"بازار سياسي" في الأمم المتحدة… والملف السوري ورقة رابحة؟

"بازار سياسي" في الأمم المتحدة… والملف السوري ورقة رابحة؟
"بازار سياسي" في الأمم المتحدة… والملف السوري ورقة رابحة؟
alkhaleejonline

سياسي | ٢٨ سبتمبر ٢٠١٩

بعد 8 سنوات في الأروقة الأممية، ما تزال الجهود الدولية تبتعد عن وضع مسار الحل في سوريا على السكة الصحيحة، و كما جرت العادة السنوية تستضيف مدينة نيويورك الأميركية قادة العالم ضمن أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتتوالى الخطابات التي تستهدف في جزء منها الملف السوري بغية استخدامه كورقة في "البازار السياسي" الذي تفرد له المساحة عبر المنبر الأممي. 

باتت الأزمة الممتدة من الصراع الطويل في سوريا تبدد حضور الملف السوري بشكل جاد على الساحة الدولية؛ في حين تحتل التوترات في الخليج والحروب التجارية العالمية مكان الصدارة، إلا أن الملف السوري يبقى ورقة تستغلها قوى إقليمية وعربية ودولية لتحقيق مصالحها وأهدافها، ما يجعل المسألة السورية رهينة الصراعات والتجاذبات ويبعد عنها أي بارقة أمل بانفراجة قريبة توقف معاناة السوريين التي تهدد بمستقبل أسود يعصف بالوطن ومقدراته وسبل العيش فيه.

ورغم أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش؛ أعلن يوم الاثنين الفائت عن تشكيل اللجنة الدستورية السورية والتي يعتبرها جزء من السوريين بوابة للحل السياسي المرتقب؛ في ظل اعتبار بعض آخر من السوريين أن تشكيل اللجنة ما هو إلا إضاعة وقت وتعمية عن الفشل المستمر في دور الأمم المتحدة في إنهاء الأزمة السورية بالشكل الذي يحقق تطلعات السوريين.  

و يخشى الكثير من السوريين من أن الأزمة التي لم يتم حلها كما يبتغون؛ أصبحت حاشية في قائمة طويلة من الأزمات العالمية، وبات الحديث عن سوريا يصدر من لسان أممي عاجز على التوجيه نحو خارطة حل في المستقبل المنظور.

وكما تتطلب ضرورات "البازار السياسي" تراوح ذكر الملف السوري في خطاب بعض زعماء الدول المتدخلة في الشأن السوري بين النوايا غير المعلنة في تحقيق مكاسب متزايدة جراء تداخلهم في هذا الملف، أو سعياً من أجل فرض مشروع سياسي يضمن لهم حضوراً استراتيجياً. 

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قال خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ أن بلاده لم تعد قادرة على تحمل أعباء 3.6 مليون لاجئ على أراضيها، وهو الذي كان هدد في وقت سابق من الشهر الجاري، بفتح الأبواب والسماح لطوفان من اللاجئين السوريين بمغادرة تركيا باتجاه البلدان الغربية ما لم تتم إقامة "المنطقة الآمنة" في سوريا في أقرب فرصة للتفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية بهذا الشأن.

وأضاف في كلمته يوم الثلاثاء الفائت إنه "في حال مد عمق المنطقة الآمنة إلى خط دير الزور- الرقة، بوسعنا رفع عدد السوريين الذي سيعودون من بلادنا وأوروبا وبقية أرجاء العالم إلى 3 ملايين". 

أما قطر ومصر المختلفتين في أحلاف سياسية متنازعة في المنطقة، كان الملف السوري حاضراً ضمن خطاب زعيميها في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث قال أمير دولة قطر (الدولة التي انكفأ دورها في الملف السوري بعد خلافات الأزمة الخليجية وانقلاب السعودية عليها)؛ قال أميرها تميم بن حمد آل ثاني، في خطابه بأنه قد "آن الأوان لإنهاء الأزمة وفقاً للقرارات الأممية بما يحفظ وحدة أراضي سوريا"، واصفاً ما يتعرض له السوريون من جرائم بـ"الفضيحة الكبرى للإنسانية"؛ متناسياً دور بلاده المباشر في التسبب بهذه الفضيحة واستمرارها.

اقرأ أيضاً: جرائم الحرب في سوريا.. ورقة ضغط سياسية بيد الأقوياء؟ 

من جانبه؛ أكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في كلمته، إن الحل السياسي في سوريا، بات ضرورة ملحة لا تحتمل المزيد من ضياع الوقت، والاستمرار في الحلقة المفرغة، التي تعيشها سوريا منذ 8 أعوام.

وأعرب السيسي، عن ترحيب مصر بالإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية في سوريا، مطالباً ببدء عملها بشكل فوري ودون إبطاء، كخطوة ضرورية نحو التوصل لتسوية سياسية شاملة، وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم "2254"، وبما يحقق وحدة سوريا وسلامتها الإقليمية وسلامة مؤسساتها، ووقف نزيف الدم، والقضاء التام على الإرهاب.

فيما جدد الرئيس اللبناني، ميشال عون، في كلمة ألقاها خلال أعمال الدورة 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة، دعوته إلى إعادة اللاجئين السوريين في لبنان إلى بلدهم، وقال عون أمس، في كلمته يوم الأربعاء، إن "شروط عودة النازحين السوريين إلى بلدهم أصبحت متوفرة"، وناشد كل زعماء العالم بأن يسهموا في العمل على عودة النازحين الآمنة إلى سوريا.

وأضاف أن "النزوح شكل خطرًا جديًا على برنامج تحقيق أهداف التنمية المستدامة في لبنان، وأدّى إلى تفاقم أزمته الاقتصادية"، ومنذ انتخابه رئيسا للبنان، كان لعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم الحيز الأكبر في خطابات الرئيس اللبناني.

وحول دور الأمم المتحدة العاجز بمفرده عن القيام بتحرك جاد لتهيئة مسار فعلي للحل السياسي في سوريا قال الكاتب والباحث السياسي سقراط العلو؛ خلال حديث لـ "روزنة"، أن بنية الأمم المتحدة لا تتيح لها اتخاذ قرارات منفردة، وليس لديها أية إمكانات مادية أو عسكرية بذاتها، وإنما هي تعتمد على تبرعات الدول الأعضاء، مضيفاً بأن "الأمم المتحدة خاضعة لقرارات تلك الدول، وبخاصة الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن".

قد يهمك: حل لغز العملية السياسية السورية متوقف على شخصين... هل عجز المجتمع الدولي؟

واعتبر العلو بأنه وعند الصراع بين الدول فإن الأمم المتحدة تقف عاجزة تماماً، وذلك يحدث بسبب حق الفيتو الممنوح للخمسة الكبار والقادر على تعطيل أي جهد أممي، "كما هو الحال في الأزمة السورية" وفق رأيه. 

وأضاف بأن حل النزاعات المسلحة بحاجة إلى فرض بالقوة، من خلال التدخل العسكري المباشر واستخدام الضغط العسكري على الأطراف، "كما فعلت روسيا بتدخلها لصالح النظام"، لافتاً إلى أن الأمم المتحدة لا تمتلك بذاتها تلك الأدوات لحل النزاعات، وإنما هي مجرد قناة تمنح الشرعية الدولية لما يتفق عليه الخمسة الكبار، بحسب تعبيره.

واتفق الباحث في العلاقات الدولية جلال سلمي؛ فيما ذهب إليه العلو، حيث لفت إلى أن الأمم المتحدة لا يوجد بيدها سلاح فعلي لتطبيق ما يجب تطبيقه، بحيث لا تستطيع إقرار القرارات، وإنما يتمحور عملها على إدارة محاولات الدول الكبرى لحل النزاعات.

ويفند سلمي أسباب عجز منظمة الأمم المتحدة عن حل النزاعات؛ بالقول أن "القسم السادس في ميثاقها ينص على أن حل النزاعات في المقام الأول يتم من خلال تفاوض الدول كما تشير المادة 33، وعند توصل الدول إلى اتفاق تعمل الأمم المتحدة على تسجيل هذا الحل، وتقبل به كحل مكتسب من الشرعية الدولية".
 
وختم سلمي حديثه لـ "روزنة" بالإشارة إلى أن الميثاق الذي أسست عليه الأمم المتحدة لا يمنحها المبادرة بشكل فعال، إنما يبقيها في الإطار الخلفي لتحرك الدول الفاعلة، فضلا عن انعدام وجود أداة تنفيذ فعلية في يدها تمكنها من فرض أي حل.

وكان هايكو فيمين، مدير مشروع العراق وسوريا ولبنان لدى المجموعة الدولية للأزمات؛ قال في تصريحات صحفية حول الملف السوري؛ أن "العالم أُصيب منذ فترة طويلة بالضجر والسأم من الحروب المستمرة، ونأى بنفسه مختاراً عن النزاعات الممتدة المتجمدة، وصار قرار وقف إطلاق النار على مستوى البلاد هو أفضل ما يمكن الوصول إليه من سيناريوهات التسوية الممكنة".

واعتبر فيمين، بأن الأسد "لن يغادر السلطة، ولم تعد الإطاحة به من الخيارات المطروحة على الطاولة، وينسحب الأمر على إعادة تأهيله أو ترويض نظام حكمه، أو إعادة إعمار البلاد في ظل وجوده.. ومن المرجح لحالة الوضع الراهنة البائسة أن تستمر بلا أفق معلوم".

اقرأ أيضاً: هل تستطيع الحكومات الأوروبية ترحيل اللاجئين السوريين؟

وقُتل ما يقرب من نصف مليون شخص ونزح نصف سكان سوريا منذ آذار 2011، في وقت شهدت فيه المعارضة السورية خلال الفترة السابقة هزائم متتالية، بات يعتبر الأسد المسيطر عسكريا على نطاق واسع من الأرض السورية بعد مساعدة عسكرية مباشرة من قبل إيران وروسيا حيث كان للتدخل العسكري من قبل موسكو منذ أيلول عام 2015 الأثر الكبير في إعادة سيطرة دمشق على مساحات جغرافية من سوريا.

 بينما تم إعلان هزيمة تنظيم داعش الإرهابي في آذار 2019 بمنطقة شرق الفرات، رغم أن الجماعة الإرهابية ما تزال تملك جيوب صغيرة لها في البادية السورية الواسعة في السويداء وحمص ودير الزور، حيث يواصل تنظيم داعش شن هجمات متفرقة.

وفي الوقت الذي ما زال الحل السوري غير محدود المعالم، فإن تشكيل اللجنة الدستورية بات الرهان الوحيد على إمكانية إحداث اختراق لحالة الاستعصاء المتمثلة منذ سنوات في العملية السياسية السورية، وتتألف اللجنة الدستورية التي أعلنت الاثنين من 150 عضوًا موزعون بالتساوي بين أعضاء قوائم حكومة دمشق والمعارضة والمجتمع المدني/الأمم المتحدة؛ وهي مكلفة بصياغة دستور سوري جديد في المحادثات التي تيسرها الأمم المتحدة في جنيف.

ومن المقرر أن تجري سوريا انتخابات رئاسية في عام 2021، وتأمل الأمم المتحدة أن تساعد المحادثات في تهيئة مناخ وآلية لإجراء تصويت محايد ونزيه.