3 محطات رسمت شكل العلاقة بين أنقرة ودمشق يجب التعرف عليها

3 محطات رسمت شكل العلاقة بين أنقرة ودمشق يجب التعرف عليها
3 محطات رسمت شكل العلاقة بين أنقرة ودمشق يجب التعرف عليها
sputnik

سياسي |٢٩ نوفمبر ٢٠١٩
قال نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، اليوم الجمعة، إن موسكو تدعم إمكانية عقد لقاء بين أنقرة ودمشق، موضحاً أن هذه الخطوة مرتبطة بمدى جاهزية دمشق وأنقرة.

هذا وقد رجحت مستشارة رئيس النظام السوري، بثينة شعبان، في وقت سابق إمكانية إجراء محادثات سورية – تركية في سوتشي، يتم خلالها بحث العملية العسكرية التركية بشمالي سوريا.

وكان بشار الأسد قد أبدى رأيه بالموافقة على مقابلة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث عبّر عن ذلك خلال مقابلة تلفزيونية مع قناتي "السورية" و"الإخبارية" السورية؛ نهاية الشهر الماضي، "عندما تكون هناك مصلحة وطنية، إذا كان هناك لقاء سيحقق نتائج. كل ما يحقق مصلحة الوطن لا بد من القيام به وهذه مهام الدولة".

وفي نفس اللقاء لم ينفي الأسد وجود تنسيق استخباراتي مشترك بين دمشق وأنقرة، كذلك فإنه أشار إلى عقد عدة لقاءات بين الجانبين على مستوى استخباراتي؛ ولكن برعاية روسيّة.
 
وأقرّت تركيا لأول مرة بوجود اتصالات مع النظام في مستوى منخفض، وفق ما أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في شباط الماضي، كما تحدّثت وسائل إعلام في أيّار الماضي، عن اجتماع أمني جرى في العاصمة أنقرة بين مسؤولين في النظام وآخرين أتراك.

نستعرض معكم في هذا التقرير، أهم 3 محطات في العلاقة بين أنقرة و دمشق منذ استلام بشار الأسد للسلطة.

 بداية العلاقة الجيدة برعاية "العدالة والتنمية"

كان صعود حزب العدالة والتنمية إلى رأس السلطة في تركيا عام 2002 ممثلاً بانتقال السياسة الخارجية لتركيا إلى نهج "العمق الإستراتيجي"، ويأخذ هذا النهج بالاعتبار كون تركيا دولة متعددة الأبعاد الإقليمية، فهي بلد شرق أوسطي ذو طموحات غربية، وفي الوقت نفسه متصلة جغرافيا وثقافيا وعرقيا بأشكال متعددة، بما يعني أن على تركيا أن تجد مقاربة للسياسة الخارجية تراعي انتماءاتها المتعددة، وفي قلب سمات نهج "العمق الإستراتيجي" هذه ظهرت لأول مرة مقاربة "صفر مشاكل مع الجيران"، وهي مقاربة قائمة على فكرة أن تركيا بحاجة إلى تحسين علاقاتها مع جميع جيرانها، وتصفية جميع صراعاتها التاريخية، ما بشّر بوضوح بظهور نسخة جديدة من العلاقات المحسّنة غير المسبوقة بين أنقرة ودمشق.

اقرأ أيضاً: السلطات التركية ترحّل عشرات السوريين... ما الأسباب!

رفض قادة حزب العدالة والتنمية المشاركة في سياسات العزل التي فرضها الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش على سوريا بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005، كذلك فقد ساعد الساسة الأتراك دمشق على قبول هذه المرحلة الصعبة من خلال لعب دور الوساطة بين دمشق ومختلف الحكومات الأوروبية.

تبنّت كل من تركيا وسوريا -آنذاك- نهجا تجاريا مفتوحا، ووقّع البلدان اتفاقية للتجارة الحرة دخلت حيز التنفيذ عام 2007، قبل أن يتوصلا لاتفاق لإنهاء متطلبات التأشيرة بينهما عام 2009، وبفضل هذه الإجراءات تضاعفت صادرات تركيا لسوريا ثلاث مرات بين عامي 2006 و2010 وصولا إلى 1.85 مليار دولار، فيما ارتفعت قيمة الصادرات السورية إلى تركيا من 187 مليون دولار إلى 662 مليون دولار خلال الفترة نفسها، وانخرط البلدان في عدد من مشاريع البنية التحتية المشتركة.

التعاطي التركي مع الثورة السورية

ألقت حراكات "الربيع العربي" وخروج الشعوب العربية ومنها السورية للمطالبة بالحرية والديمقراطية؛ محطة مهمة لعودة تركيا كقوة إقليمية ترعى الديمقراطية وتنادي بها لشعوب منطقتها، وكانت الاستفادة من هذه الحراكات تعني أن على تركيا إعادة النظر بمبدأ "صفر مشاكل مع الجيران" تماشيا مع طموحات الداعين للتغيير في البلاد العربية، حيث قدّمت تركيا نفسها صراحة بوصفها راعية لعملية إرساء الديمقراطية في الشرق الأوسط.

الوضع في سوريا كان مختلفا نوعاً ما بالنسبة لتركيا، وكانت العلاقات مع دمشق أحد أهم نجاحات سياسة "صفر مشاكل"، ونتيجة لذلك فإن تركيا وجدت نفسها في موقف حرج مع قيام الثورة السورية، فمن ناحية أرادت الحفاظ على المكتسبات السياسية والاقتصادية لعلاقاتها مع دمشق خلال السنوات الأخيرة، ومن ناحية أخرى فإن دعم نظام استبدادي أو السكوت عنه كان ليضر صورة تركيا في المنطقة العربية.

ونتيجة لهذه الموازنة أتى رد فعل تركيا المبدئي على الاحتجاجات السورية على هيئة محاولة إقناع النظام السوري نفسه بقبول مطالب الشعب، وكان هذا النهج مستندا إلى افتراض أن العلاقات التركية السورية المُحسّنة، ستكون كافية لمنح أنقرة ما يكفي من النفوذ على دمشق، إلا إن أردوغان شعر بالخيانة -فيما يبدو- حين بدأ الأسد في فتح النيران الكثيفة على المتظاهرين، حيث تغيّرت نظرته الشخصية تجاه الأسد تزامنا مع تلك اللحظة التي تحوّلت فيها سياسة بلاده تجاه سوريا، كما قال هو بنفسه في مقابلته مع مجلة "تايم" أواخر عام 2011.

قد يهمك: مفاوضات تركية روسية لانسحاب "الجيش الوطني" من مناطق في سوريا

 مع ازدياد قمع النظام السوري تجاه المتظاهرين واستخدامه القوة العسكرية لمواجهتهم، بدأت تركيا في تغيير نهجها وشرعت في استضافة ودعم المعارضة السورية تزامنا مع قرارها بقطع العلاقات مع دمشق والمطالبة بتغيير شامل للنظام، وكان هذا التحوّل يستند إلى افتراض أن النظام البعثي سينهار قريبا أُسوة بسائر أنظمة الدول التي ضربتها الحراكات الشعبية.

بدلا من الإطاحة بالأسد؛ دمّرت الحرب؛ الدولة السورية تماما، في حين فشلت المعارضة المدعومة من أنقرة في قلب المعادلة بسبب التدخّل الروسي والإيراني الذي ساعد النظام السوري على استعادة الكثير من الأراضي التي انتزعتها المعارضة منه، وبخلاف ذلك بدأ الصراع في سوريا يُهدّد العلاقات الخارجية لتركيا وتحديدا منذ قيام النظام السوري بإسقاط طائرة تركية في صيف عام 2012 ورفض الناتو التدخّل لمساندة أنقرة، لتبدأ موجة من التوتر في علاقات تركيا مع الغرب أضافت إلى علاقات تركيا المتوترة بالأساس مع إيران وروسيا بفعل الأزمة السورية. 

التدخل العسكري التركي في الشمال السوري 

كان لنتائج الانتخابات البرلمانية في حزيران 2015 تأثيرها الخاص على موقف أردوغان من الأكراد، حيث كان الزعيم التركي يأمل بأن السلام مع حزب العمال الكردستاني سيرسّخ الموقف السياسي لحزبه من خلال ضمان تصويت الأكراد وزيادة الدعم الشعبي لخطة التحوّل للنظام الرئاسي، وبدلا من ذلك فإن الانتخابات شهدت أداء ضعيفا للعدالة والتنمية الذي خسر الأغلبية المطلقة في البرلمان للمرة الأولى منذ صعوده للسلطة.
 
مع الإعلان عن تشكيل قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في تشرين الأول 2015، اعتبرتها أنقرة فرعا لحزب العمال الكردستاني، وهو ما غيّر أولويات أردوغان في سوريا تزامنا مع هذه التحوّل، حيث أصبحت أنقرة أكثر تصميما على إحباط أي جهود للحركة الكردية لترسيخ وجودها في الشمال السوري، فيما تراجعت جهود أنقرة الهادفة للإطاحة بالأسد كأولوية.
  
التطورات الداخلية التي شهدتها تركيا أيضاً في تلك الفترة عزّزت من وتيرة هذا التحوّل بشكل ملحوظ، سواء في استقالة رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو من منصبيه الوزاري والحزبي في أيار 2016، ثم محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة ضد أردوغان منتصف العام نفسه، فكل ذلك أدى لحدوث انعكاسات واضحة على السياسة الخارجية التركية في سوريا، وجاءت تلك التطورات الداخلية بأخرى خارجية حيال الملف السوري، تمثلت بالتدخّل العسكري الروسي في سوريا (أيلول 2015) وهو عكس موازين القوى لصالح النظام السوري، فيما بدا أن واشنطن تصالحت مع هذه الحقيقة، ما دفع أردوغان لمحاولة تطوير موقف أكثر براغماتية تجاه الصراع السوري بالتقارب مع روسيا من ناحية، ومن ناحية أخرى السعي للتواجد على الأرض السورية بشكل مباشر.

اقرأ أيضاً: اتفاقات جديدة بين واشنطن و أنقرة… ماذا عن الملف السوري؟

كانت بداية ذلك التحول الميداني في آب 2016 حينما شّنت تركيا أولى عملياتها العسكرية تحت اسم "درع الفرات" في المنطقة بين نهر الفرات إلى الشرق والمنطقة المحيطة بأعزاز إلى الغرب، وكان الهدف العسكري الرسمي لهذا التدخّل هو القضاء على وجود "تنظيم داعش" قرب الحدود التركية، ولكنها في الوقت ذاته كانت تهدف أنقرة في الوقت نفسه إلى منع أكراد سوريا من وصل الكانتونات الواقعة تحت سيطرتهم في كلٍّ من كوباني/عين العرب وعفرين، ورغم أن روسيا انتقدت العملية التركية بشكل رسمي فإن قوات النظام السوري لم تكن باستطاعتها تفعل شيئا لاعتراض العملية العسكرية.

بالتوازي مع ذلك، شاركت تركيا مع كل من روسيا وإيران في رعاية المفاوضات بين النظام السوري وممثلي المعارضة في العاصمة الكازاخية نور سلطان "آستانا سابقا"، فيما عرف بمحادثات آستانا، حيث تم التوصل فيها لاتفاق لوقف إطلاق النار في مناطق مختلفة من سوريا وإنشاء مناطق لخفض التصعيد، وانتهك النظام السوري ذلك الاتفاق في مناسبات عديدة بدعم روسي؛ ونجح بفضله في تحقيق مكاسب عسكرية كبيرة من خلال اختراق الهدنة والسيطرة على مناطق واسعة في جنوب ووسط وشمال البلاد، لكن روسيا في المقابل واصلت منح الضوء الأخضر لتركيا لمواصلة عملياتها العسكرية في سوريا من خلال العملية العسكرية "غصن الزيتون" التي تم إطلاقها في كانون الثاني عام 2018 لمقاتلة القوات الكردية التي كانت تتواجد في منطقة عفرين. 

اقرأ المزيد