عن قصة الطفلة مرح!

عن قصة الطفلة مرح!
أخبار | 05 أكتوبر 2019

 

أعلنت "روزنة" منتصف الشهر الفائت؛ أسماء الفائزين بمسابقة "الجندر" التي نظمتها مؤخراً لأفضل قصة إنسانية "لم تكتب بعد".

وبعد اجتماع اللجنة المكونة من ثلاثة أشخاص تم اختيار أربع قصص رابحة من القصص التي التزمت بمعايير وموضوع المسابقة، وينشر لكم موقع "روزنة"؛ القصة الفائزة في المرتبة الثالثة بعنوان " عن قصة الطفلة مرح" لـ مصعب السعيد، بعدما نشر الموقع في الأسبوع الماضي القصة الفائزة في المرتبة الرابعة، وعلى أن تنشر باقي القصص الفائزة تباعاً.

"عن قصة الطفلة مرح"

غصت مناطق المعارضة والموالاة في سوريا بحالات زواج القاصرات، وبلغ مستويات قياسية خلال سنوات الأحداث التي حلت بالبلاد، ومن تلك القصص وأكثرها مأساوية قصة مرح الحسين، التي تحولت لامرأة قبل أن تكمل الـ 15 ربيعاً.

تنحدر مرح، من منطقة سهل الغاب (غرب حماة)، تركت مع والديها منزلهم في العام 2017، إبان اشتداد الاشتباكات بين طرفي النزاع هناك، لتستقر في مخيمات أطمة الحدودية، حين كانت تبلغ من العمر 13 عاماً.

وفي ذات يوم من صيف العام 2017، وجدت جثة والد مرح مرمية في أحد بساتين الزيتون شمال سوريا، بعد أن افتقدته الأسرة لأكثر من أسبوع، وهنا كانت المأساة الأولى بحياة مرح. أكملت والدة مرح فترة مكوثها في العدة الشرعية بحسب "الدين الإسلامي"، لتتفاجأ وطفليها في اليوم الذي تلا آخر يوم من عدتها، بقدوم أعمام مرح ومعهم رجل في الأربعين من العمر، وعند دخولهم إلى خيمة العائلة أفصحوا عن مرادهم، وقالوا "إن الرجل يريد الزواج، وجاؤوا به ليرى مرح ويتزوجها إذا أعجبته".

وتروي والدة مرح أنه حينما أقبل أشقاء زوجها وطلبوا الإذن بالدخول رفقة الرجل الغريب، راودها إحساس باقتراب الفاجعة من عائلتها، وتحقق حدسها عندما همس أحد أشقاء زوجها بأذنها، قائلاً: "اذهبي وجهزي مرح، فالرجل يريد أن يراها للزواج بها".

"هكذا وبدون أي إنذار أو خبر مسبق، جهز أشقاء زوجي العريس وجاؤوا به لابنتي"، تقول والدة مرح، وحين رأى الرجل الفتاة الصغيرة، اندهش من جمالها وصغر سنها، لتنطق شفاهه بكلمات مقتضبة، معلناً لي عن رغبته بالزواج من ابنتي، واعداً أنه سيعمل على إسعادها وتأمين كل متطلبات حياتها، فما كان مني إلا الرفض القطعي، ليعلو صوت شقيق زوجي بالقول "إن البنت لنا ونحن نزوجها كيفما نشاء"، وفي تلك اللحظة خرجت من الخيمة رفقة مرح، لنبدأ بالبكاء ونستذكر زوجي، الذي لو كان حياً لما سمح بحدوث مثل هكذا جريمة، فهل يعقل أن أزوج مرح، وهي لا تتجاوز الرابعة عشر من عمرها؛ تقول والدة مرح.

وعلى مضد، وتحت ضغط غريب من أعمام مرح، بدأت التجهيزات للخطوبة، في وقت لا تعلم فيه مرح معنى الخطوبة والزواج، وبالفعل قدم العريس، ويدعى شاكر، مرتدياً جلابية، بلحية مصبوغة بالسواد، وكان بمفرده دون أي أقارب أو أصدقاء إلا أعمام مرح.

تمت الخطوبة و فتحت معها كابوساً أبدياً على مرح، التي أسهبت بشرح ما حدث ذلك اليوم، قائلة: "استفقت في ذلك اليوم المشؤوم من شهر تشرين الاول من العام 2017، والحزن يخيم على وجه والدتي المغلوبة على أمرها، أما أخي الصغير لم يكن يعلم ما يجري"، وتستفيض مرح بالشرح، والدموع تنهمر من عينيها، "اجتمع أعمامي وزوجاتهم، اللواتي بدأن بتزييني في ذلك اليوم، والكل بانتظار العريس، لكن بالنسبة لي كان وجهه عامل رعب، متجسداً بلحيته الكثيفة وشاربيه الطويلين، وبالفعل وصل ظهر ذلك اليوم بمفرده، وما إن تم عقد القران بينه وبين عمي الأكبر، توجه نحوي مسرعاً؛ ليمسك يدي ويحاول تقبيلي أمام والدتي، إلا أنني لم أقترب منه، بل جهشت بالبكاء جراء ذلك الفعل الذي كان غريباً بالنسبة لطفلة لم تنه الرابعة عشر من عمرها".

وفي العشرين من الشهر ذاته، تحدد موعد زواج مرح بخطيبها، ذلك الزواج الذي لا تعرف منه مرح سوى اسمه، شاكر لم يزر مرح سوى مرتين، ولم تكن تعلم أن إحدى الزيارتين كانت لتحديد موعد الزواج، ووصفت مرح ذلك اليوم، قائلة: "بعد تحديد موعد الزفاف، لم أعرف النوم، والتفكير يأخذني، كيف سأفارق حضن أمي واللعب مع أخي؟ وكيف سأعيش مع ذلك الكائن؟ شعرت حينها أن الدنيا برمتها متآمرة على حياتي وتريد أن تعذبني بعد ممات أبي". 

وتتابع "في اليوم المشؤوم؛ حضرت زوجات أعمامي ومعهن ثوب أبيض، طلبن مني حينها أن أجهز نفسي لارتدائه، عندها تساءلت كيف أجهز نفسي؟ ووالدتي حينها لم تنبس ببنت شفة، في حين ضحكت إحدى زوجات أعمامي وطلبت مني أن تدخل معي إلى الحمام، طبعاً رفضت بادئ الأمر رفضاً شديداً، وبدأت أصرخ وأبكي، إلا أن أمي نطقت عندها وطلبت مني الموافقة، وبالفعل دخلت زوجة عمي معي إلى الحمام وجهزتني كعروس لعريسها، وأنا مذهولة ولا أعلم ما يجري.. ارتديت الثوب الأبيض حينها، وجاء خطيبي بسيارة سوداء اللون، وأمسك يدي ليصحبني إليها، لا أذكر من تلك اللحظات سوى معانقتي لشقيقي الصغير وأمي، التي كادت أن تموت جراء صعوبة تلك اللحظات".

وتكمل "وصلنا إلى منزل في بلدة على الحدود السورية التركية، ولا يوجد أحد في ذلك العرس سوى أنا وهو، وكان الوقت يميل إلى المساء، دخلت البيت وقلبي يرتجف، وبدأ شاكر بتقبيلي وحملني بين يديه إلى غرفة فيها أصناف متنوعة من الطعام والمشروبات، وفيها سرير خفق قلبي أكثر عندما رأيته.. استمر شاكر نحو نصف ساعة وهو يأكل ويشرب، في حين كنت جالسة على حافة السرير أرفض دعوته لمشاركته الطعام، ولم أكن حينها قادرة على الكلام، سوى أن أتوسل إليه أن يعيدني إلى أمي، ويرد على مطالبي بالضحك، ثم ليتوجه نحوي ويبدأ بخلع ملابسه، ومن ثم عمد إلى خلع الثوب الأبيض عني".

هنا توقفت مرح عن الكلام، ولم تفصح عما جرى معها في تلك الليلة، واكتفت بالقول: "لم أتصور أن الزواج يحمل كل ذلك العذاب والألم والوحشية".

اقرأ أيضاً: "فقط إلى زوجتي"... من القصص الرابحة في مسابقة "روزنة" للقصص الإنسانية

مر أسبوع على زواج مرح، سبعة أيام وصفتها مرح بالسوداء، حيث كان شاكر كل ليلة يطلب منها أن تتزين له وتلبس ما يجلب لها من لباس كل يوم، وتقول مرح، "إن الرجل الذي أصبح زوجي، بدأ يطلب مني أشياء لا أفهمها في الفراش، وكثير من الأحيان كان يضربني ويشتمني ويستهزئ بي لكنه وبعد مرور 15 يوماً، بدأ يميل إلى اللين في المعاملة وحسن التعامل معي، وبدأ يلبي كل طلباتي، حتى أنني طلبت منه أن يأتي بوالدتي وأخي، وبالفعل جاؤوا إلى منزلي عدة أيام.. شيئاً فشيئاً بدأت علاقتي بزوجي تتحسن وتميل إلى الاستقرار، ولم أكن أعرف عن عمله شيئاً سوى أنه يملك جمعية إغاثية، وكان وفير المال حتى أنه كان يأتي بسيارة جديدة كل أسبوع".

وبعد مضي 45 يوماً من زواج مرح، غاب زوجها لمدة ثلاثة أيام عن المنزل، وفي صبيحة اليوم الرابع حضرت زوجة عم مرح وطلبت منها مغادرة المنزل والعودة إلى المخيم.
عادت مرح وعلامات التعجب والأسئلة الكثيرة تحملها عن الذي جرى، لتخبرها زوجة عمها عند وصولها إلى المخيم أن شاكر فر خارج البلاد ولن يعود إليها ثانية. 

فرحت مرح بادئ الأمر، كونها تخلصت من شاكر، ولم تعد مضطرة لرؤيته، وأنها عادت إلى أمها وأخوها وصديقاتها، لكن شعور الفرح لم يدم طويلاً، حسبما وصفت مرح، لأن ذوي صديقاتها منعوهن من الاختلاط بها، كونها امرأة متزوجة ومن الممكن أن تتكلم بأشياء تضر تربية البنات، أما والدة مرح، فطلبت منها عدم الخروج من الخيمة إلا للضرورة كونها امرأة متزوجة، لتجد مرح نفسها في سجن جديد في خيمة أهلها.

وتصف مرح حالتها بأنها أصبحت رهينة سجن في المخيم، متسائلة عن الجرم الذي ارتكبته حتى تلقى العداء من المجتمع المحيط بها، وعن ذنبها إذا كان القدر وأعمامها اتفقوا على بيعها، وماذا تفعل للمجتمع الذي ينظر إليها بوصمة العار أو بحكم المطلقة العطشى للجنس، أصبحت مرح غريبة عن المجتمع والصديقات والأقارب، حتى والدتها، التي تتعاطف معها حيناً، توبخها أحياناً أخرى، لاسيما عند خروجها من الخيمة، متهمة إياها بأنها ستجلب لعائلتها الفضيحة.

وتضيف مرح، "نظرات غالبية الشباب والرجال لي كانت عبارة عن جوع جنسي، وكأنني سلعة يريدون أن يشتروني ويرموني كما فعل زوجي شاكر، ومع مضي أكثر من عام على غيابه بقيت أنا الضحية الوحيدة التي تحولت في نظر المجتمع إلى جسد متعطش للجنس".

اليوم، لا تملك مرح سوى دموعها التي تخط بها حكاية عذابها وألمها الجسدي والنفسي، ويزداد يوماً بعد آخر بسبب نفور المجتمع المحيط منها، الذي كان يتعامل معها كطفلة منذ نحو سنة، في حين أصبح يتعامل معها اليوم كامرأة.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق