فى اليوم العالمى للشعر … هل تكون القصيدة نبوءة السوريين للسلام!

فى اليوم العالمى للشعر … هل تكون القصيدة نبوءة السوريين للسلام!
الأخبار العاجلة | 21 مارس 2019
تعد قصيدة "طلب القمر" للشاعر واين كيون، وهو أحد أفراد شعب نيبيسينغ الأصلى القاطن فى كندا، والتي احتفلت بها الأمم المتحدة هذا العام في يومها العالمي للشعر، تعد تعليقاً على قيام أصحاب الثقافات المهيمنة بانتحال ثقافات الشعوب الأصلية. ويتحدث الشاعر فى قصيدته هذه عن فقدان الهوية الأصلية بسبب قيام الغرباء بإعادة تأويلها وتشكيلها، بغضّ النظر عن مدى حُسن نواياهم، ويتحدث أيضاً عن مشاعر الارتباك والاضطراب والحيرة التى تنتابه بشأن هويته من جرّاء ذلك.
 
وتقول قصيدة كيون:
وإحدى النجوم … عندما لا تعرف … من تكون … ارسم لوحة لما بيديك … وامض إلى بيتك … خذ القمر … واجعله يحكى … وأطلق عنان روحك … واجعلها تمشى .... وارسم لوحة لما بيديك …. وامض إلى بيتك.
 
ومنذ أن أقرته اليونسكو عام 1999، يحتفل العالم اليوم الموافق للواحد والعشرين من شهر آذار بالشِعر كأقدم الآداب وأعرقها، وهذا العام تقول المنظمة في بيان نشر على موقعها إنه يجب تجديد الاعتراف، وإعطاء زخم للحركات الشعرية الوطنية، والإقليمية، والدولية، لتعزيز مكانة الشعر سواء من حيث قراءته أو كتابته أو نشره، وقالت إن الشعر أحد أشكال التعبير وأحد مظاهر الهوية اللغوية والثقافية، وهما ما يعتبران أغنى ما تمتلكه الإنسانية، فالشعر يحول كلمات قصائده البسيطة إلى حافز كبير للحوار والسلام.
 
كيف يبدو واقع القصيدة السورية بعد عام 2011 ؟ هو سؤال يطرح نفسه و كيف يمكن وصف التنوع الشعري في سوريا اليوم وكيف يبدو تطرقه للجوانب الإنسانية والوطنية والاجتماعية؟
 
يرى الشاعر السوري باسم سليمان أن السنوات الأولى للحرب أصابت الشعراء السوريين بتجاذبات كبيرة، ففرقتهم، ولكن مع الوقت بدأوا بالتخلص من لوثة السياسة، وعادوا إلى الجانب الإنساني فنلاحظ الآن قصائد الحب دون التطرق إلى مشهدية الحرب، وبالتالي هناك الآن ميل إلى الإنسان، وإذا اعتبرناها نبوءة فيمكن البناء عليها، لأن النهاية ستقود السوريين إلى حلول، ما دام الأكثر حساسية فيهم "الشعراء" توصلوا إليها.
 
إن الشعر السوري أصبح نبوءيا أكثر من الساسة، وهذا دليل شفاء؛ ربما يحتاج وقتا، وفترة نقاهة كبيرة، و لكنه سيحدث، ولنعلم أن الشاعر كمقياس ريختر يسجل جميع الهزات الأرضية، بينما الروائي أقرب إلى الانثربولوجي، وبالتالي يحتاج للوقت، والتاريخ، ومن هنا فإن التعويل على الشعراء أنجح، ليس تعصبا للشعراء، ولكن لكل مقام مقال ولكل أدواته الاختبارية، فالشعراء أقدر على رصد الواقع السوري، وإذا كانت لحظات فقط تفصل لدى الشاعر بين بكاءه وفرحه، فإن الروائي حزنه طويل كبدوي وكذلك فرحه.
 
مع اتهامات توجه لناتج القصيدة السورية بعد عام 2011 من قبيل اختلاط حابل السيء بنابل الجيد، فإن الشاعر السوري باسم سليمان يؤكد عدم إمكانية قيام الخبرات وهي ناتج ماضوي بدور الحكم على لحظة آنية، وفي محاولة للتشخيص يخبرنا "سليمان" عن الاسطورة التي تقول أن الكون ابتدُع من حساء غير متعين، كحالنا الآن، لذلك لنؤجل الحكم.
 
ويحاول سليمان مقاربة القصيدة وصاحبها بما يقال في "علم النفس" أن اللعب الطفولي هو تجربة الحياة من دون خسائر، ويقول فلندع الشعراء يلعبون كالأطفال، فاللعب عادة يكون مجانيا، وهنا تكمن عبقرية الشعر أو مجانيته، فإذا أردنا أن نحكم على الشعر كمنتج قِيَمي بالسيء وبالجيد، أعتقد نكون ظلمنا الشعر، وهو حالة جمالية بالإنسان، فلنترك الزمن والشعر ذاته ليحكم على القيمة الشعرية لمنتج سنوات الحرب التي مرت على سورية، لنترك الجميع يقولون ويتقولون، أنا بكل بساطة مع حق الجميع بالقول والتَقوّل مهما كبر المستنقع الشعري، لأنه على أسطح المستنقعات تنمو زهرة اللوتس!
 
يقرأ علينا باسم سليمان من ديوان الببغاء مهرج الغابة:
الحبّ حيوان أليف … ليس قطاً ولا كلباً … لكن له من القطّ النكران … ومن الكلب الوفاء … الحبّ حيوان أليف … لا تكسلْ، فلا تأخذه في كلّ صباح ومساء … ليقضي حاجته … لربما قرب سورٍ مليء بأقفال العشق … أو نهر غارق في المفاتيح … الحبّ حيوان أليف … فرد من العائلة … قد يكون عجوزاً مصاباً بالخرف … أو طفلاً يأكل الأحرف كما يقرض ممحاته … الحبّ حيوان أليف … وأحياناً يكون إلهاً أليفاً … أنا حيوانٌ في حبّكِ.
وفي محاولة استقصاء الاختلاف المحتمل والطارئ على القصيدة السورية يفضل الشاعر الفلسطيني السوري رامي العاشق التروي، ويعتقد أن مجرد السؤال عن الاختلاف يحتاج سنينا وزمنا، لتشخيص مرحلة وحقبة ما تزال تحت التجربة، وهي تؤرخ لمرحلة تاريخية ما، سواء إن كان من ناحية اللغة، أو التقنيات بالكتابة، أو من حيث المفردات والتعابير التي تستخدم في القصيدة.
 
يقول العاشق إنه ومنذ ثمان سنوات تم إنتاج مئات الكتب والأفضل ألا نطلق أحكاما، ولكن ما يمكننا تأكيده من المتابعة هو أن مناخ التواجد خارج سوريا فتح مجالا أكبر أمام الكتاب بشكل عام، ولكن حتى هنا فالحكم ليس قطعيا، وبالنهاية هي نتاجات فردية لا يمكن سوقها ضمن حالة عامة، أو صبغ حالة عامة بنتاج فردي، وأما من حيث التمرد فإن الفكرة مخيفة بالنسبة للعاشق، فمجرد السؤال عن التمرد يولد أسئلة كثيرة، من قبيل أين بالضبط وقع التمرد الذي نتحدث عنه؟ في اللغة أم في المواضيع المطروحة أم خروجنا خرج السلطة السياسية أو الدينية.
 
وعن الفصل بين القصيدة والسياسة يعتقد الشاعر الفلسطيني السوري رامي العاشق أنه سؤال صعب وإشكالي، ويحاول الإجابة بشكل عفوي، مشترطا إمكانية تغيير رأيه في أي لحظة، فيقول إن المشكلة في الشعراء الذين أيدوا "الدكتاتوريات" أننا كنا نصدقهم، فمن كتب عن الحرية كقيمة وعن هموم الناس كقضية، يصبح من الصعب تقبل اصطفافه إلى جانب القوة القمعية، ومن الطبيعي أن يثار السؤال كيف يمكنني أن أتعامل مع فنه أو أدبه، هل أتعامل معه بشكل مجرد وخارج سياقات أخرى، كما أتعامل مع باب حديد مزركش بطريقة جميلة، من منطلق قيمته الجمالية البحتة التي لا خلفيات لها.
 
ويتوقع العاشق دورا للمثقف أكبر من مجرد زركشة فالشعر ليس مجرد كرسي مزركش، مشغول بالموزاييك، هنالك دائما قيمة معرفية ووجدانية وأخلاقية، فلا نستطيع التعامل مع لوحات أدولف هتلر الذي قتل الملايين على أنها فن يسمو بقيم الإنسان ويشجعه على العيش بسلام مع نظرائه البشر، وإلا سنكون مصابين بالشيزوفرينيا.
 
وعن سؤال هل ستؤثر تجربة المهجر في الشعر السوري وكيف يمكن أن يكون مفعول هذا التأثير يرى العاشق أن عملية المنفى أو المهجر لم تنته بعد، وأنها ما تزال حقبة مستمرة، لكنها حكما ستؤثر في القصيدة، على الأقل من ناحية العقلية الجديدة، والمسافة وشكل المكان، ويضيف رامي بأن وجودك في المنفى يجعلك تنظر للأشياء بطريقة مختلفة، فالمسافة مثلا؛ إما تخلق حالة حميمية مطلقة فتكون مهووسا بالوطن بشكل دائم، وإما "تشفى"، وبالتالي تخرج من ذاكرتك، وكل ذلك ستراه في نصوصك.
 
 
 
يقرأ علينا رامي العاشق من ديوان كلاب الذاكرة (الصادر بالألمانية):
الشعراء لا يتبعهم إلا حزنهم … يستيقظ الحزن كجمرة في أطراف أصابع الكف … وينام حين يمسح أحد ما دمعة بأطراف أصابعه … يولد الحزن نقيا قبل أن تهجم اللغة وتسميه … يدخل مع الهواء ويخرج مع الروح … يكبر الحزن وحيدا … ثقبا يبتلع أهله … ولا يبصق منهم شيئا … ينام بثياب النوم … يتدفأ بالذكريات … يتكاثر بالوحدة … يذهب إلى المدرسة … يدخل في علاقة عاطفية … يسكن غرف النوم
يذهب صباحا إلى العمل … يقضي إجازة على البحر … يعشش في قصيدة … يسافر دون جواز سفر
حين خلق الإنسان الحزن على شاكلته … نسي أن يجعله فانيا باكيا
 
ويبقى جديرا بالذكر أن الشعر الذي كان مقيدا بالبحور الشعرية قديما، أصبح وسيلة للتغيير، عن طريق التواصل الأكثر عمقا للثقافات المختلفة، فأصبح قوة عجيبة ولغة عالمية وعاملا إبداعيا.
 
 
 

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق