التخفي تحت مرأى الجميع: المرتزقة الروس، ومدى نكران روسيا لوجودهم

التخفي تحت مرأى الجميع: المرتزقة الروس، ومدى نكران روسيا لوجودهم
تحقيقات | 20 فبراير 2018
صحيفة "ذا إندبندنت" - يواجه النشطاء والباحثون في روسيا، مصاعب جمة في معركتهم للحفاظ على مصادر مفتوحة للمعلومات، وسط حالة تعتيم وتضييق إعلامي من قبل السلطات والحكومة الروسيتين. كيف يعمل هؤلاء على فضح سياسة "النكران" الروسية بخصوص أعداد القتلى من جنودها في صراعاتٍ لروسيا حصة كبيرة فيها.
 
بالنسبة لـ "جيش خاص" لا يحظى باسم رسمي، وفي بلدٍ يُعتبرُ نشاطه فيه "غير قانوني"، نبدو وكأننا نعرف الكثير عن قوات "واغنر" الروسية.
 
على ما يبدو، نحن نعلم أين يُدربُ جنود هذه القوات (مجمعٌ حديث البناء في "كراسنودار كراي"، قرب أوكرانيا)، وكم من الأموال يجمعون (مبالغ قد تتجاوز 200 ألف روبل، وهو رقمٌ أكبر بسبع مرات من الدخل المتوسط في روسيا)، كم تبلغ أعدادهم (1500 إلى 2000)، وكيف ومتى قُتلوا.
 
لقد عرفنا كل هذه المعلومات عبر تحقيقاتٍ نُفذت عبر وسائل "التواصل الاجتماعي"، ومصادر مفتوحة أخرى، أي مصادر، لا يستطيع "الكرملين" حجبها.
 
الأسبوع الماضي، أعادت اشتباكاتٌ في الصحراء الشرقية من سوريا، قال التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، أنها حدثت نتيجة صده هجوماً شنته قواتٌ داعمة للنظام السوري ورئيسه "بشار الأسد"، أعادت الحديث عن تلك "المصادر المفتوحة" إلى الواجهة.
 
وفي غياب الاعتراف الرسمي، زودت الأدلة التي نُشرت على وسائل "التواصل الاجتماعي"، وخصوصاً شبكة "فكونتاكتة" الروسية للتواصل الاجتماعي، بأكثر الوثائق المضمونة حولَ خسارات روسيا لصالح القوات الكردية المدعومة أمريكياً، والتي ترتفع حصيلتها لتبلغ العشرات.
 
كما قيلَ إن عدداً من هؤلاء الذين تورطوا في الهجوم، كانوا تابعين لـ "واغنر"، في وقتٍ يعتبرً فيه "الكرملين" أحدَ أقوى حلفاء رئيس النظام السوري "بشار الأسد".
 
وبعد فترة من الغضب والصمت والتصريحات المُروجة لـ "نكرانٍ صريح"، قالت "موسكو" الخميس الماضي، "إن خمسةَ مواطنين روس، ربما قُتلوا"، لكن الأمر تطلب مزيداً من التحقق، مؤكدةً، "أنهم لم يكونوا على صلةٍ بأعمال الجيش الروسي الرسمي".
 
في السنوات الأخيرة، ذهب "الكرملين" إلى مدى بعيدٍ وهو يحاول إخفاء خساراته، وفي عام 2015، قبل بدء العمليات العسكرية الروسية في سوريا بقليل، حوّل الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" أعداد القتلى من العسكريين، إلى "أسرار دولة"، سواءَ في أوقات الحرب أو السلم.
 
وكانت سياسة "الكرملين" في ذلك الوقت، التي تُنكر وجودَ عساكر تابعين لها على الأرض شرقيَّ "أوكرانيا" كجزءٍ من الصراع بين القوات الأوكرانية، ومتمردين داعمين لروسيا، قد تم تقويضها بشكل حقيقي، عن طرق تقارير متزايدة تتناول مقتل جنودٍ الروس.
 
ويواصل استخدامُ مجموعاتٍ عسكرية خاصة كـ "واغنر" الترويج لهذا المنطق، وبطبيعة الحال، فإن روسيا ليست الدولة الأولى، التي تستخدم جيوشاَ خاصة للحفاظ على أعداد قتلى جيشها من الوصول إلى الميزانية العامة، وبينما يُعتبر استخدامُ الجيوش الخاصة من قبل الحكومات الغربية أمراً معروفاً، يُعاقب القانون الروسي المنتمين إلى هذه الجيوش، بسبع سنواتٍ في السجن، فيما يبدو على "الكرملين"، أنه لا ينوي أن يُحدث تغييراً في القانون.
 
آليةُ "نكران" الكرملين، الجديرة بالتصديق ظاهرياً، حولَ الجنود الروس في سوريا، لها وجهٌ آخر، وهو أنها تُسهم بإزعاج "الوطنيين"، الموالين عادةَ في روسيا.
وشهدت برلمانات روسيا هذا الأسبوع، ارتفاعَ حدة التوتر حتى درجة الغليان، حيث بدأ نوابٌ يحظون بقدرة على التأثير، كنائب رئيس البرلمان "إيغور ليبيدف" حديثه بموضوع "إلزام" السلطات، بأن تكون مفتوحة بشكل أكبر، وقال، "عليك أن تعبر عن تعازيك لأقرباء وأحباء هؤلاء الذين قُتلوا"، مضيفاً، " بكل بساطة، على الحكومة أن تفعل ذلك".
 
من جهته، "فرانز كلينتزفيتش" الذي ينتمي لسلطة أعلى نفوذاً، "لجنة الدفاع والأمن"، كان أكثر صراحة، حيث قال، "إن أعمال التحالف الدولي بقيادة أمريكا، يخالفُ المعايير القانونية"، مشدداً، "الأمريكيون لم يتصرفوا بهذا الشكل من قبل في سوريا (...) إن الأمر غير مسبوق".
 
لكن رسالة "كلينتزفيتش" كانت خارجة عن السياق، وسرعان ما جلبت له المشاكل، حيث أنه قدمَ استقالته من منصبه "طوعاً" بعد يوم واحد، فيما وصفت المتحدثة "فالنتينا ماتفينكو" الأمر، بأنه "دورانٌ طبيعي" للأدوار، لكن مصدراً مقرباً من اللجنة، أخبر صحيفة "الإندبندنت" أن " كلينتزفيتش، كان عليه أن يصون لسانه"، مضيفاً، "هناك لاعبون خطيرون معنيون بالأمر".
 
ورفض "كلينتزفيتش" من جهته التعليق على هذا المقال بسبب "جدول أعمال شاغل".
 
ومع ارتفاع صدى الفضيحة، لم تحاول الحكومة أن تغلق الأبواب فحسب، بل حاولت أن تُفرغَ المحل، حيث أصبحت المصادر أكثر انشغالاً وانشغالاً، ثم تم تداول تقارير عن توزيع "دليل للجنود" حول كيفية استخدام وسائل "التواصل الاجتماعي".
 
وبحسب صحيفة "ايزفستيا" المقربة من الحكومة، فإن جنوداً تم إخبارهم بأن يُبقوا حساباتهم على وسائل التواصل، خاصة، وأن يطلبوا من أقربائهم، ألا يكشفوا معلومات تتعلق بخدمتهم. فيما بدا الهدف من هذا التدخل واضحاً، وهو إزالة شريان الحياة للمحققين الناشطين الذين يعتمدون على هذه المصادر المفتوحة.
 
ويعتبر "رسلان لفيف" ومجموعته "فريق استخبارات الصراع" (عمل الفريق على المراقبة والتحقق من أعداد قتلى الجنود الروس في أوكرانيا وسوريا منذ 2014)، أحدَ أبرز أهدافها كباحثين يعتمدون على المصادر المفتوحة.
 
ومنذ ذلك الحين، جذب "لفيف" انتباه القوى الأمنية، التي حذرته وطلبت منه التوقف، كما تم استدعاؤه إلى المثول أمام قاضٍ عسكري، وتم إخباره أنه يواجه خطر السجن. وتعرض الفريق أيضاً، للمراقبة، والتنصت، والاستجوابات باستمرار، وأيضاً لهجمات قرصنة.
 
ويقول الناشط "لفيف"، إن وزارة الدفاع قامت بتوجيه تركيزها مؤخراً إلى عائلات المتوفين، حيث تم إعلام أقاربهم، أن عليهم أن يوقعوا اتفاقات "عدم إفشاء"، كشرطٍ لتلقي التعويضات، موضحاً "يقول لنا أقرباء المتوفين، أنهم غير مسموح لهم الحديث معنا، وإلا سوف يخسرون أموالهم". حيث يعتقد أن عائلات المتوفين، تتلقى حوالي 3 مليون روبل (53 ألف دولار أمريكي).
 
الحل لدى "لفيف" هو أن يقوم بالتواصل من الأقارب الذين تصلهم قرابة بعيدة بالمتوفين، حيث يقول "إن القوى الأمنية واعية بالطرق التي نستخدمها، لكنها لا تستطيع تحذير الجميع". 
 
ويقول الكاتب والخبير بالأمن "أندريه سولداتوف"، "إن أجهزة المراقبة الروسية لم تحظى بتجهيز كافٍ يُمكّنها من متابعة عددٍ كبير من المستخدمين"، مضيفاً، "تتحطم قدرتهم على السيطرة عند أدنى مستوى".
 
ويتابع الخبير، "كنت لتعتقد، أنه ليس هناك من شيء أسهل عندهم، من القيام بمصادرة جهاز محمول من جندي شاب، لكن هذا لا يحدث".
 
وعوضاً أن تكون الأنظمة الأمنية الروسية، عين ترى كل شيء، تعمل الأنظمة في حالة من الفوضى، على شاكلة حجر الدومينو، حيث يقول الخبير "يقومون بفرض عقوبات صارمة، ويتوقعون من الآخرين أن ينجرفوا وراء مخاوفهم، إن النظام غير مصمم لأجل عدد كبير من صناع المشاكل".

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق