ملجأ رقم 3.. بئر عجم

ملجأ رقم 3.. بئر عجم
مدونات | 18 يناير 2016

نذير كرف يكتب على فيسبوك:

 

استمر القصف طوال الليل،ولم نتجرأ على إنارة الشموع، في تلك الليلة المضطربة حالكة السواد، أتى إلى الملجأ شخص غريب لم نره من قبل، ولكننا كنا نتوقع قدومه وكنا ندعو الله دائما أن يأتي سالما بكامل الصحة والعافية. أتى فأنار الملجأ بنوره ورسم البسمة على وجوه الجميع، رغم أنه أتى بظروف استثنائية مشبعة بالألم والخوف، أتى إلى هذه الدنيا في أحلك الظروف، عندما سمعت صوته أول مرة كنت مستلقيا عل بطني، واضعا يدي فوق رأسي لأخفي وجهي.

كنت أبكي. لم أستطع أن أمنع دموعي من أن تنهمر وأنا أحمد الله أن كل شيء قد سار على ما يرام، سمعت أصوات النساء وهن يحمدن الله أن الطفل وأمه بخير. لقد بكت النساء في تلك الليلة بكاء فرح، كنا طوال الوقت ننتظر هذه اللحظة بخوف شديد، كنا نخشى أن يخطف الموت الأم أو وليدها.

مرة أخرى، أثبتت النساء في الملجأ أنهن على قدر ألمسؤولية وأنهن الأجدر في إدارة الأزمات، بقيت "نفن" منذ اليوم الأول لنزولها إلى الملجأ رابطة الجأش، لم تظهر أي خوف أو قلق كانت مفعمة بالإيمان واثقة أن الله سيكون إلى جانبها. 

أشرفت "أميمة" على الولادة والتفت باقي النساء حولها لمد يد العون، طلبت من إحداهن أن تحضر ماء ومن أخرى أن تسخنه على موقد الغاز الصغير ومن ثالثة أن تحضر مناشف، اختلط بكاء الطفل بأصوات قذائف الهاون، معلناً قدومه إلى هذا العالم في لحظات من أحلك اللحظات.

كان الموت في صراع مع الحياة، بقي الموت يحوم حول الملجأ لعدة أيام يحاول دخوله، ليختطف منه أرواحا بريئة لكن الحياة كانت أقوى فوهبت لنا داخل الملجأ روحا جديدة. قام الرجال بتهنئة "حمود" بالمولود الجديد، وسادت أجواء من الضحك والمزاح كنا بأشد الحاجة إليها عندما بدأ البعض باقتراح اسم للمولود الجديد، فمنهم من اقترح على والده أن يسميه "هاون"، وآخرون اقترحوا اسم "آر بي جي"، لكن والده أعلن أن اسمه قد تم اختياره منذ عدة أشهر وهو "بيسلان". 

وقفت "أميمة" في مكان يستطيع الجميع سماعها وأدلت باعتراف خطير:

- لقد كانت هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أقوم بها بتوليد امرأة، عندما لم أجد أي شخص مؤهل وذا خبرة بين نزلاء الملجأ، كان علي أن أدعي بأنني صاحبة خبرة طويلة في هذا المجال كي أهدئ من روع "نفن".

أصيب الجميع بالصدمة والذهول عند سماع كلماتها، فهي لم تتوقف خلال الأيام الماضية عن تقديم نفسها على أنها صاحبة خبرة لا يستهان بها في التوليد، لقد استطاعت بكل حنكة وذكاء أن تمتص كل مشاعر الخوف والقلق وتجعلنا نطمئن أن "نفن" ستكون بأيد أمينة.

كان هناك اعتقاد راسخ بأن المرأة أثناء الولادة تصبح على مسافة واحدة بين الحياة والموت، وأن روحها تصبح معلقة بين الأرض والسماء، وأن دعاءها يصبح مستجابا. لهذا فقد جرت العادة أن تطلب بعض النساء من المرأة الحامل أن تدعو لهن أثناء ولادتها. في أمور تقض مضاجعهن، تلقت "نفن" اتصالا من إحدى الصديقات تطلب منها الدعاء لولدها طريح الفراش الذي تعرض لحادث سير قبل عدة أشهر أن يشفيه الله.

بعد أن وضعت "نفن" وليدها قامت النساء بسؤالها بماذا دعوت ولمن؟فأجابت أنها دعت الله أن يخرجنا من هذا المكان سالمين جميعا. فرحت النساء وتفاءلن بأن الله سيستجيب لدعائها. وأن ساعة الخلاص قد دنت. 

لم نكن نعرف إن كان "بيسلان" قادرا على تحمل الأصوات المدوية لقذائف الهاون التي لم تتوقف وكنا نخشى أن تصاب أذناه بالضرر.. إلى أي عالم أتيت يا بيسلان وفي أي ظروف أتيت وهل ستكتب لك الحياة؟ هل ستخرج من هذا الملجأ؟ أم أنك قد أتيت لتموت هنا معنا؟.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق