اتفاق أردوغان-بوتين حول إدلب… روسيا تحقق مكاسبها؟

اتفاق أردوغان-بوتين حول إدلب… روسيا تحقق مكاسبها؟
سياسي | 06 مارس 2020 | مالك الحافظ

مع توقيع اتفاق موسكو حول إدلب، بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، مساء أمس الخميس (5 آذار/مارس) حققت روسيا انتصارها السياسي الأكبر منذ تدخلها العسكري في سوريا (أيلول عام 2015)، لا سيما وأنها استطاعت أن تظهر بالقوة التي يمكن أن تفرض نفسها أمام باقي القوى الفاعلة في الشأن السوري. 

 
لا دقة أو منطقية في الكلام الشائع حول صفقات متتالية ستعقد بين الروس و الأتراك، تضمن لكلا الطرفين تبادل بعض مناطق النفوذ في الشمال السوري، كل على حسب مصالحه، ما يعني وفق الشائع أن "اتفاق موسكو" هذا سيعقبه تبادل مناطق النفوذ بين الجانبين و السماح لتركيا بالسيطرة على مناطق في ريف حلب الشمالي والشرقي بعدما سمحت أنقرة لموسكو بالسيطرة على الطريق الدولي "M5" (حلب-دمشق)، و الوصول للسيطرة الكاملة تدريجياً للطريق الدولي "M4" (حلب-اللاذقية) سواء من خلال صمت تركيا عن تمدد القوات المدعومة من روسيا على امتداد "M5" خلال الشهور القليلة الماضية، و توقيع "اتفاق موسكو" الذي ثبت النفوذ الروسي في المناطق الممتدة على طول هذا الطريق، ويسمح أيضا بتمدده لاحقا إلى "M4". 
 
تختلف المرحلة التي سمحت فيها روسيا للأتراك بدخول منطقة عفرين عام 2018، وكذلك الأتراك عندما رتّبوا خروج المعارضة السورية المسلحة من مدينة حلب نهاية عام 2016. فبين مرحلة أرست دعائم التفاهمات بين الجانبين، وبين مرحلة تريد منها روسيا بشكل رئيسي التحضير لاستحقاقات مفصلية مقبلة تريد إنجازها وفق ما تريده في سوريا. 
 
الاستراتيجية الروسية في سوريا تتمثل وفق المخطط المرسوم لها بحسب الفترة الحالية بإنهاء قسم كبير من الأعمال القتالية، والعمل على تثبيت الاستقرار في المناطق التي تم فيها توقيع اتفاقات تسوية محلية أو إقليمية، سواء في جنوب ووسط البلاد و الآن في شمالها، ومن ثم تهيئة الأجواء للعمل على ملفات عدة بشكل تراتبي، وذلك وفق معلومات خاصة من مصدر دبلوماسي في وزارة الخارجية الروسية. 
 
 أولى تلك الملفات يبرز من خلال إرساء الاستقرار النسبي في المناطق السورية، ومن ثم التحضير للانتخابات الرئاسية لتحقيق نصر سياسي جديد للروس على الساحة الدولية، بالتوازي مع إعادة طرح ملف عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم في ظل حصول الاستقرار، وهو ما يتطلب بالضرورة تقديم دعم مالي كبير يصل لأكثر من 400 مليار دولار، كمتطلب لإعادة الإعمار، وهي المرحلة الأكثر حساسية بالنسبة للروس التي ينتظرون دخولها. 
 
كيف تتحقق المكاسب الروسية؟ 
 
تدرك روسيا أن الوصول لإعادة الإعمار يتطلب تجاوز محطات عدة، سيكون من أهمها إعادة تعويم النظام السياسي الحاكم في سوريا، والعمل على إنهاء جدل شرعية بقائه إذا ما اختاره صندوق الانتخابات وإذا ما عادت له السيطرة الأكبر على الأرض السورية، وهو ما أتمت نصفه ويتبقى الانتخابات إذا ما تمت في موعدها (منتصف العام المقبل).
 
يساهم "اتفاق موسكو" حول إدلب، في تحقيق تلك الأهداف الروسية، فالاتفاق يوقف القتال ويوجه البوصلة بشكل أدق نحو ملف "مكافحة الإرهاب" الذي لن ترفض الخوض فيه كل الدول الفاعلة في سوريا، وقد تكون حكومة دمشق هي الذراع المحلي الأكثر قدرة على التصدي لذلك بعدما استطاعت استعادة السيطرة على أراض واسعة في البلاد -هكذا تحاول روسيا رسم الصورة-.
 
الدور العربي في الملف السوري تراه روسيا كـ "حجر الزاوية" لذا فإن دخول المجموعة العربية الوازنة (السعودية، مصر، الإمارات) لحل تشابكات الأزمة السورية. على الصعيد السياسي يساهم الانفتاح على دمشق تعزيز هذا الدور وتحجيم المشاريع الإقليمية، لكن في الوقت ذاته ستسعى روسيا وعبر علاقاتها الإيجابية مع دول الخليج العربي أن تبعد شبح التصادم مع محور تركيا-قطر، رغم صعوبة المهمة لكنها لن تكون بالمستحيلة، فالتفاهمات الروسية-التركية حاضرة بشكل متميز في سوريا وكللها "اتفاق موسكو" بالتعزيز والتطوير.
 
 كذلك العلاقات الروسية مع المجموعة العربية هي علاقات يبنى عليها تفاهمات عميقة واتفاقات متينة للانطلاق منها نحو تعزيز الدور العربي مقابل تخفيف وطأة التأثير السلبي للمشاريع الإقليمية، وفي مقدمتها المشروع الإيراني في سوريا الذي قد يتم تحجيمه عسكريا وسياسيا من خلال أموال المجموعة العربية التي ستعوض طهران عن الضخ المالي الذي قدمته خلال السنوات الماضية. 
 
إذاً فإن التقارب العربي التركي بتأثير ورعاية روسية سيعود بالنفع الكبير على موسكو في تسيير مراحل مخططها في سوريا والوصول إلى إعادة الإعمار، بعد تخطي أيضا التعويم السياسي و الاقتصادي.
 
معيقات المكاسب الروسية 
 
نقاط أساسية تُشكل في كل منها على حدى عائقاً كبيراً أمام استمرار تنفيذ المخطط الروسي بعد الانتهاء من السيطرة مؤخرا على مناطق واسعة من إدلب وحلب إثر تثبيت التفاهمات التركية-الروسية من خلال "اتفاق موسكو"، لعل أبرز العوائق تأتي من واشنطن عبر "قانون قيصر" الذي فعلته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نهاية العام الفائت، وينتظر الروس وحلفائهم دخول أولى قرارات العقوبات حيز التنفيذ، حتى يستطيعون تدارك عواقب تلك العقوبات، على مبدأ "استيعاب الصدمة". بخاصة و أن تلك العقوبات لا بد أنها ستستهدف مساعي روسيا في رسم التحركات السياسية لدمشق، و التعويم الاقتصادي و السياسي لها مع المحيط العربي، و بالتالي صعوبة الانتقال لمرحلة إعادة الإعمار. 
 
قد تكون إدارة ترامب عامل سلبي على الدور الروسي في سوريا، سواء فيما يتعلق بالتأثير المحتمل لـ "قيصر"، وكذلك التعاطي التصعيدي مع إيران، غير أنه لم يظهر نتائج مرضية وداعية للتفاؤل في تحجيم نفوذ إيران، و إنما يساهم في استعصاء حل ملف وجودها في سوريا. 
 
الوجود الإيراني في سوريا هو العائق الآخر الذي يعطل المكاسب الروسية، ولعل التقارب الروسي-التركي يساهم مستقبلا في إيجاد مسارات تسوية موازية (عربية-إقليمية) بديلة عن "مسار أستانا" ويكون من شأن ذلك التقليل من حجم إيران في الملف السوري على الصعيد السياسي، والامتداد نحو النفوذ العسكري وتقليصه، وكذلك الاقتصادي من خلال دعم مالي عربي. روسيا ضاقت ذرعاً بالوجود الإيراني وهي بعد الاتفاق حول إدلب أكثر جهوزية للتخلص من النفوذ الإيراني، قد يكون بمقابل صفقة مع الجانب الأميركي.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق