كورونا يصل بمسار أستانا إلى محطته الأخيرة

كورونا يصل بمسار أستانا إلى محطته الأخيرة
تحليل سياسي | 22 أبريل 2020
مالك الحافظ - روزنة|| سعت الولايات المتحدة منذ قرابة العام ونصف إلى إنهاء مسار أستانا، وهو الأمر الذي على ما يبدو محققاً على أرض الواقع، وذلك على خلفية جملة من المتغيرات الميدانية في سوريا ساهمت بشكل أو بآخر إلى تغير واضح في ميزان النفوذ السياسي للقوى المتدخلة في الشأن السوري. 

تُنازع طهران رمقها الأخير للحيلولة دون إبعادها عن المفاوضات الثلاثية (إيران، روسيا، تركيا) ضمن مسار أستانا حول الملف السوري، غير أن المجريات الميدانية على الأرض منذ  العام 2018 وامتدادا حتى مطلع شهر آذار الفائت تشي بأن إيران ستخرج من الباب الضيق للمسار السياسي في سوريا و ستلجئ إلى افتعال الاحتراب مجددا في الشمال السوري، في وقت لم يعد أي طرف آخر سواء الروسي أو التركي، في مشهد يتجه للتهدئة في الشمال، بينما  يبرز الأميركي في الشمال الشرقي من الأراضي السورية كبيضة القبان في ميزان النفوذ الدولي على الأرض السورية. 

واشنطن التي اقتربت فعليا من إنهاء مسار أستانا، كانت منحت الضوء الأخضر لتركيا في شن عمليتها العسكرية شرق الفرات "نبع السلام" (تشرين الأول 2019) ما منح نفوذاً تركياً أوسع في سوريا، في مقابل استمرار التضييق على نفوذ العناصر الإيرانية في شرق وجنوب سوريا، يأتي كل ذلك في وقت استطاعت روسيا من مساعدة دمشق على مساحة شاسعة من الأراضي السورية، في جنوب ووسط سوريا وشمالها، من خلال مسار أستانا ضمن ما اطلق عليه مناطق خفض التصعيد، وعبرها سيطرت حكومة دمشق على الجنوب السوري (درعا والقنيطرة) و أنحاء عدة من أرياف دمشق سواء في الغوطة الشرقية، و ضواحي دمشق الشمالية والجنوبية، وصولا إلى أرياف حمص الشمالي وحماة الجنوبي، وامتدادا إلى أرياف حماة الشمالي و إدلب الجنوبي، وقطاعات حلب شمالها وجنوبها وغربها. 

ما هي اتفاقات خفض التصعيد؟ 

في الـ23 من كانون الثاني 2017 بدأ مسار أستانا، والذي تعتبره شريحة من واسعة من المعارضة الشعبية والسياسية منها، بأنه المحرك الأبرز لخروج مناطق عدة من سوريا من تحت يد المعارضة. 

وشاركت المعارضة منذ الجولة الأولى؛ بوفد ممزوج بين سياسيين وعسكريين من الائتلاف المعارض والفصائل المدعومين من أنقرة وذلك بدفع وطلب تركي مباشر.

في الجولة الأولى من المسار توصلت وفود روسيا وتركيا وإيران إلى اتفاق على إنشاء آلية ثلاثية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار في سوريا، فيما أفرزت الجولة الرابعة في مطلع أيار 2017؛ اتفاق مناطق خفض التوتر أو خفض التصعيد؛ و التي شملت كامل محافظة إدلب و شمالي محافظة اللاذقية و و أجزاء من محافظة حلب، وأجزاء من محافظات حماة وحمص ودرعا والقنيطرة، ومنطقة الغوطة الشرقية بريف دمشق.
 
اقرأ أيضاً: عسكر أستانا على أبواب خان شيخون!

ووقع ممثلو الدول الراعية لمسار أستانا (روسيا وتركيا وإيران) على المذكرة التي اقترحتها روسيا لإقامة مناطق لتخفيف التوتر في سوريا، وأكدت روسيا أنه سيتم تطبيقها لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد. 

رأت المعارضة الشعبية والعديد من المحللين والمتابعين للشأن السوري أن الاتفاق آنف الذكر ساهم بشكل كبير في التخلي عن المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، مرجحين أن بنوداً غير معلنة في الاتفاق تؤكد على وجوب إبعاد سلطة المعارضة عن هذه المناطق، و بأن وفد المعارضة الذي حضر جولات أستانا يعلم تلك البنود رغم نفي أعضاء في والوفد وخلال مناسبات عديدة معرفتهم أو مسؤوليتهم عن أي تسليم لتلك المناطق.

قبل تمديد الاتفاق بين ثلاثي أستانا للمرة الثانية، وبعد مرور أقل من عام على التوقيع، بدأت مناطق خفض التصعيد بالسقوط الواحدة تلو الأخرى، كانت أولها غوطة دمشق الشرقية في نيسان 2018، وتبعتها بعد ذلك منطقة ريف حمص الشمالي، قبل أن تلحق بركب ما أطلق عليه "اتفاق التسوية"، وهي اتفاقات منفردة فرضها النظام السوري بدعم روسي من خلال تصعيد عسكري و حصار مطبق على المناطق المذكورة؛ وبمشاركة إيرانية مقابل غياب أي دور تركي مؤثر؛ عدا التصريحات الإعلامية لأنقرة.

ما الذي يختاره الروس؟

بات الروس على يقين بعد تدخلهم العسكري المباشر في سوريا (أيلول 2015) أن ساعة وقف مسار الحديد والنار قد أزفت، في ظل ضغوط متزايدة على الروس من قبل واشنطن و تل أبيب في إخراج النفوذ الإيراني من سوريا، مقابل إرساء التوافقات الروسية التركية في الشمال السوري غرباً و شرقاً، مقابل منح واشنطن دعمها لتركيا، الأمر الذي قضى عملياً بحذب روسيا صوب تركيا، وقناعة موسكو أن الحل لن يتم إلا عبر هذا التوافق الثلاثي، وأما عن ثلاثي أستانا فلم تعد له أي حاجة له، ما دام أن دمشق سيطرت على مناطق عدة كانت خارجة عن سيطرتها، وتبقى مناطق النفوذ الأميركي والتركي رهن التفاهمات النهائية دون وجود إيران.

ما يشي أن الجولة التي عقدت اليوم من مسار أستانا عبر الوسائل الإلكترونية بسبب استمرار أزمة فيروس "كورونا المستجد" (كوفيد19)، قد تكون آخر جولات المسار الثلاثي، الذي انتفت الحاجة إليه من وجهة النظر الروسية. 

وكان بيان للخارجية الإيرانية، أفاد اليوم الأربعاء، حول الاجتماع الثلاثي الذي جمع وزراء خارجية الدول الثلاث (روسيا وإيران وتركيا) عبر الإنترنت، إنه تم التطرق خلال الاجتماع إلى آخر التطورات بشأن إدلب والدستور السوري، وضرورة إلغاء العقوبات أحادية الجانب على سوريا، في ظل انتشار فيروس كورونا في العالم​​​.

كما أكد الاجتماع على "استمرار المشاورات والتعاون بين الدول الثلاث، الضامنة لعملية أستانا، على أعلى المستويات، حيث أن هذه العملية هي العملية الأهم والأكثر تأثيرا لحل الأزمة السورية".

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق