عندما رأيت أبي يبكي..!

عندما رأيت أبي يبكي..!
مدونات | 18 مايو 2016

عبد القادر ليلا يكتب على صفحته في فيسبوك:

 

والدي.. ذلك الرجل العتيق الصلب، رفض مرافقتنا في رحلة الهجرة واللجوء، رفض أن يعيش التغريبة في أواخر شيبته، لذلك غادرناه بعد أن تركنا عنده مفاتيح بيوتنا. ودعناه في رحلتنا نحو الشمال عندما استدار بوجهه نحو الجنوب، ليكمل صلاة الفجر، كنا نظن أنه يملك أسرار وقوى خفية سرمدية، وأن تصوفه حتى العشق وإيمانه لا يهتز. كان رجلاً قوياً يجابه عشرة رجال، ولكنه يضعف، ويتحول إلى عصفور مشاغب عندما تدار حلقة الذكر، ويدور بالحضرة كطفل يبحث عن فراشات طائرة، وهو يعلو وينخفض على تراتيل المنشد. كان يحمل في جيبه تميمة تقيه الجن وعين الأنس إذا ما فكرت أن تناله بالشر. 

هذه التميمة لن تفيدك الآن يا أبي، ففي المرة الأولى عندما قصفت الطائرات بيته طلبنا منه أن يغادر، صاح بأعلى صوته: "لن أغادر بيتي مهما فعلوا! ماذا سأقول للأطفال والنساء، أنا الرجل المسن تركت بيتي هارباً من الموت!.. اذهبوا واتركوني سُأدفن ها هنا"، وأشار بعصاه الغليظة إلى حديقة البيت. 

إنها المرة الثانية التي تنجو بها من الموت يا أبي. انهار البيت عليك ولكنك تعتقد أن "الحجاب" في جيبك هو من أنقذك. أخشى عليك في المرة القادمة أن تتحقق وصيتك، وتدفن تحت أنقاض بيتك، حيث أنت! 

والدي.. الذي يظن ويعتقد بالله اعتقاداً كبيراً وجازماً أنه المنجي، وهو المحيي والمميت، كانت مهمته المحببة على قلبه عندما يسمع أصوات الطيران والصواريخ، التكبير والتشهد بصوت عالٍ حتى تصل أصدائه إلى جميع أطراف الحي، وينصت إليه الجيران الخائفين، وهو ينادي يا رب.. يا رب. بصوت مخنوق مكسور حتى يشعر الجيران بالسكينة والهدوء لأنّ الله حتماً سيحميهم من الشر بعد إلحاح هذا الشيخ عليه. 

والدي.. الذي ودع أمي بعد أن كُسرت رجلها بالقصف الأول لتقع طريحة الفراش ضمن ما يسمى بكسر الموت. 

ودع نعشها بكثير من الدموع، وشعور رهيب بفقدان الرحيل الأبدي.. والدي الذي لم يغازل أمي في حياتهما التي امتدت لستين عاماً، ولم يقل لها في كل هذا الزمن كلمة «أحبك». 

حاول أن يقولها عندما حمل نعشها، ولكنه تردد وغص بالعبرة، ومنعه كبريائه وخجله من قولها أمام أبنائه.. فهو الأب المثالي المحترم ولا يريد أن يقع في الرذيلة أمامنا. أراد أن يبوح لها قبل أن تغادره إلى الأبد.. حاول عدة محاولات لكنّه عجز. 

كان العجز بادٍ على وجهه بيده يكفكف دمعه، وبالأخرى يداري وجهه الذي فضحه، تمنى لو استطاع أن بهمس بأذنها دون أن يسمعه أحد، ولكن تزاحم المشيعين وصخبهم حالا دون ذلك.

كان دمعه أسرع من نطقه، وللحظات عاش صراعاً بين قلبه وجبروته، لكنه حسم الأمر لصالح شرقيته الأصيلة فيه فأجهش بالبكاء بقهر وعجز.

والدي الذي لم أره يبكي في كل حياتي.. بكى ذلك اليوم كعاشق فارق محبوبه، وكل ما فعله من إيماءات وتصرفات دلّت عليه أنه عاشق لا يستطيع البوح. أول من شعر به أخواتي والتقطنه بغريزة الإناث.. فبكينَ معه وعليه. 

كيف صبرت كل هذا الزمن؟

عندما وصل النعش إلى باب البيت لوح له بيده، واليد الأخرى كانت على قلبه.. لم يخبرها بحبه.. تركها تذهب، واحتفظ لنفسه بهذا البوح، حاول أن يمنحها شيئاً يشي ما بقلبه.. للأسف لا شيء يعوض المحب عن التصريح بحبه، ولكنه صاح بأعلى صوته، أمام ذهول المشيعين:

"أشهد الله يا أم محمد أنك كنتِ زوجة صالحة، واشهد لك أني لم أرَ منك عيباً أو تقصيراً. اذهبي إلى الله.. الله يسامحك ويرضى عليكِ في الدنيا والآخرة. اللهم اغفر لها وأسكنها جنانك فأنا راض عنها".

كانت هذه الدعوات بمثابة غزل وتكفير عن تقصيره، لأنه لم يقل لها كلمة حب، ويظن أيضاً أنه يمنحها الرضا والثناء فذلك كفيل بأن تلقى ربها راضية مرضية، كيف لا وهي غادرت الدنيا وزوجها راض عنها. 

عندما وريت الثرى غادر المشيعون، بقيت أنا وأختي، وأخبرناها أن والدي يحبها كثيراً، ولكن كل العمر الذي مضى لم يخبرها لأنه يتلعثم إن قالها وحتى لا تفهمه "غلط".. 

أختي أضافت أننا جميعنا نحبها أيضاً.. لتصبح قضية حب أبي لأمي.. قضية عامة. 

رحمك الله يا أمي.. وحماك الله يا أبي.

رابط صفحة عبد القادر على فيسبوك، اضغط (هنا)


الكلمات المفتاحية
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق