دي ميستورا خلال 4 سنوات.. هل نجح بدور "السوبرمان" ؟

دي ميستورا خلال 4 سنوات.. هل نجح بدور "السوبرمان" ؟
الأخبار العاجلة | 26 ديسمبر 2018

 

أعلن المبعوث الأممي الخاص لسوريا، ستيفان دي ميستورا، منتصف شهر تشرين الأول الماضي، نيته الاستقالة عن منصبه، نهاية شهر تشرين الثاني الفائت.

إلا أن الأمم المتحدة أجلت موعد الإستقالة الرسمي لمبعوثها إلى سوريا حتى نهاية الشهر الجاري؛ أملاً منها في أن يكلل دي ميستورا مسيرته في الملف السوري بنجاحه في تشكيل اللجنة الدستورية.

دي ميستورا كشف في آخر إحاطة له أمام مجلس الأمن؛ (20 كانون الأول)، عن فشله في التوصل إلى توافق مع القوى المتداخلة في الشأن السوري لإعلان تشكيل اللجنة الدستورية.

وقال دي ميستورا: "فشلنا في إقناع أطراف القضية السورية بالاعتراف ببعضهم البعض كمحاورين"، وأضاف، "بأنّ النظام السوري رفض قائمة الأمم المتحدة للجنة الدستور، في حين اعترضت المعارضة السورية على القائمة"، كما اعتذر دي ميستورا في إحاطته عن عدم تحقيق ما يجب للمساعدة في حل الأزمة السورية.

وعيّن الأمين العام للأمم المتحدة السابق بان كي مون الدبلوماسي الإيطالي ستيفان دي ميستورا مبعوثا خاصا إلى سوريا في شهر حزيران 2014، وشغل دي ميستورا منصب المبعوث الخاص إلى سوريا خلفا للدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي الذي استقال في منتصف أيار 2014.

هل أنجز دي ميستورا تطوراً لافتاً؟

المبعوث الأممي إلى سوريا؛ كان قد عمل في جولة المحادثات الرابعة لمسار جنيف (شباط 2017)، على مناقشة مستقبل الانتقال السياسي في سوريا بشكل معمق؛ من خلال توصله إلى مع وفود تلك الجولة لاتفاق على جدول أعمال يتكون من أربع "سلال"، وتتمثل السلال الأربع التي كشف عنها دي ميستورا في المؤتمر الختامي لجنيف 4 فيما يأتي:

- السلة الأولى: القضايا الخاصة بإنشاء حكم غير طائفي يضم الجميع، مع الأمل في الاتفاق على ذلك خلال ستة أشهر.

- السلة الثانية: القضايا المتعلقة بوضع جدول زمني لمسودة دستور جديد، مع الأمل في أن تتحقق في ستة أشهر.

- السلة الثالثة: كل ما يتعلق بإجراء انتخابات حرة ونزيهة بعد وضع دستور، وذلك خلال 18 شهرا، تحت إشراف الأمم المتحدة، وتشمل السوريين خارج بلادهم.

- السلة الرابعة: إستراتيجية مكافحة الإرهاب والحوكمة الأمنية، وبناء إجراءات للثقة المتوسطة الأمد.

اقرأ أيضاً:جولة جديدة لمباحثات جنيف.. وهذه مطالب المجتمع المدني من خليفة ديمستورا

وعن مرحلة عمل المبعوث الأممي إلى سوريا؛ خلال 4 سنوات، يعتبر المحلل والباحث السياسي؛ معن الطلّاع، خلال حديثه لـ "راديو روزنة"؛ أن مرحلة دي ميستورا جعلت دور الأمم المتحدة في دفع العملية السياسية في حالة تقييد كامل.

مضيفاً بأن خطط التحرك في العملية السياسية كانت مكبلة بتوازنات غاية في الدقة وحسابات ومصالح معقدة وغير مستقرة، الأمر الذي دفع وفق رأي الطلّاع إلى إرهاق العملية السياسية بمستندات قانونية ناظمة للعمل التفاوضي؛ افتقدت للتفسير المشترك.

من جانبها ترى الأكاديمية والسياسية؛ د.سميرة المبيّض خلال حديثها لـ "روزنة" أن فترة تسلم المبعوث الأممي جاءت ضمن فترة  توجه بها المجتمع الدولي لإنهاء تدريجي للمظاهر العسكرية في سوريا؛ من خلال مسار آستانة بشكل رئيسي.

وتتابع بالقول: "وعليه كان هناك جمود فعلي في مسار جنيف  التفاوضي؛ والذي استمر كعملية بروتوكولية شكلية و حسب؛ في حين أنه كان هناك عجز كلي عن فرض أي أجندة مفاوضات ومسار محدد على الدول المؤثرة".

في حين قال الناطق باسم هيئة التفاوض المعارضة؛ يحيى العريضي في حديثه لـ "راديو روزنة"؛ أن المبعوث الأممي إلى سوريا استهلك من وقت السوريين ومن دمهم ومن وقت المجتمع الدولي أكثر من أربع سنوات، معتبراً أن المحطات السلبية التي مر بها عمل دي ميستورا كانت بفعل يديه هو نفسه، وأرجع العريضي ذلك إلى أن دي ميستورا كان يتصور نفسه "خارقاً و بهلوانياً".

وأضاف: "كان دي ميستورا يقفز من مسار إلى مسار؛ وأحيانا تدور ذراعه في هواء جنيف في الفراغ، وينتقل أحيانا إلى آستانا ثم ينتقل إلى سوتشي، والمسار الأساسي في جنيف الذي كُلّف بتطبيقه وتسييره لم يكن آخذا البعد الجوهري في عمله".

هل الأمم المتحدة عاجزة في سوريا؟

الباحث السياسي "سقراط العلو" يعتبر في حديثه لـ "روزنة" بأنه وعند الصراع بين الدول فإن الأمم المتحدة تقف عاجزة تماماً، وذلك وفق رأيه يحدث بسبب حق الفيتو الممنوح للخمسة الكبار والقادر على تعطيل أي جهد أممي، "كما هو الحال في الأزمة السورية".

ويضيف العلو بأن حل النزاعات المسلحة بحاجة إلى فرض بالقوة، من خلال التدخل العسكري المباشر واستخدام الضغط العسكري على الأطراف، "كما فعلت روسيا بتدخلها لصالح النظام"، لافتاً إلى أن الأمم المتحدة لا تمتلك بذاتها تلك الأدوات لحل النزاعات، وإنما هي مجرد قناة تمنح الشرعية الدولية لما يتفق عليه الخمسة الكبار، حسب تعبيره.

قد يهمك:كيف ردّت واشنطن على فشل روسيا في الملف السوري؟

ويتفق الباحث في العلاقات الدولية؛ جلال سلمي فيما ذهب إليه العلو، حيث يقول أن الأمم المتحدة لا يوجد بيدها سلاح فعلي لتطبيق ما يجب تطبيقه، بحيث لا تستطيع إقرار القرارات، وإنما يتمحور عملها على إدارة محاولات الدول الكبرى لحل النزاعات.

سلمي يفند خلال حديثه لـ "روزنة" أسباب عجز منظمة الأمم المتحدة عن حل النزاعات؛ بالقول: "القسم السادس في ميثاقها (الأمم المتحدة) ينص على أن حل النزاعات في المقام الأول يتم من خلال تفاوض الدول كما تشير المادة 33، وعند توصل الدول إلى اتفاق تعمل الأمم المتحدة على تسجيل هذا الحل، وتقبل به كحل مكتسب من الشرعية الدولية".

ويشير إلى أن الميثاق الذي أسست عليه الأمم المتحدة لا يمنحها المبادرة بشكل فعال، إنما يبقيها في الإطار الخلفي لتحرك الدول الفاعلة، فضلا عن انعدام وجود أداة تنفيذ فعلية في يدها تمكنها من فرض أي حل.

الدبلوماسي الإيطالي/السويدي ستيفان دي ميستورا، سبق له أن شغل منصب نائب وزير الخارجية في إيطاليا، كما عمل في الأمم المتحدة لأكثر من ثلاثة عقود ويتمتع بخبرة كبيرة في العمل داخل مناطق النزاع.

وسبق له أن ترأس بعثات للأمم المتحدة في العراق بين عامي 2007 و2009، وفي أفغانستان بين عامي 2010 و2011، كما شغل مناصب تابعة للأمم المتحدة في الصومال والسودان والبلقان، وعمل نائبا لمدير برنامج الغذاء الدولي التابع للأمم المتحدة بين عامي 2009 و2010.

دور المبعوث الأممي و المنظمة الدولية في الحل السوري

سبع سنوات مرّت، تناوب ثلاثة مبعوثين خاصين للأمم المتحدة؛ فغادر كل من كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي مكتبه دون نتائج تذكر، وبقي دي مستورا لفترة أطول، إلا أنه يغادر الآن؛ بعد أكثر من أربع سنوات بهذا المنصب.

الأكاديمية والسياسية؛ د.سميرة المبيّض؛ قالت خلال حديثها لـ "روزنة"، أنه و بالنظر إلى سنوات استلام دي ميستورا فإنه لا توجد إضافة منه ترتبط بمسار جنيف.

إلا أنها أشارت أنه في المقابل كان هناك بشكل كبير توجه للمجتمع المدني بعيدا عن أقطاب الصراع الرئيسية، من أجل تفعيل مسارات حوارات موازية و ورشات عمل تستقرأ آراء السوريين و رؤيتهم لمستقبل بلادهم.

لافتة إلى أن  ظهور دور فاعل للمجتمع المدني كـ "قطب مؤثر" كان نقطة الإضافة التي  ترتبط بهذه الفترة، و هي عملية هامة وفق رأيها في مجتمع غابت عنه الحياة السياسية و كافة أشكال حرية الرأي  والتعبير لمدة خمسة عقود، واعتبرت المبيّض أن تلك المرحلة اتسمت بالتركيز على مفهوم المبادئ الدستورية و العقد الاجتماعي المشترك و تقريب وجهات النظر حول الأساسيات.

وتضيف متابعة: "لكن غياب تطبيق المسار السياسي السليم للوصول لانتقال سياسي شامل في سوريا يسمح مستقبلا بنشوء عمل مدني لمنظمات و جمعيات؛ و امتلاك حرية الرأي و التأثير؛ يجعل انعكاسات  هذه الجهود غائبة في الداخل السوري؛ لغاية اليوم على الأقل، بانتظار تطبيقها و استكمالها بتغيير جذري لنظام الحكم في سوريا".

اقرأ أيضاً:تعرف على السيرة الذاتية للمبعوث الأممي الجديد إلى سوريا

بينما يعتقد المحلل والباحث السياسي؛ معن الطلّاع، خلال حديثه لـ "راديو روزنة"؛ أن قدرة الأمم المتحدة "محدودة جداً" على لعب دور بناء في هذه المنطقة عموماً وفي سوريا بالأخص، ويعزو ذلك لأسباب تتعلق بهيكليتها وبنيتها ونمطية وظائفها أمام "منطق الكبار"، وكذلك لأسباب ترتبط بالظروف المتعلقة بالجغرافية السورية.

مشيراً إلى أن الأمم المتحدة تنطلق بحكم أدواتها وطبيعة عملها المحدّدة في التعامل مع ملفات الصراع من منطلقين؛ "قانوني وتنفيذي".

ويتابع: "في حين حتّم عليها المنطلق القانوني التعامل مع النظام السوري بوصفه "ممثلاً " للدولة ، إلا أن هذا التحتيم لا يبرّر للأمم المتحدة تقاعسها في البحث عن وسائل وأدوات تأثيرٍ لتحسين الشروط الإنسانية؛ كحدّ أدنى باعتبارها منظمة عالمية مهمتها الأساس إنفاذ القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان".

أما على صعيد المنطلق الإجرائي يلفت الطلّاع إلى أن الأمم المتحدة بقيت أسيرة سياسات الفاعلين الدوليين، مما حدّد وقلّص هوامش المرونة المتبعة من قبل المبعوثين الدوليين؛ حسب رأيه؛ الأمر الذي جعلهم يخوضون مهمة سياسية صعبة.

حيث يشير إلى مرحلة أول مبعوث دولي في سوريا (كوفي عنان)؛ والذي بدأها بـ "نزعة براغماتية" وطرح نقاطه الستة التي تضمن انتقالاً سياسياً للسلطة، وتابع فيما بعد الأخضر الإبراهيمي (المبعوث الدولي الثاني) بأداء سلبي وتستر على مماطلة النظام السوري وروسيا وإيران؛ حسب رأيه، معتبراً بأنه عمل على دفع الأطراف إلى تفاوض مباشر رغم عدم نضوج مناخه وعوامله.

وكذلك ساهم ستيفان دي ميستورا؛ وفق تعبير الطلّاع إلى تمييع العملية السياسية في سوريا؛ من خلال قواعد تحركه التي لم تلحظ هدف "الانتقال السياسي" المثبت في القرارات الدولية ذات الصلة.

هذه القواعد الذي ينوه إليه بأنها كانت قد تشكلت عبر مقاومة الاستعصاء السياسي؛ من خلال "استحداث" مسارات داعمة كأدوات ناعمة للضغط على المسار الأصلي، بالإضافة إلى العمل على هوامش التقارب الروسي الأمريكي ووفقاً للحدود المتاحة من هذه الهوامش مما جعلها أسيرة منطق "إدارة الأزمة".

فضلاً عن تجزئة الغاية السياسية إلى عدة خطوات ساهمت في جعل مفاوضات جنيف مجرد جولات دون أجندة؛ بحيث شكّلت تلك القواعد بمجموعها زخماً سياسياً لكن دون إحداث أي تقدم.

ويعتبر الطلاع خلال حديثه لـ "روزنة" أن تلك القواعد تسببت في ارتكاسات بنيوية في العملية السياسية واتجاهات سيرها؛ كان أهمها تمييع المعارضة التي باتت منصات متناحرة ومتباعدة؛ واختصار هذه العملية بلجنة دستورية "غائمة الأهداف والمحددات"، بعدما ساهم  دي ميستورا بشكل مباشر أو غير مباشر في "أستنة جنيف"، وفق قوله.

(أي جعل سير مسار جنيف وفق بوصلة أستانا؛ التي كانت بالدرجة الأولى أمنية وأضحت لاحقاً تناقش قضايا سياسية؛ هي من جوهر مهام مسار جنيف لدرجة أضحى دور الأمم المتحدة في العملية السياسية مهدداً بالتقويض التام).


وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أعلن في وقت سابق، تعيين الدبلوماسي النرويجي، غيير بيدرسن، مبعوثا خاصا إلى سوريا، خلفا لستيفان دي ميستورا.

وبحسب مصادر "روزنة" فإنه من المفترض أن يبدأ المبعوث الأممي الجديد إلى سوريا؛ مهامه بشكل رسمي بداية شهر شباط القادم، وستكون أولى أعماله؛ التحضير لجولة جديدة من جولات مسار جنيف نهاية الشهر ذاته.

وشغل بيدرسن، مناصب دبلوماسية عدة، كان آخرها سفيرا لبلاده لدى الصين منذ 2017، وممثلا دائما لها بالأمم المتحدة منذ 2012 حتى 2017.

كما عمل بيدرسن منسقا أمميا خاصا في لبنان (2007 - 2008)، والمبعوث الشخصي للأمين العام إلى جنوب لبنان (2005 - 2007)، وعمل مديرا لدائرة آسيا والمحيط الهادئ في قسم الشؤون السياسية في الخارجية النرويجية، كما كان بيدرسن، في عام 1993 ضمن الفريق النرويجي لمفاوضات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق