هل يستطيع النظام "الالتفاف" على عقوبات قانون قيصر؟

 هل يستطيع النظام "الالتفاف" على عقوبات قانون قيصر؟
الأخبار العاجلة | 11 فبراير 2019

أقر مجلس الشيوخ في جلسته ليوم الثلاثاء الفائت؛ بأغلبية تصويت 77 عضواً لصالح مشروع قانون تعزيز أمن أميركا في الشرق الأوسط.

و قد شمل مشروع القانون الذي صوّت عليه مجلس الشيوخ ثلاث محاور؛ تمثل أهمها بالمصادقة على تجميد قرار سحب القوات الأميركية من كل من سوريا وأفغانستان؛ حتى ضمان هزيمة الإرهابيين و تثبيت الأوضاع هناك و ضمان الاستقرار، مع ضمان أن يعود تقدير ذلك لكل من القادة العسكريين و السياسيين معا.

كما جاء في أحد البنود؛ استكمال لموافقة مجلس النواب، حيث تم تبني ما بات يعرف بـ "قانون قيصر" الخاص بتطبيق العقوبات على النظام السوري و حلفائه؛ و كل من يعينه أو يتعامل معه تحت بند "إدانة إرهاب الدولة".

و بموجب ذلك سيتم تحويل القانون إلى مجلس النواب الأميركي؛ ليخضع للتصويت النهائي، ثم يتم تحويله إلى المكتب الرئاسي، حيث يوقع عليه الرئيس الأميركي ويصبح ساري المفعول.

ويتضمن مشروع القانون، فرض عقوبات على كل من يتعامل اقتصاديا مع النظام السوري؛ أو يموله أو يوفر طائرات للخطوط الجوية السورية أو قطع غيار، أو يلعب دوراً في مشاريع الإعمار التي يديرها النظام أو يوفر الدعم لقطاع الطاقة.

وكان مجلس النواب الأميركي؛ أحد مجلسي الكونغرس، قد صادق في 23 من شهر كانون الثاني الماضي، على "قانون قيصر" لحماية المدنيين في سوريا، والذي يفترض أن يقر عقوبات على داعمي النظام السوري، كما يدعو إلى محاكمة "مرتكبي جرائم الحرب" في سوريا.

و يعتبر مشروع "قانون قيصر" فيما لو تمت المصادقة عليه من البيت الأبيض؛ من أقوى القوانين التي صدرت في الولايات المتحدة الأميركية، و يسمح بمحاكمة دول و هيئات و أشخاص أميركيين وأجانب؛ حتى لو تمت الجرائم خارج الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً:كيف سيؤثر قانون قيصر في الأزمة السورية؟

ولفت خبراء قانونيين في الولايات المتحدة؛ إلى أن "قانون قيصر" بأنه يفوق في قوته القانونية "قانون ماغنسكي"، الذي أقر في عهد أوباما ضد روسيا، بعشرات المرات من حيث تبعاته القانونية و السياسية، كونه يدين بشكل واضح كافة الانتهاكات التي تمارسها الدول الأجنبية ضد رعاياها؛ و يدعو إلى محاسبتها و يحظر أي تواصل أو تعامل معها.

في المقابل كانت روسيا قد أعلنت رداً على تمرير مشروع القانون في مجلس الشيوخ، أنها تعمل على الحد من آثار "قانون قيصر"، وقال نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، خلال مؤتمر صحفي يوم الخميس، أن هناك طرقًا لتقليل آثار العقوبات الأمريكية، في ظل وجود شركاء بدلاء.

وادعى المسؤول الروسي العقوبات الأمريكية في قانون قيصر بـ"الإرهاب الاقتصادي"، وتدعم روسيا النظام السوري على الصعيد السياسي والعسكري، كما وقعت معه عدة اتفاقات اقتصادية طويلة الأمد في مختلف المجالات.

هل تستطيع روسيا منع تنفيذ العقوبات على النظام؟

الدبلوماسي السوري السابق؛ بسام بربندي، قال في حديث لـ "راديو روزنة" من واشنطن، أن القانون يدخل حيز التنفيذ مباشرة بعد توقيعه، وتأتي أهميته كونه يجبر أجهزة الحكومة الأمريكية أن تراقب كل التحويلات المالية و التجارية المرتبطة بالنظام و الدوائر الاقتصادية المحيطة به، وكذلك تقدم تقارير دورية للكونغرس عن نتائج مراقبتهم.

وأضاف بربندي أن هذا القانون في حال إقراره يضع ضغوطا أكبر على القطاع المصرفي في كل مكان بالعالم، لمراقبة عملائه( أفراد أو شركات)؛ و يتأكد أن المصرف لا يدخل بعملية تجارية، تفيد النظام بشكل مباشر أو غير مباشر.

قد يهمك:بدءاً من البنك المركزي.. النظام يتجه لـ "خصخصة" القطاع العام

ولفت بربندي بالإشارة إلى صعوبة أن تستطيع كل من روسيا والصين حماية النظام من هذا القانون، عازياً ذلك إلى أنه يهدد شركاتهم بالعقوبات.

وأضاف بالقول: "الالتفاف على العقوبات ممكن؛ و هو يحدث عن طريق دول الجوار، و لكن عندما نتحدث عن إطار حكومي أو مستوى مشاريع كبيرة أو جدية، لا يمكن لأحد أن يخفيها، ولكن يجب التنويه إلى أن القانون لا يشمل المواد الغذائية أو الطبية".

من جانبه أشار رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا، د. أسامة قاضي، خلال حديثه لـ "راديو روزنة" أن قانون قيصر ينص بصراحة "في البند 120"، بأنه نافذ بمجرد إقراره، وأن الرئيس الأميركي معه (30 يوم)، من تاريخ الإقرار ليضع لائحة الأشخاص والهيئات المشمولة بالعقوبات، وقد شمل صراحة على أسماء 47 شخصاً على رأسهم بشار الأسد وأسماء الأخرس ورامي مخلوف.

واعتبر قاضي أن أهمية القانون تتمثل بجعل موقف الولايات المتحدة الأمريكية السياسي من النظام السوري بمثابة قانون؛ بحيث لا يستطيع الرئيس الأميركي أن يتلاعب بها، وغير متروكة لمستشاريه و البازارات السياسية.

لافتاً إلى أن القانون صرح بشكل واضح بأن "سياسة الولايات المتحدة هي أن جميع الوسائل الاقتصادية والقسرية يجب أن تستخدم لإجبار حكومة بشار الأسد، على وقف الذبح الجماعي للشعب السوري فوراً، ودعم الانتقال الفوري إلى حكومة ديمقراطية في سوريا، تحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان والتعايش السلمي مع جيرانها".

اقرأ أيضاً:واشنطن تساوم النظام السوري على عقود وصفقات اقتصادية!

من جانبه قال الباحث الاقتصادي؛ خالد تركاوي، خلال حديثه لـ "روزنة" أن العقوبات الاقتصادية المتوقع فرضها على النظام تعطي رسالة واضحة من الناحية السياسية أن مسألة تعويم الأسد ونظامه أمر بعيد المنال عمن يعملون على ذلك سواءً من جانب روسيا أو من جانب بعض الدول الأخرى التي رأت أن النظام السوري لابد من التطبيع معه كونه أمر واقع.

وأضاف تركاوي بأن الاقتصاد السوري في أسوء أحواله خلال الفترة الحالية، بينما يعيش النظام على خطوط الإمداد التي تعطيه إياها الدول الداعمة له، وبالتالي فرض العقوبات على من يتعامل مع النظام من رجال أعمال ودول وهيئات ومؤسسات؛ سيأتي كضربة جديدة مؤلمة للأسد ولمن عوّل ولا يزال يعول على أنه يستطيع إنهاء معارضته ويستطيع التفرد بالبلد من جديد وكأن شيئاً لم يكن.
 
و لفت إلى أن رؤوس الأموال التي كانت تنوي التدفق من الخارج لتحقيق مكاسب على حساب المهجرين من سوريا؛ ستعيد حساباتها أكثر باتجاه الدخول في مشاريع داخل سوريا، وكذلك الدول التي كان يجري الحديث عن أنها من الممكن أن تدخل لتقديم دعم للبنى التحتية، لن يكون عملها بهذه السهولة.

معتبراً أن قانون قيصر أمر مفصلي في مسيرة الاقتصاد الذي يتكئ عليه الأسد لتمكين نفسه وإعادة تثبيت جذوره.
 
ما هي طرق تحايل النظام على عقوبات القانون؟

وأشار رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا، خلال حديثه لـ "روزنة" أن النظام سيسعى لإيجاد طرق تخفف من آثار هذه العقوبات، وذلك من خلال حفنة من رجال الأعمال المقربين من النظام، الذين يتحكمون بمفاصل الاقتصاد السوري؛ عبر شركات قابضة تُحكم خناقها على الاقتصاد السوري.

وأوضح قاضي بأن "قانون قيصر" سيزيد الخناق على تلك الشخصيات المقربة من النظام وشركاتهم، منوهاً في الوقت ذاته إلى تداعيات هذا القانون لا بد أن تنعكس على الشعب السوري، مثلما انعكست المقاطعة ضد إيران على وصول الغاز من روسيا وإيران للشعب السوري وأثر سلباً على حالتهم المعيشية؛ وفق تعبيره.

وتابع: "المادة 101 من قانون قيصر؛ تنص صراحة على وضع أي شخص أو هيئة ساعدت النظام السوري؛ على بيع أو توفير سلع أو خدمات أو تكنولوجيا أو معلومات أو دعم هام؛ ييسّر بشكل مباشر أو ملحوظ أو توسيع الإنتاج المحلي للحكومة السورية للغاز الطبيعي أو النفط أو المنتجات البترولية؛ في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية، وأية عمليات تزويد للنظام بعقود البترول والغاز أو أية منتجات نفطية قيمتها أكثر من نصف مليون دولار؛ أو قيمتها السنوية تزيد على مليوني دولار".

كما لفت قاضي إلى أن عقوبات "قيصر" تشمل بيع أو توفير الطائرات أو قطع الغيار، أو توفير سلع أو خدمات أو تكنولوجيات مهمة مرتبطة بتشغيل هذه الطائرات أو شركات النقل الجوي؛ ليس للنظام مباشرة بل إلى أي شخص أجنبي يعمل في المناطق التي تسيطر عليها حكومة النظام أو القوات المرتبطة بالنظام في حال كان لها استخدامات عسكرية.

وأضاف موضحاً: "لو كان هنالك إثبات أن طيران "أجنحة الشام" ينقل عسكريين أو أسلحة من ايران أو العراق فإن العقوبات ستشملها".

قد يهمك:سيناتور بمجلس الشيوخ الأميركي يُعرقل التصويت على قانون "قيصر"

كما تتضمن عقوبات "قانون قيصر" بيع أو توفير سلع أو خدمات أو تكنولوجيا هامة لشخص أجنبي يعمل في قطاع الشحن (بما في ذلك الموانئ ومناطق التجارة الحرة)، أو النقل أو الاتصالات في المناطق التي تسيطر عليها حكومة النظام أو القوات المرتبطة بها؛ وكذلك تشمل من يقدم عن عمد قروضاً أو ائتمانات هامة، بما في ذلك ائتمانات التصدير.

بينما أشار الباحث الاقتصادي خالد تركاوي؛ خلال حديثه لـ "روزنة" بأن النظام السوري استطاع التهرب من عقوبات صدرت ضدها سابقاً؛ عن طريق تصدير رجال أعمال للواجهة يعملون لصالحه، منوهاً بأن النظام لا يزال قادراً على تصدير شخصيات كهذه، خاصة و أن دولاً مثل روسيا وإيران تعملان إلى جانبه حالياً، مما يجعل هامش تحركه أكبر.

مما يفرض على الجهات التي تقوم بالرصد والتي أعطى القانون لها ضوءاً أخضر للبدء بعملية الرصد؛ سيتطلب منها مزيداً من الجهد لدراسة هذه التفاصيل التي يتفوق بها النظام السوري نتيجة خبرته السابقة في الاحتيال والتلاعب.

وختم بالقول: "النظام بعد صدور هذا القانون سيلجأ إلى لبنان التي يتمتع من خلالها بعلاقات كبيرة لممارسة التهرب من العقوبات وتمرير ما يريد؛ وكذلك قد يلجأ بكل تأكيد إلى العمل مع الروس من أجل فتح قنوات لنقل الأموال وتحريك المواد اللازمة لصالح بقاء نظامه، ومن خلال ذلك يجب توسيع دائرة الرصد بطبيعة الحال إلى لبنان وإيران وروسيا، وعلى المعارضة في روسيا وإيران الاستفادة أيضاً من هذا القانون وليس فقط المعارضة السورية".
 
رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا، نوه خلال حديثه لـ "روزنة" بأن "قانون قيصر" -بانتظار توقيع الرئيس الأمريكي- من أجل فرض عقوبات اقتصادية مثلها مثل القرارات السابقة، التي ستكون عائقاً لأي عملية إعادة إعمار في مناطق النظام من قبل الشركات العربية والعالمية، وإنما ستزيد من تغول الشركات الايرانية والروسية بتمويل صيني في مناطق النظام بهدف الاستثمار والإعمار.

موضحاً بأن بقية مناطق "النفوذ التركي والأميركي" على الأراضي السورية فهي أصلاً غير معنية بهذه القرارات، وهي تقوم بعمليات إعمار جزئية في مناطقها، مشيراً إلى احتمالية أن يثني قانون قيصر؛ الشركات العربية والأجنبية أو رجال الأعمال السوريين المقيمين في الخارج؛ من إقامة مشاريع إعمار في مناطق النظام.

وتابع: "إن فرض عقوبات بسبب الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في سوريا لم يتوقف منذ 2011، وآثاره محدودة على بعض الشركات وكذلك الشخصيات المعاقبة، لأنهم ببساطة واجهات لقوى اقتصادية أخرى، فسرعان مايتغير اسم "الواجهة" المختصة بغسيل الأموال؛ لتجد طريقها للاستثمار في دول العالم، مستفيدين من أجواء الحرب الباردة جدا على الأرض السورية، فدول مثل روسيا وبيلاروسيا وبعض الدول "الصديقة" للشعب السوري؛ تستقبل استثمارات رجال أعمال معروفين بصلاتهم العضوية مع النظام؛ رغم وضع العقوبات عليهم".
 
وكان مجلس النواب الأميركي أقر بالإجماع، نهاية الشهر الفائت، تمرير مشروع قانون قيصر، الذي سُمي كذلك نسبة للمصور العسكري السوري السابق المعروف باسم "قيصر" الذي وثق جرائم مرتكبة بحق المعتقلين في سجون النظام السوري.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق