الصيدليات العشوائية في إدلب... تزايد مستمر دون حسيب أو رقيب 

الصيدليات العشوائية في إدلب... تزايد مستمر دون حسيب أو رقيب 
أخبار | 02 أغسطس 2019

تنتشر الصيدليات العشوائية وغير المرخصة في الشمال السوري وبخاصة في إدلب وريفها بشكل ملحوظ، وهي تزداد تدريجيا ما أثر على الواقع الصحي في تلك المناطق، حيث تعتمد مزاولة المهنة هناك على عامل الرغبة المعتمدة على الخبرة والتي لا تتجاوز في أحسن الأحوال الـ 40 بالمئة  في مجال الصيدلة، وذلك في ظل غياب كامل للرقابة على هذا القطاع الهام؛ بخاصة في ظل حالة من الانفلات الأمني والرقابي وزيادة الأمراض وهروب معظم العاملين في المجال الطبي إلى دول الجوار. 

أصبحت عبارة "افتح صيدلية فهي مريحة ومربحة" متداولة جدا؛ فإنه و إن دلت على شيئ فإنما تدل على استخفاف واضح بحياة الناس مقابل تحقيق الأرباح بغض النظر عن كونها مهنة حساسة وقد يؤدي الخطأ الصغير منها إلى مضاعفات مرضية وأحيانا إلى تهديد الحياة.

اجهاضات وحالات حرجة..

فقدت رهام العيسى (اسم مستعار) جنينها الأول بسبب إحدى الأخطاء الشائعة والصادرة ممن يدعون أنفسهم بالصيادلة، وعن تفاصيل الحادثة تروي قائلة "كان حملي في شهره الخامس حين رحت أشكو من ألم في رأسي ناتج عن اصابتي بتحسس الجيوب الأنفية، قصدت الصيدلاني لإعطائي دواء مناسب و أخبرته أنني حامل، فباعني دواء عبارة عن حبوب مؤكدا لي أنه يعطى للحوامل دون أي مشكلة، فما كان إلا أنني تعرضت للإجهاض بعد ثلاثة أيام من تناوله".

لاتنوي العيسى تقديم أي شكوى لسببين وفق حديثها لـ "روزنة" حيث يتمثل أول الأسباب إلى أنها لن تجد أذن صاغية؛ فضلا عن أنها تحمل نفسها جزءاً من المسؤولية لكونها وثقت بالصيدلاني دون العودة لإحدى الطبيبات النسائية.

ولا تعتبر حادثة العيسى الوحيدة في المنطقة، فقد تكررت عدة حوادث مشابهة يتعرض لها الأهالي في محافظة إدلب؛ منها ما أصاب الطفل الرضيع رائد الدودي؛ البالغ من العمر خمسة أشهر، حيث أعطته والدته جرعة من الدواء المهدئ الذي حصلت عليه من أحد بائعي الأدوية مما كاد أن يودي بحياته.

وحول ذلك تقول لـ "روزنة": كان طفلي دائم القلق و البكاء فأردت أن أبحث له عن دواء يساعده على النوم، وحين شرحت الأمر للصيدلي نصحني بدواء يسمى "أدرينالين" فما كان مني إلا أن وثقت به وبدأت بإعطاء طفلي الدواء المذكور".  

وتؤكد الأم بأن الطفل أصيب على إثر أول جرعة تناولها بحالة إغماء استمرت ليوم كامل ولم يصحو منها إلا بعد أن تم إسعافه للمشفى وإعطائه أدوية مضادة من قبل الأطباء.

ما الذي يدفع الأهالي لقصد الصيدليات المخالفة؟

يعترف الحاج الستيني مسعود العبد بأنه يقصد الصيدليات بشكل مستمر للحصول على حاجته من الدواء دون استشارة الطبيب، ويبرر ذلك بإرتفاع كشفية الأطباء في المنطقة والتي تصل إلى 3 آلاف ليرة سورية؛ وهو المبلغ الذي يعجز عن دفعه الكثيرون في ظل الفقر المدقع الذي تعيشه المنطقة.

و عدا عن ذلك فإن الصيدليات النظامية غالباً ما تمتنع عن إعطاء أي دواء دون وصفة طبية حيث يقول: "غدوت بعد هذا العمر طبيب نفسي وأعرف دوائي جيدا وهو في أغلب الأحيان الإسبرين وأدوية السكري المعتادة، وحين لا أجدها ذاتها أستعمل الدواء البديل". إلا أنه لم ينكر أن الصيدلي في إحدى المرات منحه دواء بديلا تسبب بزيادة مرضه؛ وبمجرد تركه ذاك الدواء شعر بالتحسن.

من هم هؤلاء الصيادلة؟

هجرة الصيادلة والكوادر الطبية ساهم بقلة وجود الصيدليات النظامية وانتشار الصيدليات المخالفة، إذ إن الفئة التي استغلت الوضع الراهن وقامت بافتتاح الصيدليات غير المرخصة في كل مكان يكون معظمها من طلاب الجامعات الذين لم يكملوا دراستهم بعد، والذين هم غير ملمين بالتركيبات والاختلاطات الدوائية والأعراض الجانبية للأدوية.

الطبيب محمد المنصور وهو طبيب عام ينتقد وبشدة ظاهرة فتح صيدليات من قبل  أشخاص غير مختصين، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة تنعكس سلبا على حياة المواطن الذي عادة مايكون الضحية إن أخطأ بائع الدواء ، وأكثر مايزعج المنصور هو "الغرور لدى بعض الصيادلة الذي يمكن أن يصل بهم حد تجاوز الأطباء واعتبارهم مخطئين أيضا، فيبدلون الدواء أو يمتنعون عن إعطائه معتقدين أنهم يفهمون أكثر من الطبيب". 

اقرأ أيضاً: هل تُوقف روسيا الحملة العسكرية على إدلب وتنقلها لجبهة ثانية؟

ويضيف حول ذلك موضحا "كنت قد وصفت بعض الأدوية لعدد من المرضى ففوجئت عند مراجعتهم لي بأن الدواء مختلف كليا عما وصفته لهم، والنتيجة الحتمية أن صحتهم كانت قد ازدادت سوءا". 

وبحسب المنصور فإن "أكثر من خمس حالات إسعافية لأخطاء الصيادلة تصل المشفى الذي يعمل به إسبوعيا، منها جراء أدوية منتهية الصلاحية أو إعطاء أدوية بديلة أو أنها لا تلائم الحالة المرضية؛ عدا أن أنها قد تتسبب بمضاعفات جانبية للمرضى".

تفاوت بالأسعار!

عادة ما تكون أسعار الأدوية في الصيدليات المخالفة أقل نوعاً ما من النظامية ويرجع ذلك لكون معظم الأدوية لديها هي أدوية تركية و أومهربة وذات فعالية ضعيفة ، على خلاف الأدوية السورية الأغلى ثمناً والأكثر فاعلية، عدا عن أنها تبيع الأدوية المنتهية الصلاحية.

 الأربعينية أم علي تلجأ للصيدليات المخالفة لخلو قريتها من الصيدليات النظامية  ولأن أسعارها رخيصة، في حين يشكو الشاب حيان التلاعب بأسعار الدواء، فقد لاحظ قيام الصيادلة بشطب تسعيرة الدواء الحقيقية ووضع الأسعار التي تحلو لهم.

وحول ذلك يشير إلى أن "غياب الرقابة على الدواء جعل بائعي الدواء يضعون الأسعار التي تناسبهم، والمشكلة في الأمر أن الزيادة قد أطاحت الخمسة أضعاف من سعر الدواء الحقيقي".

كيف كانت إجراءات المسؤولين عن القطاع الطبي؟

وسط وجود تجاوزات ومخالفات عديدة فيما يتعلق بالمجال الصيدلاني سواء من خلال بيع أدوية بدون وصفات، أ وصيادلة لا يحملون شهادات في الطب أو الصيدلة، كذلك وجود فوضى في الأسعار وبيع أدوية مخدرة؛ ذلك ما استدعى التحرك السريع لضبط الصيدليات المخالفة. 

قد يهمك: من إدلب إلى حماة... رحلة 3 أيام من أجل 80 دولار!

 الطبيب أحمد الجرك وزير الصحة في "حكومة الإنقاذ" قال بأن قرابة 300 صيدلية مخالفة تنتشر في الشمال السوري ، ١٥٠ منها تم إغلاقها، وبقي ١٥٠ وهي المتواجدة في المناطق التي لم يطالها التنظيم بعد.

 وأضاف الجرك بأنهم يعملون على ضبط عمل المخالفين أو ترخيص الصيدليات، مؤكدا بأنهم ملتزمين بالرد على أي شكوى ترد إلى الوزارة أو إحدى المديريات التابعة لها، وحين يتم التأكد من الشكاوى لفت بأنهم يقومون بتوجيه عقوبة مسلكية إلى المخالف بالإنذار بالإغلاق أو عقوبة جنائية قد تشمل السجن والغرامة المالية، في حال لم يستجيب؛ ومن شروط الترخيص وفق ما أوضح الجرك هي الشهادة الأكاديمية، و مخطط للصيدلية، وتسجيل بنقابة الصيادلة فضلا عن طلب ترخيص لمزاولة العمل.

ولأن مساع المسؤولين لا تزال محدودة فإن ظاهرة إزدياد عدد الصيدليات غير المرخصة لازالت مستمرة وسط كثرة العاطلين عن العمل وضعف الرادع الأمني المتمثل بعدم وجود سلطة وقوة فاعلة تهتم بهذا الموضوع، سواء من قبل الفصائل أو المحاكم أو حتى من قبل الجهات العسكرية والأمنية المتواجدة ليبقى المواطن هناك؛ وحده الضحية الرئيسية.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق