السوريون في لبنان... لجوء قسري وكفاح من أجل الحياة  

السوريون في لبنان... لجوء قسري وكفاح من أجل الحياة  
القصص | 01 أغسطس 2019

تجاوز الخطاب العنصري الموجه ضد اللاجئين السوريين في لبنان أية مواقف و أهداف سياسية عملت لأجلها بعض القوى السياسية اللبنانية، حيث أدى الخطاب العنصري إلى تجاوز الإطار السياسي و الوصول والتأثير  في أطر اجتماعية وثقافية واقتصادية.

يستغرب أحمد، المُقيم في بيروت، كيف يُعامل السوريون على أنهم عبء في لبنان، ويقول لـ"روزنة": "قدمنا إلى هنا من أجل العمل، غالبيتنا من الشباب الجامعي". استغراب أحمد يبدو أن كثيرًا من اللبنانيين لا يرونه، بل ويعدونه ضربًا من الجنون، فسياسيو لبنان ومواطنوه -في غالبيتهم- يريدون من السوري أن يُغادر أراضيهم، حتى لو لم تكن هناك بيئة آمنة لعودتهم؛ بيئة تحميهم من الاعتقال على يد النظام، وربما الموت، كما حصل مع عدد من الذين عادوا إلى سورية من لبنان في وقت سابق. 

 ويكمل أحمد، وهو مدير مشروعات يعمل مع عدد من المنظمات والجمعيات القانونية التي تعنى بالشأن السوري والجندر مقيم في بيروت، حديثه بأن السوريين "لم يأتوا من أجل أن يكونوا لاجئين في لبنان"، مؤكدًا أنهم اضطروا للعيش فيها، ولافتًا إلى أن الوجود السوري خلق فرص عمل للسوريين واللبنانيين على حد سواء.
 
تعقيدات كثيرة أمام عمل السوري.. واتهامات له بالتكاسل!

على الرغم من أن القوانين اللبنانية الخاصة بالحضور السوري تُقيد كثيرًا من حركته، وتجعله على مدار الساعة في رعب من أن يوقفه أحد أفراد الأمن أو الشرطة ليسأله عن أوراق إقامته أو إذن العمل لديه -والتي لا تُعطى له أصلًا- إلا أن نسبة كبيرة من اللبنانيين يعدون السوري شخصًا أتى إلى لبنان كي يعيش دون تعب أو عناء على حساب الأمم المتحدة.

انعدام أوراق العمل يعني أن السوري سيواجه مشاكل قانونية عدة، تبدأ بالغرامة التي تصل إلى 600 دولار أميركي، وتنهي بالترحيل من الأراضي اللبنانية. وفي بيروت على الفرد أن يعمل كي يعيش، فهي مدينة تعتمد بشكل أساسي على القطاع الخاص، لا يهم تحصيلك العلمي فيها، حتى وإن كنت لبنانيَّ الجنسية، فكي تدرس في جامعاتها عليك أن تمتلك مبلغاً من النقود، وهو ما يدفعك إلى مزاولة مهنة ما.

يرى أحمد أنه "يجب أن نفرق بين اللاجئ غير القادر على العمل بسبب القوانين الجائرة بحقه وبيننا نحن"، ويقول: "على الرغم من أن القوانين اللبنانية تقف في وجهنا إلا اننا تمكنا من الحياة في مدينة لا يستطيع غالبية أبناء هذا البلد المعيشة فيها لغلاء أسعارها وصعوبة العيش فيها".

اقرأ أيضاً: قرار للأمن اللبناني يسمح للاجئين السوريين بتجديد إقامتهم

ويعمل بعض السوريين أيضاً في المنظمات غير الحكومية كمتطوعين، ويأخذون بدلاً مادياً، أو كموظفين، ويعمل غيرهم في مجال الإغاثة لمساعدة النازحين السوريين في المخيمات، وتحدّث ياسين، شاب سوري متطوع مع فريق إغاثة،  لـ "روزنة" قائلًا: "في كل مرة أذهب إلى المخيمات أشعر بعبثية الوضع، حالي ليس أفضل من حال سكانها، كلانا دون أوراق رسمية، لكن أحدنا لاجئ والأخر مغيث له".

 وأضاف: "إنني أعمل في لبنان منذ خمس سنوات واليوم بدأت تظهر الفروق بين الشاب الذي قدم إلى بيروت لرسم خط معيشة له ومتابعة حياته، وبين الأسر التي هربت مفجوعة وتقطن الخيام، لا افهم هذا الفصل والفرق ولكنه موجود"، وكان ياسين يشير إلى الفروقات بين وضع اللاجئ السوري، الذي تم تسجيل اسمه في الأمم وحُدّ من تحركاته، فهو غير مسموح له أن يعمل ويتنقل بحرية، بينما ياسين وغيره من الشباب القاطنين في بيروت اختاروا عدم تقديمهم طلب لجوء في لبنان، هم غير محدودين في مكان ما، لكنهم عرضة لخطر الغرامة والترحيل أيضًا في حال تم توقيفهم.

سكن مؤقت.. الدخل هو الحكم

في لبنان ترتبط طبيعة المسكن بالمردود الشهري، فكلما زاد الراتب الشهري كلما كان المنزل أفضل، وقلّ عدد زملاء اللاجئ السوري في السكن.

يقول مصطفى، وهو شاب يقطن في بيروت منذ أربع سنوات، خلال حديثه إلى "روزنة"، وأضاف أنه تنقل بين عدة بيوت، إلى أن استطاع الاستقرار في وظيفة جيدة، فسكن في بداية الأمر في غرفة واحدة مع خمسة شباب في منطقة الدكوانة، حينها كان يعمل في مجال البناء، أما اليوم فهو يعمل كمدرس للمسرح العلاجي مع الأطفال والمراهقين والنساء. 

ينظر مصطفى إلى فترة بدايته في لبنان ويقول: "إنها بيروت الحقيقية بوحشتها وقسوتها، برفضها وعدم انسانيتها"، أما حسام، من محافظة اللاذقية وخريج معهد فندقي من جامعة دمشق، يقطن في منطقة الدورة وسط بيروت، وهي منطقة تتسم بطابع شعبي وتحوي الخليط السكاني الأكبر في بيروت، كما تمتاز برخص أسعارها مقارنة بغيرها من الأماكن.

 وقال حسام لـ "روزنة": "لقد أوى هذا المنزل أكثر من عشرين شاباً على مدار ستة أعوام، في كل فترة يقطن شاب جديد قبل انتقاله أو سفره خارج بيروت، ويوجد مقولة رائجة عن بيت الدورة أنه منزل جالب للحظ فكل من سكنه استطاع أن يسافر إلى الخارج وتخلص من بيروت".

إلا أن منزل الحظ يعاني من مشكلة هذا الشهر، إذ قرر أحد الشباب (حنّا) القاطنين فيه المخاطرة والسفر عن طريق التهريب الى تركيا بعد فقدانه عمله، لذلك يحاول باقي الشباب البحث عن بديل يقطن مكان حنا لتسديد إيجار المنزل معهم، الذي يبلغ 600 دولار أميركي شهرياً، وهو مبلغ متوسط في مدينة كبيروت.

السكن المشترك بين الحاجة والانتقاد

قلة العمل وتدني الأجور، دفع كثير من الشباب والشابات إلى تشارك السكن، فاليوم ترى المنزل في بيروت يسكنه شاب وفتاة، أو شابان وفتاة، أو فتاتان وشاب، وعلى الرغم من الانتقادات التي تطال هكذا نوع من المشاركة في السكن، إلا أن الشباب والشابات يقولون إن الظرف هو الذي يحكم طبيعة الحياة، كما أن السكن المشترك بين الشباب والشابات لا يعني وجود "مساكنة" في المنزل. 

تسكن لينا برفقة صديقتها ريم وصديقهما شادي في منزل واحد، وتحدثت ريم لـ "روزنة" قائلة إنه "من الغريب أن أجد بعض الكتاب يتحدثون عن موضوع المساكنة لدى السوريين في لبنان، الأمر بحد ذاته يستفزني، في سورية كان بإمكاني أن أقطن مع صديق لي في غرفة في جرمانا أو باب شرقي".

قد يهمك: وزير لبناني لـ "روزنة": جبران باسيل هو هتلر لبنان

 وأضافت: "الأمر اختلف في بيروت بسبب الحاجة، حيث اقطن اليوم انا وصديقي وصديقتي، ولا تربطنا سوى علاقة الصداقة ثلاثتنا"، وأشارت إلى أنه "بسبب ظروف المعيشة في لبنان تغير نمط الحياة والإنتاج.. أصبح السكن المشترك شيئاً أساسياً في حياة كل سوري هنا، ومن المثير للسخرية بالنسبة لي استهجان الموضوع او التدوين عنه وكأننا شعوب بدائية".

بدوره، قال شادي لـ "روزنة": "تفرض الظروف الاقتصادية السكن المشترك، فمن النادر أن نشاهد شخصًا يستأجر منزلاً في بيروت لوحده"، وعدّ أن "ما يثير سخط الشباب السوري هو اقتران الموضوع بالحرية، وخصوصاً بالسكن المشترك بين الفتيات والشباب، حيث لم يكن الموضوع مطروقاً في سورية سوى بين الأشخاص الذين تربطهم علاقة عاطفية بسبب عدم الحاجة لزميل سكن".

 وقال: "العامل المادي وأسلوب المعيشة الجديد لا يمكن اسقاطه على الحريات الشخصية وتوجيه اتهامات للشباب السوري بأنه شباب منغلق أصبح أكثر انفتاحاً بعد قدومه إلى بيروت".

ويختم حديثه بالقول: "بيروت التي كانت ملاذاً نلجأ له لنستمتع أو كي نعمل أو ندرس فيها، باتت اليوم بالنسبة لكثير من الشباب "بعد ثمان سنوات أشبه بمحطة انتظار لسفر قريب، أو بعيد، محطة من الممكن أن تتعرض للطرد منها طالما أنك لا تملك تذكرة، كما يعتقدون أن بيروت تسرق يومنا وحياتنا وتعطينا حياة عملية وملاذاً أمناً بعيداً عن سوريا التي طردتنا، صنع فيها الشباب ملتقى لهم، وكوّنوا سوريا الخاصة بهم".

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق