بوادر تصعيد متزايد ضد إيران بعد محاولتها نقل النفط إلى سوريا

بوادر تصعيد متزايد ضد إيران بعد محاولتها نقل النفط إلى سوريا
بوادر تصعيد متزايد ضد إيران بعد محاولتها نقل النفط إلى سوريا
سياسي | ٠٥ يوليو ٢٠١٩

توترات متعاقبة يشهدها ملف النفوذ الإيراني في المنطقة، فبعد ارتفاع حدة التوتر بين واشنطن و طهران؛ في أعقاب إعلان الأخيرة نيتها تجاوز الحد المسموح به لإنتاج اليورانيوم منخفض التخصيب والمنصوص عليه في الاتفاق النووي المبرم عام 2015 مع القوى العالمية.

رحبت واشنطن اليوم الجمعة بتوقيف بريطانيا لناقلة النفط الإيرانية التي كانت متوجهة إلى سوريا، وقال  مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون أن توقيف الناقلة الإيرانية في جبل طارق "خبر ممتاز"، لافتاً إلى أن بريطانيا اعترضت ناقلة النفط العملاقة "غريس 1"، المحملة بالنفط الإيراني إلى سوريا في انتهاك لعقوبات الاتحاد الأوروبي.

من جانبها استدعت طهران الخميس السفير البريطاني لديها للتنديد بـ"الاعتراض غير القانوني"، ويأتي احتجاز السفينة العملاقة "غريس 1" البالغ طولها 330 مترا في وقت حساس في العلاقات الأوروبية الإيرانية، فيما يدرس الاتحاد الأوروبي سبل الرد على إعلان طهران تخصيب اليورانيوم بمستوى يحظره الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بينها وبين الدول الكبرى.
 

وتحمل هذه التطورات الكثير من المدلولات التي تنذر بتصعيد واسع النطاق على الصعيد السياسي والعسكري؛ كما أنها تحمل المزيد من الصعوبات لكل من طهران بالمقام الأول ومن ثم دمشق بدرجة أقل على صعيد الضغوط الاقتصادية المتزايدة.

الباحث المختص في العلاقات الدولية؛ د.مصطفى صلاح رأى خلال حديثه لـ "روزنة" بأن إيران تعتزم  بلورة بيئة صراعية تقوم على استخدام كافة وسائل الضغط الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية وفق استراتيجية توازن التهديد مع الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك في سعيها الوصول إلى موقف تفاوضي قوي عندما يتم الجلوس مجددا على طاولة الحوار.

واعتبر صلاح أن احتجاز ناقلة النفط الإيرانية في مناطق بعيدة عن مناطق الصراع الجغرافي يؤكد مدى تشابك وتعقد المسارات التي تنعكس تأثيراتها على أوضاع السياسة الدولية وليس النظم الإقليمية الفرعية بمفردها.


اقرأ أيضاً: صمت روسي إزاء الضغوط على إيران في سوريا.. ما الذي سيحدث؟


ونوه إلى أن إحتجاز الناقلة جاء بعد إعلان الرئيس الإيراني حسن روحاني اعتزام بلاده رفع سقف تخصيبها للمواد الانشطارية والنووية عن الحد المتفق عليه في الاتفاق النووي عام 2015 ؛ ما سيؤدي إلى تغير في موازين القوى بصورة كبيرة عما كانت عليه في السابق، خاصة من جانب الدول الأوروبية.

و قال الرئيس الإيراني حسن روحاني يوم السبت الفائت في وقت تصاعدت فيه التوترات مع الولايات المتحدة بعد هجمات على ناقلتي نفط في منطقة الخليج؛ إن بلاده ستواصل تقليص التزاماتها بموجب الاتفاق النووي في ظل غياب "مؤشرات إيجابية" من الأطراف الموقعة الأخرى.
 

وتوقفت إيران في أيار عن الالتزام ببعض تعهداتها بموجب الاتفاق النووي، وذلك بعد عام من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018 وتشديدها العقوبات على طهران.

وحول ذلك أكد صلاح بأن تضييق الخناق على طهران سيدفعها إلى استمرار سياسة التصعيد في ظل عدم وجود رؤية حقيقية لتسوية الأزمة المشتعلة منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي بصورة منفردة.

من جانبها اعتبرت الباحثة الإيرانية سمية أحمدي خلال حديثها لـ "روزنة" أن احتجاز ناقلة النفط  ما هو إلا خطوة ضمن سلسلة التحركات السابقة الموجهة ضد إيران لممارسة الضغط عليها، مضيفة بالقول: "خطوات الضغط على إيران تهدف لإحضارها إلى طاولة المفاوضات، وكذلك لإبقاءها في إطار الاتفاق النووي، لأن إيران تتخذ الآن خطوات لتفعيل أنشطتها النووية".

ورجّحت أحمدي حدوث رد فعل من قبل الحرس الثوري الإيراني على حادثة احتجاز الناقلة يتمثل بنشاط مضاد لأي تحرك بريطاني في مضيق هرمز.


قد يهمك: لافروف يحذر من تحويل سوريا إلى ساحة للمواجهة مع إيران!


وقالت الباحثة الإيرانية أنه وفي ظل الظروف الحالية فإن إيران تعتبر أن الاتفاق النووي لم يعد قائما، وتتابع حول ذلك: "عندما لا يلتزم أي طرف غير إيران على هذا الاتفاق؛ وإذا لم تتضاءل الضغوط ولم تخفف العقوبات على إيران، فإن البقاء في الصفقة النووية من قبل إيران لن يعود يجدي أي نفع".

وأردفت: "الحكومة الإيرانية تحاول إجبار الأطراف الأوروبية للالتزام بتعهداتها، لكن التوقعات تشير إلى أن الأوروبيين إلى جانب الولايات المتحدة، يسعون للضغط على إيران حتی تجبرها على المفاوضات".
 

وحول احتمالات التصعيد العسكري؛ رأت أحمدي بأن كلا الطرفين ليسا على استعداد لمواجهة مباشرة؛ مقابل قدرة إيرانية في إدارة حروب بالوكالة؛ معتبرة بأن الأطراف التي تُصّعد ضد إيران لا تريد سوى دفع إيران لطاولة المفاوضات؛ ولفتت بأنه وفي ظل الظروف الحالية فإن مساعي الدفع للمفاوضات لن يكون مرحب بها من قبل طهران، وختمت بالقول: "يركز الرأي العام في إيران بشكل كبير على نتائج الانتخابات الرئاسیة المقبلة في الولايات المتحدة والتي قد تخفف أو تبدد التصعيد الحالي تجاه إيران".

ما التبعات الاقتصادية؟

وعقب احتجاز ناقلة النفط الإيرانية التي كانت متجهة إلى سوريا؛ رجحت معلومات بقرب حدوث أزمة وقود جديدة في سوريا؛ بخاصة وأن الناقلة كانت تحمل 2 مليون برميل نفط.

الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي قال في حديث لـ "روزنة" أن الوضع الاقتصادي  في إيران سئ جدا؛ حيث تعتمد الإيرادات الإيرانية على النفط؛ وخمسين بالمئة من هذه الإيرادات كان توقف نهائيا.

وأشار إلى أن معدلات التضخم فيها تكاد تكون الأعلى في الوقت الحالي بالمقارنة مع الثمانينات، لافتا إلى أن الخسارات وصلت إلى أكثر من 10 مليار دولار، منذ بداية  العقوبات الأميركية على إيران منذ شهر أيار الماضي.


اقرأ أيضاً: ما خيارات طهران المتبقية لمواجهة واشنطن في سوريا؟


وحول انعكاس هذه الخسارات على النظام السوري قال قضيماتي أن تقديرات البنك الدولي تشير إلى  انكماش الاقتصاد الإيراني يصل إلى 6 في المئة هذا العام؛ في الوقت الذي توقفت فيه الواردات النفطية لدمشق بنسبة 80 بالمئة؛ وذلك بسبب سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على أهم آبار النفط في سوريا، إضافة إلى  خسائر أخرى تقدر بـ 62 مليار دولار في  قطاع النفط والغاز؛ مما يجعلها بحاجة لدعم لكل من طهران و موسكو.

وفي سياق آخر أشار قضيماتي إلى أن الانتشار العسكري الأمريكي في دول الخليج ينذر بأن التضييق على إيران سيزداد عدا عن الغليان الصامت لدى الشعب الإيراني،  بسبب التدهور المعيشي، و بسبب الخسارات في الاقتصاد وانهيار العملة، وتابع: "ربما كل هذا يدفع الحكومة الإيرانية بأن ترضى بمفاوضات مع الجانب الأميركي، لتخفف من حزمة العقوبات عليها".
 

وختم قضيماتي حديثه بالتنويه إلى السياسة المتبعة حاليا من قبل الإدارة الأميركية؛ بالقول أن ترامب يحرك العصا الاقتصادية ليضيق على جميع الدول، "الآن يضغط على الإيرانيين بدون استخدام الحل العسكري، وهو يتبع الخيار الأفضل  للولايات المتحدة في مثل هذه الحرب، كما كان يصرح به أغلب المسؤولين الأميركيين".

وفي جانب آخر رجّح الباحث في العلاقات الدولية؛ د.مصطفى صلاح حدوث أحد سيناريوهين ضمن إطار سعي إيران للوصول إليهما من أجل تحقيق مصالحها القومية، حيث يرتكز السيناريو الأول وفق رأيه على التعويل على الدور الأوروبي في تحقيق الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية، بخاصة وأن هناك تمايز واضح بين سياسة واشنطن وسياسة أوروبا فيما يتعلق بالاتفاق النووي الإيراني.

 إلا أنه اعتبر أن هذا السيناريو يصعب التعويل عليه في ظل ارتباط السياسة الخارجية الأمريكية ببرنامج ترامب الانتخابي الذي صعد به إلى البيت الأبيض؛ عوضا عن فشل واشنطن في إدارة الأزمة الكورية والفنزويلية الذي سينعكس بصورة كبيرة على مسار حركة واشنطن تجاه قبولها أو عدم قبولها لهذا الأمر في ظل اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية.

فيما رأى أن السيناريو الثاني، يرتكز على أن الدور الأوروبي قد ينعكس بصورة كبيرة على وضع إيران من حيث مساحة التقارب؛ بخاصة أن هذا الأمر مرتبط بتحقيق التزامات من جانب إيران بابقائها على التزاماتها في الاتفاق النووي.
 

وأردف حول ذلك بأن "الآلية الأوروبية الهادفة إلى مساعدة إيران على تخفيف حدة العقوبات الاقتصادية الأمريكية عليها؛ مشروطة أيضا بالتزام طهران ببنود وشروط الاتفاق النووي، ولعل انتهاج إيران لمثل هذه السياسات التصعيدية قد يدفع أوروبا إلى التقارب مع واشنطن على حساب طهران".

واعتبر أن خيارات إيران الخارجية في ظل هذا المناخ المأزوم ستكون في اتجاه تصعيدي قائم على استمرار تهديد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة خاصة الدول الخليجية، عوضا عن زيادة نفوذها داخل الأراضى السورية لتهديد أمن إسرائيل الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة.

وتابع: "إلا أن هذا الأخير لا يمكن فصله عن تطورات الأوضاع الأمنية الدولية خاصة في ظل التقارب الروسي الأمريكي في تحقيق أمن إسرائيل، والعمليات العسكرية التي أضحت السمة الأساسية لتل أبيب في دمشق لمواجهة النفوذ الإيراني، وبالتالي فإن الورقة الأكثر تأثيرا في معادلة الصراع ستكون مرهونة بالدول الخليجية كونها الحزام الأمني الأضعف في هذه المعادلة؛ والتي ستمثل بوابة طهران لتحقيق مزيد من الضغوط على الولايات المتحدة".