أنثى أخرى فقط!

أنثى أخرى فقط!
أخبار | 08 أكتوبر 2019

أعلنت "روزنة" منتصف الشهر الفائت؛ أسماء الفائزين بمسابقة "الجندر" التي نظمتها مؤخراً لأفضل قصة إنسانية "لم تكتب بعد".

وبعد اجتماع اللجنة المكونة من ثلاثة أشخاص تم اختيار أربع قصص رابحة من القصص التي التزمت بمعايير وموضوع المسابقة، وينشر لكم موقع "روزنة"؛ القصة الفائزة في المرتبة الثانية بعنوان "أنثى أخرى فقط" لـ سناء محمد، بعدما نشر يوم السبت الفائت القصة الفائزة في المرتبة الثالثة بعنوان " عن قصة الطفلة مرح" لـ مصعب السعيد، كما نشر الموقع في الأسبوع الماضي القصة الفائزة في المرتبة الرابعة، وعلى أن تنشر القصة الحائزة على المرتبة الأولى يوم السبت المقبل.

أنثى أخرى فقط

أن تعيش وسط فقاعة؛ أمر يجعلك شخصاً عائماً ممنوعاً عليه ملامسة ما حوله، وعرضةً  للسقوط أينما وكيفما حل، خطواتك محسوبة بالسنتميترات لا بالأمتار، وكل حرفٍ يخرج من فمك يجب أن يُزان ويُقاس وكل احتدامٍ بالناس ستعض أصابعك ندماً بعده.

أن تحكم بالبقاء بين جدران منزلك  بعيداً عن تناول الوجبات الدسمة  لثرثارات الحي فتوسم بعار كونك ضحية وتمضغ كقطعة لبان تدار بين أفواههم  وتصبح طريدةً يقتنصها الجميع بعيونهم ويقضمونها بأضراسهم، يجعل فكرة الانتحار أمراً سائغاً وهوساً يرافقك كأفكار المراهقين بالحب والرجال بالجنس، ونيل حريتك تغدو أمنية ترجوها كل يوم.

يُقال: "لكل امرئ من اسمه نصيب"  فيا ليتهم لم يصدقوا فمن اسماني شجون يستحق حتماً نصيباً من اسمي ولكنه فارقنا باكرًا، والدي العزيز: أفتقدك اليوم كما اشتاق أمي ولكني سعيدة بموتك، فلو كنت بينهم لشاركتهم بطشهم وتغنيت برجولتك أمام عشيرتك البائسة.

قبل أن أرتدي العار كنت طفلةً في الخامسة عشرة، أعيش في قرية نائية مع أخوتي الخمسة كنت أصغرهم ولي أخٌ توأمٌ شاركني الرحم ولم يشاركني الحياة، يفصل بين قريتي و السماء غيمةٌ والكثير من دموع وحسرات المستضعفات من نساء القرية المرغمات على عبودية الذكر، كنت أولى الفتيات اللواتي التحقن بالمدرسة الإعدادية التي افتتحت في قرية مجاورة ارتادها مشياً على الأقدام، حتى أن حذائي اهترئ عدة مرات فقد نال منه حر الصيف وزمهرير الشتاء أكثر مما نال من عظامي بقيت ألملم أشلاؤه بإبرة الملاحف إلى أن أعلن حالة الموت السريري طالباً مني استراحةً أبدية، حينها وقعت في حيرة بين الذهاب حافية القدمين أو أرتدي حذاء جدتي البلاستيكي الملون وكان الأخير خياري، ارتديته ولم أبالي بتعليقات بنات المدرسة، فكل جلدةٍ تجعلني على عتبات حلمي في الخروج من سجن هذه القرية نحو حياة المدينة الملونة كانت مجرد دغدغة تصيبني بالضحك.

 كنت عرضةً للمتسكعين والفضوليين الذين يربضون لي على  الطرقات فلم يألفوا مشاهدة فتاة حاسرة الرأس ببنطالٍ عسكري وحزامٍ نحاسي ولو أنه كان فضفاضاً، كنت أعجوبة القرية وحديث كؤوس المتة الصباحية، "آه يا أبا أحمد لو كنت حياً لما سمحت لابنتك بالخروج هكذا".


"فقط إلى زوجتي"... من القصص الرابحة في مسابقة "روزنة" للقصص الإنسانية


يوماً بعد يوم بدأ حديثهم لا يعني لي شيئاً، مجرد فطور صباحي يمنحني طاقةً للمضي قدماً وكل الكلام المشحون الذي يحشونه في عقول أخوتي أعالجه بقبلة على جبينهم وأمضي.
"يوم عاري" كنت عائدة فيه من آخر امتحانٍ والسعادة تدفق من وجهي، إلى أن توقفت أمامي على تخوم القرية دراجةٌ نارية ترجل منها ثلاثة رجالٍ ملثمو الوجه جروا جسدي بعنف وتناوبوا على نحر أحلامي وهدم أمنياتي، اليوم لا أذكر منهم سوى الرائحة العفنة وإن حاولت التذكر لا تشي ذاكرتي سوى بالخيبة والألم. 

رميت بعدها بجسدٍ مدمى بدماء عذريتي ملطخُ بعهرهم، لاستيقظ على أصوات أخوتي، يصرخون كذئابٍ جائعة تريد النيل من فريستها، كانت حناجرهم تصدح وأيديهم مدلات فوق وجهي منهم من صفعني ومنهم من شد شعري، لم أشعر حينها بالألم،  فجسدي المنتهك كان مخدراً، تشبثت بالسرير وهم يحاولون شدي خارجه إلى أن جاء الأطباء وأبعدوهم عني، أما أخي التوأم فنظر إلي بحزنٍ ثقيل واستسلام.

"ما ذنبها.. أبحثوا عمن لطخوا شرفكم" قالها أحد الأطباء الغرباء، ليجيبه أخي الأكبر: "ذنبها أنها تدللت وفرضت سطوتها علينا حتى سمحنا لها بفعل ما لم تفعله أي فتاة في القرية، ارتادت المدرسة رغماً عنا وحصدت لنا عاراً لن تمحوه شهاداتٌ ورقية ما حيينا".

بعدها وبعد تدخل عدد من وجهاء القرية  لم ينفذ أخوتي حكمهم ربما لأن توأمي الذي لم يتجاوز السن القانوني لم يرضخ لإرادتهم وإلا لكنتُ جريمة شرف أخرى يعاقب فاعلها القاصر ساعاتٍ ويخرج بطلاً مزهواً بنصره.

سجنت غرفتي، أغلقت النوافذ والأبواب بقضبان حديدية، وبات الخوف شريكي الذي يسكنني، أتوجس وأرتعد حتى من سماع  زقزقة العصافير، وغدا لبيتنا رهبة ورائحة السجن، زوجاتهن يضعن لي الطعام كجروٍ بائس، لا يحدثنني إلا همساً أو إيماءً ، لم أعلم حينها أني حققت المرتبة الاولى في الشهادة الإعدادية، عُذبت عاماً كاملاً دون رحمة ثم توقفوا واكتفوا بتجاهل وجودي ربما مللاً أو لأن جسدي لم يبقَ به مكانٌ لم يدق مرارة التعذيب، مع ذلك لم يفارقني الذعرُ يوماً كنت مثخنا بالقهر من رأسي حتى أخمص قدمي.

مرت 10 أعوام كانت بالنسبة لي قرناً حاولت خلال الانتحار مراتٍ عديدة ولكن الحياة رفضت مفارقتي، إلى أن جاء ذلك اليوم، كانت أصوات الرصاص تملأ المكان لم أدري ماذا يحدث فقد كنت مغيبة عن العالم كلياً، آخر ما أذكره أن قفل غرفتي سقط أرضاً وفتح الباب خرجت فلم أجد أحداً، ولم أدري من فعلها، كان أهل القرية  يركض لا أعلم لماذا أو إلى أين ولكني ركضت مثلهم  حتى خارت قواي وسقطت أرضاً.

حين فتحت عيناي كنت داخل مشفى في المدينة، سألوني عن اسمي ولكني لم أنطق ببنت شفة حتى حسب الجميع أني صماء، لفتت أنظارهم آثار التعذيب على جسدي فأصبحت محط اهتمام تعاطفاً ربما أو شفقة، بقيت هناك حتى عرضت إحدى الجمعيات المعنية بالمعنفات رعايتي، خضعت حينها لعلاجٍ نفسي وجسدي استمر سنوات إلى أن بدأت بالتعافي وعاد لي النطق، رويت قصتي لرئيسة الجمعية التي ساعدتني على العودة للدراسة إلى أن نلت الثانوية العامة وحصلت على المرتبة الأولى.

اقرأ أيضاً: عن قصة الطفلة مرح!

 بعدها دخلت كلية الحقوق لأحمي المستضعفات مثلي، مرت السنوات بسرعة تخرجت وتزوجت وأصبحت وجهاً إعلامياً وناشطةً لحقوق المرأة وأحد أعضاء مجلس إدارة الجمعية وكان أحد المشاريع التي عملت عليها توعية الذكور عن حقوق المرأة، كنت ادخل المنازل التي يبلغ عن وجود حالات عنف أسري فيها و أحاورهم منهم من يلين ومنهم من يرفض حتى الحوار مع إمرأة، في أحد الأيام جاءنا بلاغ من إحدى المدارس عن طفلة  تتعرض للضرب يومياً، ومنعت من ارتياد المدرسة فذهبنا إلى منزلها طرقنا بابها البائس لتفتح لنا امرأة شاحبة بعيون تحيطها هالات زرقاء وآثار كدمات يبدو عليها أثار التعنيف بوضوح رفضت السماح لي بالدخول وطلبت مني أن أرحل ولكني دخلت عنوةً وجلست انتظر زوجها وأنا احضر نفسي لمواجهة قاسية ، لكني لم اتخيل أنها ستكون مؤلمة لتلك الدرجة ما أن دخل الرجل حتى شل لساني، وجفت الدماء داخل عروقي  كان أخي التوأم  الذي لم أعرف عنه أو عن أخوتي شيئاً منذ سنوات ولكن يبدو جلياً أنه شرب ماؤهم، لم يعرفني فمستحضرات التجميل وثيابي الأنيقة أخفت أثار قهرهم وطمست ملامحي، لم أتمالك نفسي فغشيت باكية وخرجت هرولة دون أن أنظر خلفي.

 أدركت أن قصتي ستعاد وآلاف وربما ملايين النساء سيعشنها ولن يأخذ بيدهن أحد ما لم يتمردن ويخرجن من تلك القوقعة المقيتة نحو عالمٍ مختلف، فالحقوق تقتنص لا تعطى.
 شجون الصغيرة  سأعود لآخذك وسأكسر أكبال طفولتك وطفولتي وأرمي بذلك القفل الصدئ إلى الأبد، أعدك...

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق