هل باتت فرص إنشاء المنطقة الآمنة في مهب الريح؟

هل باتت فرص إنشاء المنطقة الآمنة في مهب الريح؟
الأخبار العاجلة | 17 مارس 2019

لا تبدو أن حيثيات تشكيل المنطقة الآمنة في الشمال السوري كما ترغب بها أنقرة؛ سيكتب لها الاستمرار، على الرغم من إصرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على فرضها وبقيادة وبسيطرة تركية، ولو أنه (أردوغان) يستخدمها كورقة ذات ثقل كبير لحزبه في الانتخابات المحلية القادمة في تركيا؛ نهاية الشهر الجاري.

في حين يتبلور التوجه الأميركي في تبديد طموحات أنقرة أكثر فأكثر؛ من خلال سعي واشنطن لإقناع حلفائها في التحالف الدولي بضرورة حماية انسحابها المؤجل حتى الآن لوقت غير معلوم، من خلال ضمان أمن المنطقة والحفاظ على النجاحات التي حققها التحالف بالتعاون مع القوات الكردية من ناحية، ومن ناحية أخرى تشدد واشنطن على حماية الحليف الكردي من أي معركة أو تصادم قادم مع تركيا والقوات السورية المعارضة الحليفة لأنقرة.

و تؤكد مصادر مقربة من الخارجية الأميركية أن ترامب وعلى الرغم من أنه قد تعاطى بالإيجاب مع رسالة تلقاها مؤخرا من أعضاء في الكونغرس الأميركي طالبوه من خلالها بعدم الانسحاب نهائيا من سوريا، بسبب مخاطر عودة ظهور تنظيم داعش، فضلا عن الوجود الإيراني.

ما دفع الرئيس الأميركي للتعليق عليها، من خلال إشارته بأنه يوافق بشكل مؤكد على الاحتفاظ بوجود عسكري في سوريا"، إلا أن المصادر تؤكد لـ "روزنة" على أن ترامب ما يزال يرغب في الإبقاء فقط على 200 إلى 400 جندي أميركي في سوريا؛ مقابل عدم السماح لتمدد تركيا في الشمال السوري وتشكيل أي خطر على الحلفاء الأكراد.

وذلك من خلال تكوين قوة دولية متعددة الجنسيات، تتشارك فيه قواته المتبقية مع قوات بريطانية وفرنسية لحماية الاستقرار في الشمال السوري، سواء في شرق الفرات وغربه، مقابل تقديم مكسب بسيط لأردوغان يتمثل في حماية حدوده الجنوبية من أي تصعيد، مقابل ضمان عدم استغلال إيران أو القوات النظامية السورية، أو روسيا وحليفتها الحالية -ولو مؤقتا (تركيا)-، الفراغ المترتب على انسحاب القوات الأميركية.

اقرأ أيضاً:منطقة آمنة دولية في الشمال السوري.. ما دور "البنتاغون" في ذلك؟

وتشير المصادر الدبلوماسية لـ "روزنة" أنه ومع بقاء عام واحد فقط على الولاية الرئاسية الأولى، فإن ترامب يسعى لإبراز "النصر" الذي تحقق على تنظيم "داعش"؛ والذي يعد بالنسبة له وعد انتخابي تحقق بجدارة وبزمن قياسي، ليتبقى له خلال الفترة القليلة القادمة تحقيق نصر أكبر من وجهة نظره وهو الطامح لولاية ثانية، والذي يتمثل في انسحاب آمن من سوريا.

وقد يعتبر بالنسبة للرئيس الأميركي أن إجراء اتفاق جديد سواء مع إيران أو كوريا الشمالية، ستكون بمثابة الهدف الأكبر له، دون الالتفات لتطلعات أردوغان وأمانيه في سوريا، ولا ينفك الرئيس التركي من إطلاق وعود حزبه الانتخابية خلال التجمعات الانتخابية في عموم تركيا، حيث يؤكد مؤخراً على أن بلاده ستقيم منطقة آمنة شمال سوريا، لتمكين السوريين في تركيا من الرجوع إلى "بلادهم بسلام".

الرئيس أردوغان كان قد تعهد خلال تجمع انتخابي لحزب "العدالة التنمية" الحاكم في البلاد والذي انعقد في مدينة اسكندرون بولاية هاتاي الجنوبية، يوم الأحد الفائت، بأن أنقرة ستوقف "التنظيمات الإرهابية عند حدها" على طول حدود بلاده الجنوبية مع سوريا والعراق، (في إشارة إلى المقاتلين الأكراد الذين تتهمهم تركيا بالانتماء لحزب العمال الكردستاني المدرج على قائمة الإرهاب في تركيا).

وأضاف أردوغان حول ذلك بأن تركيا "لن تسمح بتشكيل حزام إرهابي مناهض لها شمالي سوريا من قبل تنظيم وحدات حماية الشعب" الكردية في سوريا.

توافق روسي-تركي معدوم الفائدة!

وتحاول أنقرة استغلال اتفاقها المعلن مع روسيا حول إدلب في سوتشي خلال شهر أيلول من العام الماضي، للانطلاق منه إلى اتفاق أوسع حول منطقة شرق الفرات، فضلا عن التنسيق المشترك ضمن إطار مسار أستانا إلى جانب إيران أيضاً، إلا أنه ووفق ما تكشفه التطورات المتلاحقة وخاصة الميدانية منها، إلى أن اتفاق سوتشي ذاته قد لا يكتب له الاستمرار في ظل استمرار روسيا بالحفاظ على مصالح دمشق هناك في إدلب، خاصة في ظل عدم تطبيق البنود العالقة في الاتفاق الآيل إلى السقوط.  
الكاتب والمحلل السياسي المختص في الشؤون التركية؛ فراس رضوان أوغلو، قال في حديث خاص لـ "راديو روزنة"، أن منطقة شرق الفرات لا تزال تحت السيطرة الأميركية، مما يعني أن التفاوض حول مستقبلها مع روسيا لن يكون ذو جدوى.

معتبراً أن تركيا تدرك بأن أي قرار لاحق فيما لو شاءت له الظروف بالتحقق لن يكون إلا بالتفاهم مع الولايات المتحدة، ليبقى أمر التنسيق مع روسيا ضمن نطاق طمأنة موسكو لا أكثر.

وأضاف: "من الطبيعي أن تتردى التفاهمات التركية الروسية بالنسبة لشرق الفرات، ولكن كل طرف يعرف حدوده فيها، ولن تؤثر على علاقات غرب الفرات، وكذلك لا أعتقد بأن التصعيد العسكري قادم في شرق الفرات، إلا أنه يأتي فقط من باب الضغط التركي على أميركا، وكذلك لطمئنة الداخل التركي بأن الجيش مستعد لكل شيء، فضلا عن إمكانية اعتباره كرسالة غير مباشرة لإيران وروسيا أن تركيا مازالت حليف الغرب رغم تحسن العلاقات معهما".


قد يهمك:هل يتجه ترامب لإلغاء فكرة المنطقة الآمنة شمال سوريا؟

من جانبه رأى عبد الكريم آغا، رئيس الحركة التركمانية الديمقراطية السورية، خلال حديثه لـ"راديو روزنة" بأنه لا تستطيع أي دولة في العالم تجاهل تركيا عندما تبحث في الحل أو الحرب في سوريا، معتبراً أن تركيا تستطيع إفشال أي جهود معادية لتركيا في سوريا، وفق قوله.

وعزا آغا ذلك إلى الحدود الطويلة بين تركيا وسوريا؛ فضلاً عن الامتداد الجغرافي والعرقي والبشري وتداخل المصالح بين الشعبين التركي والسوري، لاسيما بعد لجوء أعداد كبيرة من السوريين إلى تركيا.

وتابع بالقول: "المصالح الروسية التركية والإيرانية مصالح مشتركة في سوريا؛ وعلى الجميع مراعاة الرؤية التركية في سوريا، وفي حال حدوث عكس ذلك؛ فإن تركيا ستُفشل أي محاولة لتحييدها، وأعتقد بأن الدول (المتدخلة في الملف السوري) تأخذ بعين الاعتبار أي اختلاف بينها وبين تركيا، لذلك سيلتقون في منتصف الطريق من أجل الحل، وتركيا لها بدائل كثيرة لمنع عزلتها".

وكان وزير الدفاع التركي خلوصي آكار، أعلن مطلع الشهر الجاري أن جيش بلاده بانتظار أمر الرئيس رجب طيب أردوغان، لشنّ العملية العسكرية في منبج وشرقي الفرات، بعد إكمال كافة الاستعدادات.

ووفق ما نقلت وكالة "الأناضول" عن آكار قوله؛ آنذاك، خلال جولة أجراها بمنطقة عسكرية في ولاية أغري شرقي تركيا؛ بأن: "القوات التركية على أهبة الاستعداد، وتنتظر أوامر رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان"، وأضاف: "لن نسمح بتعريض أمن بلادنا للخطر بأي شكل من الأشكال ولا ينبغي أن يشك أحد في ذلك".

هل من جديد في التهديدات التركية؟

ولا يعتبر طرح المنطقة الآمنة بجديد على القيادة التركية، حيث سبق لأردوغان أن طرح فكرة هذه المنطقة عام 2014 (أيام تولي الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما)، بينما عاد الرئيس التركي لتعزيز آماله السابقة؛ بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن عزمه سحب قوات بلاده منتصف شهر كانون الأول الماضي.

حتى بدأت السيناريوهات تحاك وتفترض حول ما قد تذهب إليه تركيا من توسع لنفوذها داخل الأراضي السورية، ما دفع الرئيس بوتين (نهاية كانون الثاني الماضي) إلى طرح فكرة استبدال المنطقة الآمنة بإعادة العمل باتفاقية أضنة وتطويرها، (وهي الاتفاقية الموقعة بين تركيا وسوريا عام 1998)، حيث يعتبر الطرح الروسي كنوع من استخدام القانون الدولي للقول بأن ما ترمي له أنقرة هو السيطرة على أراض سورية، والروس بالمقابل قد يعملون على عامل الوقت لإفشال المسعى التركي.

اقرأ أيضاً:ما حقيقة الخلافات الروسية-التركية حول ملفي إدلب و شرق الفرات؟

كادار بيري؛ رئيس منظمة "كرد بلا حدود"، اعتبر خلال حديث خاص لـ "راديو روزنة"، أن التهديدات التركية حيال منطقة شرق الفرات ومحاولتها فرض المنطقة الآمنة لا تعدو عن كونها عن تهديدات مستمرة كانت وما تزال تطلقها، مشيراً وفق تعبيره بأن أنقرة ومتى ما سنحت الفرصة لها فهي ستقوم بضرب الأكراد.

ولفت بالقول بأن "تركيا لا تتجرأ أن تقوم باي فعل شنيع من أفعالها إلا بالتوافقات، كما حصل في عفرين بتوافق تركي إيراني أسدي؛ وبرعاية روسية".
منوهاً بحسب رأيه أن تركيا تنتظر ضوء أخضرا روسياً أو أميركياً، والذي لم يحصل إلى الآن، وهو السبب الذي اعتبره يمنع تركيا من أي تصعيد عسكري ضد القوات الكردية المسيطرة على منطقة شرق الفرات.

معتبراً بأنه في حال حصول أي تفاهم بين تركيا وقوة دولية سواء روسيا أو الولايات المتحدة، فإنه سيكون على حساب إحداهما، مرجعاً ذلك إلى أنقرة "وقعت بين فكي كماشة العملاقين (روسيا والولايات المتحدة)، وكل منهما يريد قضم التركي".

ورجح بيري بأن ما يزعج تركيا خلال الفترة الحالية هو رفض "قسد" (قوات سوريا الديمقراطية) أن تسلم أمرها لأنقرة، ونوه في الوقت ذاته إلى أن "قسد" دائما ما تصرح بأنها لا تريد الحرب، وبأنها مع أي حوار يجلب السلام، وأضاف: "وعلى ضوء ذلك تبقى الكرة إلى الجانب التركي، والذي اعتقد سيرضخ في النهاية مرغماً، أو أن يتم تغير الوضع السياسي في تركيا بشكل جذري".

يذكر أن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أصدر مطلع الشهر الجاري دراسة تحليلية حول احتمالات إقامة "المنطقة الآمنة التركية" في سوريا، مؤكدا من خلالها إدراك تركيا بأنها ستواجه تحديات سياسية واقتصادية وعسكرية خطيرة في حال نفذت تهديدها بإقامة منطقة آمنة وفق رؤيتها وبشكل أحادي، بخاصة أن الولايات المتحدة وروسيا وسوريا وإيران حذروها جميعها من القيام بذلك، وفق ما أشارت إليه دراسة المعهد.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق