بدءاً من البنك المركزي.. النظام يتجه لـ "خصخصة" القطاع العام

بدءاً من البنك المركزي.. النظام يتجه لـ "خصخصة" القطاع العام
بدءاً من البنك المركزي.. النظام يتجه لـ "خصخصة" القطاع العام

الأخبار العاجلة | 05 فبراير 2019

في سابقة غريبة من نوعها؛ أعلن البنك المركزي السوري، يوم أمس الاثنين، عن إصدار شهادات إيداع بالليرة السورية بقيمة اسمية قدرها 100 مليون ليرة سورية.

ويعتبر هذا التوجه المعلن من قبل البنك المركزي هو الأول من نوعه، وقد أوضح في تعميمه الصادر يوم أمس؛ أنه سيصدر شهادات إيداع قدرها 100 مليون ليرة سورية وسعر فائدة 4.5 بالمئة وسيتم على أساسه احتساب القيمة بعد الخصم وبأجل لمدة عام.

الخبير الاقتصادي والمستشار المالي؛ يونس الكريم، قال في حديث لـ "راديو روزنة" أن موضوع طرح شهادات الإيداع ليس بالجديد، حيث تم تداول فكرة هذا الطرح لأول مرة عام 2008، لكن ما أوقف ذلك التوجه آنذاك عدة أسباب.

وبيّن تلك الأسباب بالقول: "أول سبب هو سبب قانوني، حيث طرح آنذاك التعامل بشهادات الإيداع بالدولار السوري، وكان يمنع القانون تعامل المواطن السوري بالدولار، وبالتالي لم يستطيعوا تعميم سندات إيداع بالدولار".

وتابع مضيفاً: "السبب الثاني يعود إلى أن البنية التحتية للبنك المركزي والبنوك العاملة في سوريا؛ كانت غير مؤهلة لذلك سواء بالليرة أو بالدولار، رغم أن الطرح كان من أجل إشاعة أن هناك بيئة مالية متقدمة في سوريا؛ لجذب المزيد من الاستثمارات وفق خطة موضوعة".

ولفت الكريم  خلال حديثه لـ "روزنة" إلى أن من الأسباب الأخرى التي ألغت ذلك التوجه في حينه وجود تيار داخل النظام يمنعه؛ على اعتبار أنه سيكون نوع من أنواع الخصخصة.

اقرأ أيضاً:"البطاقة الذكية" أولى خطوات حكومة النظام لـ "خصخصة" القطاع النفطي

المستشار المالي أفاد بأن إصدار شهادات الإيداع خلال الوقت الحالي؛ سيؤدي إلى خصخصة السياسات النقدية؛ وكذلك السيطرة كليا من القطاع الخاص على البيئة الاستثمارية بسوريا، فضلاً عن السيطرة على أسواق المال المزمع تشكيلها خلال الفترة القادمة، وبالأخص فيما يتعلق بمشروع "دمشق الكبرى" وتجهيز البيئة التحتية لذلك.

ومشروع "دمشق الكبرى" يخطط له أن يمتد على مساحة (59) ألف هكتار، لكن دراسته توقفت عام 2011، فالدراسة كانت على ثلاث مراحل وتوقفت عند المرحلة الثالثة، وبحسب مصادر في حكومة النظام فإن هذا المشروع الذي يعاد العمل عليه لن يلغي محافظة ريف دمشق التي تمتد من الحدود اللبنانية حتى العراقية، أي أن المخطط التنظيمي لدمشق الكبرى سيشمل المحيط الحيوي لدمشق فقط.

وكان الكريم أشار في حديث سابق إلى أن هذا المشروع يتطلب وجود قاعدة بنكية متقدمة، "إيران تسعى لأن تكون أحد أطراف هذا المشروع، خاصة وأنها تلمست موافقة ضمنية دوليا على إقامة هذا المشروع؛ فهناك تلميحات كثيرة حول الرغبة بمساهمة دولية حول إعادة دمشق فقط وليس سوريا".

السعي إلى خصخصة القطاع العام..

الخبير الاقتصادي؛ يونس الكريم، أشار خلال حديثه إلى أن شهادات الإيداع التي تم الحديث عنها غير مخصصة للاكتتاب العام؛ وذلك لأنها مخصصة لكبار المستثمرين، لما يستدل منها بالأرقام المالية المطروحة لهذه الشهادات.

وتابع حول ذلك: "معدل العائد عن الـ100 مليون يأتي عبر أبسط عمل يقام بسوريا بالمقارنة مع فائدة شهادات الإيداع، وذلك بسبب التضخم، فالذي سيضع مئة مليون سيأخذها بعد عام 25 مليون فقط، لأن معدل التضخم الرسمي 75 بالمئة".

ونوه الكريم إلى أن المستثمرين لن يتقدموا لشراء شهادات الإيداع؛ إلا بشروط خاصة، والتي ستتمثل بالتحكم في بقرارات وضع السياسات المالية والنقدية بسوريا، وبمعنى آخر سيؤدي ذلك إلى التحكم بقرارات البنك المركزي، وعدا عن ذلك فإن هذا الطرح لن يتعدى نطاقه الإعلامي ولن يكون له أي استجابة؛ وفق رأيه.

وأضاف: "معدل التضخم في سوريا أعلى بكثير من سعر الفائدة، لذلك لن يكون هناك إقبال على الاكتتاب في بيئة يتغير فيها سعر صرف العملات بشكل يومي، ولكي يستثمر القطاع الخاص بالسندات؛ يفترض أن يكون معدل الربح 25 بالمئة كحد أدنى وهو معدل هبوط العملة، وبذلك لا يكون القطاع خاسر، وإذا ما أراد القطاع الخاص الربح من جراء هذا الإيداع؛ فيجب أن يصل معدل الفائدة إلى 35 بالمئة".

ورأى الكريم بأنه في حال وافق البنك المركزي على إشراك المستثمرين بوضع السياسات النقدية في سوريا مقابل الاكتتاب؛ لأجل توفير السيولة النقدية والقطع الأجنبي من خلالهم، فإن الأمر سيؤدي إلى الخصخصة بشكل أو بآخر.

مبيناً بأن البنك المركزي ستكون حجته خلال الفترة المقبلة بأن هذه الخصخصة هي جزئية فقط، بحيث يعلن أنه سيسمح فقط بإبداء الرأي بالسياسات النقدية؛ في حين ستكون الإدارة الكلية لذلك والقرار النهائي هو للدولة.

قد يهمك:مشاهدة المحطات التلفزيونية في سوريا يخضع لقرارات السلطة الأمنية

إلا أن الكريم اعتبر أن جميع التجارب السابقة المتعلقة بالخصخصة في دول عدة، تشير إلى أن الخصخصة في القطاع الحكومي تبدأ حينما يتواجد القطاع الخاص بأي مؤسسة.

وعلى صعيد الربح والعوائد المالية التي ينتظرها القطاع الخاص، أشار الكريم إلى أن أقل استثمار للقطاع الخاص يعود عليهم بفائدة تصل ما بين الـ 50 إلى الـ 60 بالمئة، متسائلاً في الوقت ذاته عن الحافز الذي يدفعهم للاكتتاب على تلك الشهادات بفائدة لا تتجاوز الـ 5 بالمئة.

وتابع: "إذا أخذنا الاستثمار بالعقارات وهو الأكثر استقرارا نوعا ما بسوريا في زمن الحرب؛ وكذلك الاستثمار بالذهب فهناك فارق شاسع بالفائدة، وبالتالي الاستثمار بالسندات لا يعتبر استثمار ناجح".

ميفاً بأنه ومن أجل أن يقبل القطاع الخاص بالاستثمار بهذا المجال؛ فيجب أن يحصل على امتيازات خاصة في الإدارة، وهو يعني خصخصة البنك المركزي بشكل حتمي.

توقعات بتوسع نطاق الخصخصة في المؤسسات الحكومية..

الخبير الاقتصادي والمستشار المالي؛ يونس الكريم، توقع في حديثه لـ"راديو روزنة" بأنه وبعد طرح شهادات الإيداع، وخلال أقل من عام سيتم طرح فكرة بيع الديون للقطاع الخاص.، وذلك بحيث تسعى حكومة النظام لتحصيل أكبر قدر من الأموال خلال الفترة المقبلة، وإنما ذلك يعني "بيع الدولة" للقطاع الخاص.

متابعاً: "من خلال الحصول على ديون البنوك الحكومية المتعثرة؛(وهي فكرة تم تداولها خلال سنوات الثورة)، فإن كبار ملاك القطاع الخاص سيفرضون شروطهم على باقي المستثمرين؛ بأنه في حال لم يتم التسديد فستنتقل الملكية لهم".

كما بيّن الكريم إلى خطوة أخرى ستتبعها حكومة النظام؛ من خلال تنفيذ طرح الاكتتاب على قطاعات مختلفة من المؤسسات الحكومية، مما يؤدي بشكل جلي إلى ظهور الخصخصة الجزئية.

اقرأ أيضاً:النظام يسعى لتحويل دمشق إلى "دبي جديدة" من خلال غسيل الأموال

وختم بالقول بهذا الشأن: "سيتم طرح جزء من أسهم القطاعات الحكومية السيادية بنسبة  49 بالمئة للقطاع الخاص، و 51 بالمئة للقطاع العام، وحجة الحكومة هي أن سيطرة الإدارة باسمها مقابل حصولها على النقد، ولكن بالحقيقة فإن نسبة القطاع الخاص سيكون لها دور معطل والبت بالقرارات السيادية".

وتعرف الخصخصة بأنها تحويل المؤسسات الحكومية إلى مؤسسات يديرها أو يملكها القطاع الخاص، وكانت تعتبر خصخصة المؤسسات الحكومية بمثابة "تقليد سائد" في ثمانينات القرن الماضي، ويُنظر إلى الرئيس الأميركي رونالد ريغان، ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر بصفتهما قائدي الخصخصة في الثمانينيات، ففي خلال تلك الفترة، تم تخصيص الكثير من المؤسسات الحكومية في البلدين أمثال شركات الاتصالات والسكك الحديدية وشركات الطاقة.

و اقترنت الخصخصة تاريخيا بالتغيرات السياسية والاقتصادية في البلدان، فبينما ارتبطت في أوروبا الشرقية بالتحول من الشيوعية إلى الرأسمالية، ارتبطت في العالم الغربي بالتحرر السياسي والتجديد في دستور البلدان.

ومع تفاوت معدلات النجاح في تلك المشاريع زادت صعوبة الجزم بنجاح مشاريع الخصخصة، حيث تعتبر بعض المؤسسات الحكومية عبئا على الحكومة، باستنزافها المال العام وموارد الدولة مما قد يسبب عجزا في الميزانية، وتنظر بعض الحكومات إلى تخصيص بعض مؤسساتها بصفتها حلا لهذا الاستنزاف.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق