاحبة من جراء العلاج الكيميائي وترتدي غطاء الرأس لإخفاء تساقط شعرها. 

واصلت أسماء أنشطتها الخيرية خلال أشهر علاجها الطويلة وتم توثيق زياراتها لمرضى سرطان الأطفال ومصابي الحرب. 

بعد عام من الإعلان الأول عن اصابتها، كشفت في مقابلة مع التلفزيون السوري المحلي، تعافيها من السرطان تماماً، وتحدثت لمدة ثلاثين دقيقة عن التعامل مع المرض وعن دعم زوجها ورعاية أطفالها.

وأرسلت رسائل عن كيفية التغلب على المشقة، وقالت في المقابلة "معاناتي لا شيء مقارنة بمعاناة أولئك الذين واجهوا الحرب وألمي لا شيء مقارنة بألم ومعاناة الأطفال" ، ربما كانت تستعد لرد فعل عنيف محتمل، مثل ذلك الذي واجهته بعد ظهوره العلني السابق.



لكن هذه الصور الجذابة والاقتباسات الملهمة لا تكفي للحصول على تعاطف أمة بأكملها لا تزال في خندق حرب أهلية دموية، بخاصة أنها فتحت سابقاً جبهة ضد أقوى ملياردير في البلاد رامي مخلوف والذي من الواضح أنه جمع خلال السنوات الماضية معلومات محرجة كثيرة عن السيدة الأولى.

لذلك قرر نشر ما يعرف عنها عندما بدأت بملاحقته، ليثبت للسوريين أن أسماء ليست سيدة لطيفة تهتم بِمِحنَتهم بل امرأة عدوانية وفاسدة مدفوعة بمصالحها الخاصة فقط.

قبل حوالي شهر، سرب مخلوف للصحافة أنه بينما كان 83٪ من السوريين يعيشون في فقر، أنفق رئيسهم حوالي 30 مليون دولار على لوحة ديفيد هوكني التي اشتراها كهدية لزوجته.

بعد عدة أيام  تأكد مخلوف من أن الصحافة السورية أفادت كيف أن شركة "تكامل" المملوكة لأسماء تستفيد من أفقر المواطنين في البلاد وهي المسؤولة عن إصدار البطاقات الذكية المستخدمة لشراء المنتجات الأساسية بسعر مدعوم، يرأس الشركة ابن خال أسماء ويتكون مجلس إدارتها من شركاء إضافيين لها.

ووفقاً لتقارير فإن "تكامل" تجمع عشرات الملايين من الدولارات سنوياً من السوريين المحتاجين، الذين يستخدمون بطاقاتها الذكية لشراء الأرز والسكر والوقود، ومع ذلك يحصلون على خدمة سيئة.
ويُزعم أن النظام يستخدم هذه البطاقات أيضاً لجمع المعلومات الاستخبارية عن المدنيين السوريين.

وبحسب مخلوف، فإن شركة تكامل لديها قاعدة بيانات تحتوي على معلومات شخصية حساسة عن ملايين السوريين الذين يضطرون لاستخدام خدماتها.

كان قصد رامي مخلوف من هذين التسريبين (اللوحة وملكية شركة البطاقة الذكية) إلى تقويض الدعم الذي يتلقاه بشار الأسد من قاعدته، العلويين، عندما يشير مخلوف إلى الفقراء ، كان يتحدث عن الفقراء العلويين، أولئك الذين باعهم الرئيس لعائلة زوجته السنية. 

وعندما ينتقد الرئيس لأنه سمح لزوجته بالتدخل، فإنه يشير إلى أبناء الطائفة العلوية، أي أن بشار قد خان نفس الأشخاص، الذين أوصلوا والده إلى السلطة، وبدون بقاء هؤلاء الأشخاص في منصبهم، وبدون علاقاتهم مع كبار الضباط الروس لما كان بشار سينجو من المتمردين عليه. 

من الجدير ذكره أن رامي مخلوف لم يكن ليتمكن من تسريب المعلومات التي لديه من مخبأه المفترض دون مساعدة وسائل الإعلام الروسية وأجهزة مخابراتها، لا يجب هنا الاستخفاف بالمساعدات الروسية، لأن هذا مؤشر واضح على أن الكرملين مستاء من دائرة بشار الأسد المقربة. 

بالنسبة لروسيا، التوقيت الذي اندلع فيه نزاع العائلات هذا في سوريا يعتبر أفضل توقيت، بخاصة بعد أن تعرضت كل من روسيا وإيران لضربة خطيرة بعد أزمة الفيروس التاجي، ويعرف الروس أن إيران ستواجه المزيد من المشاكل في النهوض من هذه الأزمة وسيتعين عليها التركيز في شؤونها الداخلية، واستثمار موارد أقل في سوريا. 

وبالتالي فإن الاعتماد الكامل لكل من المخلوف والأسد على روسيا سيسمح لها بإعادة تصميم النظام المحلي بالطريقة، التي يراها الكرملين مناسبة لمصالحه الخاصة.

اقرأ أيضاً: باحث روسي يكشف أسباب تعيين يفيموف مبعوثاً لبوتين بدمشق​

تجدر الإشارة إلى أن حكم الأسد عرف منذ فترة طويلة الاضطرابات والتهديدات الداخلية والخارجية، أشهرها  في العام 1984 عندما حاول رفعت الأسد الاستفادة من النوبة القلبية التي أصابت شقيقه حافظ كفرصة للإطاحة به في ذلك الوقت بصفته رئيس منظمة شبه عسكرية لشركات الدفاع، وكان لرفعت نحو 50 ألف جندي تحت قيادته. 

لكن هذه المحاولة فشلت وبقي حافظ في السلطة لسنوات عديدة أخرى قبل أن يحل ابنه بشار محله، وهذا مثال آخر على الدور الهام، الذي تلعبه النساء في حكم آل الأسد. 



والدة حافظ ورفعت "ناعسة"، هي التي أقنعت الاثنين بحل الأمر سلمياً، لكن من ناحية أخرى ساعدت أنيسة في تأمين حكم زوجها من خلال تعزيز وضع عائلتها، التي بدورها مهدت طريق بشار إلى العرش.

الآن أسماء الأسد هي التي تعمل على تعزيز مكانة زوجها وخلق استراتيجية طويلة الأمد، يمكن العثور على تلميح لماهية هذه الاستراتيجية في مقابلة أجرتها العام الماضي حين ذكرت أن ابنها الأكبر حافظ البالغ من العمر 19 عاماً مهتم جدا ًبالسياسة. 

وهذا بالطبع يمكن تفسيره بوضوح على أنها تعتزم أن يحل حافظ الابن محل والده عندما يحين الوقت، لكن لتتمكن من تحقيق ذلك، يجب على أسماء أن تضع أسرتها في مواقع قوية، حتى لو كانت الحرب العنيفة تهدف إلى القضاء على كبار ضباط النظام القدامى، لكن وقف إطلاق النار يمكن أن يساهم في نمو غيرهم.

كما تعرف أسماء أن الجهود العالمية لإعادة الاقتصاد السوري إلى أقدامه مرة أخرى بعد الحرب ستجلب مئات المليارات من الدولارات من المساعدات الدولية.

وهي تفعل كل ما في وسعها للتأكد من أنها هي وشركائها سيتمكنون من الاستيلاء على الكثير منه وقدر الإمكان، يمكن أن تأتي الأموال من روسيا أو إيران أو أي مكان آخر، لكن المهم بالنسبة لها أن لا تقع هذه الأموال في أيدي آل مخلوف.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق