تكنولوجيا المحبّة والتعاطف!

تكنولوجيا المحبّة والتعاطف!
تكنولوجيا المحبّة والتعاطف!
تقنية | ٢١ يناير ٢٠٢٠

كيف يمكن لتقنيات العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين إعادة بناء ما هدمته في مجتمعاتنا، ولماذا ينبغي عليها أن تلعب هذا الدور!

 

لا يخفى على أحد التغير الجذري الذي طرأ على حياة الملايين حول العالم خلال العقد الماضي بسبب تلك اللوحات المضاءة كهربائياً ومتصلة بشكل أو بآخر بشبكة الإنترنت. والخشية أنه مع التقدم الهائل في شبكات الاتصالات وبزوغ فجر الجيل الخامس، سيغزو العالم الافتراضي شيئاً فشيئاً عالمنا الحقيقي، وسنشهد المزيد من حالات الانسحاب من الواقع بهدف خلق بيئات نعتقد أنها أكثر أماناً وأكثر ملاءمةً. وهذا بحد ذاته منحى خطير للغاية وله تداعياته الكبيرة على حياتنا الاجتماعية برمّتها.

إن التعاطف، وهو قدرة الناس على مشاركة عواطفهم مع الآخرين وفهم مشاعر بعضهم بعضاً، قد شهد انخفاضاً مرعباً في القرن الواحد والعشرين. وإذا ما اندثر التعاطف في مجتمعاتنا، سيكون الاتهام موجه على الأرجح إلى التكنولوجيا والأدلة متوفرة.

إذ توضّح حالياً العديد من الدراسات الإحصائية أن الأشخاص الذين يكون لديهم قدرة أكبر على البقاء متصلين بشبكة الإنترنت يُظهرون قدراً أقل من التعاطف. ففي حين تخدمنا التكنولوجيا على ما يبدو في العديد من مناحي الحياة، فإنها تسمم الروابط التي تميزنا كبشر دون أن نشعر.

في الحقيقة لا يمكن الجزم بأن معاداة الحياة الاجتماعية هي صفة متأصلة بطبيعة التكنولوجيا الحديثة بشكل عام وشبكة الإنترنت على وجه الخصوص. فبإمكانهما لا شك أن يُضعفا تعاطفنا، لكن إذا ما تم استثمارهما على نحو مختلف قد يصبحان واحة كبيرة بحجم العالم تُبرز أفضل ما لدينا من خصال وصفات حميدة.

اقرأ أيضاً: تويتر أصبح ممتعاً أكثر فأكثر.. تعرّف على ميزاته الجديدة المذهلة!

إذ يمكننا تسخير الكثير من أركان شبكة الإنترنت بحيث نتيح للناس بالفعل توسيع نطاق تعاطفهم ومشاركة بعضهم بعضاً مشاعر الود. ويعكف العديد من الباحثين حالياً على اكتشاف هذه الجوانب الإيجابية للتكنولوجيا، ليتمكنوا لاحقاً من وضع المعايير والقيود التي من شأنها إذا ما التزمت بها شركات التكنولوجيا الكبرى أن تضمن مستقبلاً أكثر تعاطفاً وأكثر ازدهاراً لحياتنا الافتراضية على شبكة الإنترنت.

مجتمعنا المتنوع والاختلاف الثريّ!

 

إن قدرة الناس على التواصل هي الضامن الذي يدعم ثقافتنا كبشر ويرسخها. لكن من الملاحظ أن شبكة الإنترنت تعمل على إضعاف تفاعلاتنا وتشويه المشهد برمته، وعلى النقيض، تقوم بسلب الأرضية المشتركة التي نحتاج إليها كي يفهم بعضنا الآخر. حتى أصبح كل واحد منا أكثر ثقةً وأكثر ارتباطاً بعالمه الخاص في حين ينجرف بعيداً عن عوالم الآخرين.

يتطلب التعاطف منا أن ندرك وبشدة أن الأشخاص الذين يختلفون معنا بآرائهم، لديهم تجارب معيشية لا تقل في عمقها عن تجاربنا الشخصية. لكن في ظل المشهد المتشرذم والمشتت للغاية لوسائل التواصل الاجتماعي، ليس لدينا من الخيارات سوى أن نرى الطرف الآخر أخرقاً أو خائناً أو يجمع بين الصفتين معاً. وإذا لم نعمل سوياً بجهد واسع النطاق على تغيير هذا التوجه المقيت، لنتمكن من إحياء التعاطف بيننا من جديد، فمن المؤكد أن فرصتنا ستكون ضئيلة في إصلاح التمزقات العميقة التي أصابت نسيجنا الاجتماعي.

ليس من قبيل المصادفة تلك الآثار السلبية للتكنولوجيا التي تستنزفنا اجتماعياً، إنما هي نتاج الفلسفة التي جرى بها تصميم منصات مثل فيسبوك وتويتر، والتي يحكمها بشكل أساسي الدوافع المالية والربحية. فهذه المواقع لا ترضي المالكين لها من خلال جعل المستخدمين أصحاء أو سعداء، بل من خلال إبقائهم على شبكة الإنترنت بأي وسيلة كانت.

هذه المنهجية تحبذ التطرف والغرور والخوف، أو بعبارة أخرى كل ما يستحوذ علينا ويواصل تأثيره. والنتيجة هي تدفق أعداد هائلة من الزائرين لمشاهدة نظريات المؤامرة والتعصب والعداوة.

عوالم من الخوف والغضب!

 

العالم الافتراضي يغير من نظرتنا إلى الآخرين ومن نظرة الآخرين إلينا. فأحياناً لا نظهر بأسمائنا الحقيقية، إذ يُستعاض عن وجوهنا وأسمائنا بصورة رمزية وسلسلة مجهولة من الأحرف. يمكن أن يكون إخفاء الهوية أمراً حيوياً في بعض المناحي، على سبيل المثال، تمكين الناس من تنظيم احتجاجات بأمان في الدول الشمولية.

لكنها تؤدي في الوقت ذاته إلى فقدان السيطرة على التفاعلات الاجتماعية، وتشجع الناس على أن يختبروا سلوكيات تتسم بالقسوة دون الكشف عن هويتهم، لعلمهم بأن هذا لن يكلفهم شيئاً. فالتنمر الإلكتروني بات يلاحق الناس الآن داخل بيوتهم، ويترك من خلفه آلاف الضحايا أكثر ميلاً إلى الانتحار من أي وقت مضى.

في دراسة بحثية جرت عام 2017، قام عالم النفس ويليام برادي وزملاؤه بدراسة لأكثر من 500 ألف تغريدة لمعرفة السبب في انتشارها. فوجدوا أنه كلما كان المنشور مشحوناً بقدر أكبر من الحماسة والغضب زاد معدل إعادة التغريد، لا سيما في الأوساط الأيديولوجية لصاحب المنشور.

وإعادة التغريد هي تأكيد حيوي يعزز المزيد من الغضب. وبعد أن يُثاب الناس على تغريداتهم بمزيد من الاهتمام، فإن استجابتهم التالية ستكون حتماً وبشكل دراماتيكي، تغريدات مشحونة بغضب مضاعف. تويتر لا يعكس عالماً غاضباً فحسب، بل يساعد في إنشاء هذا العالم أيضاً.

وسائل التواصل الاجتماعي باتت وللأسف تجعلنا أقل اجتماعيةً، فهي تستعيض عن اللقاءات الثمينة المباشرة مع الأصدقاء بسلاسل من الأحرف وصور مختارة بعناية.

اقرأ أيضاً: واتساب سيتوقف عن العمل.. إليك الحلول!

ففي مجموعة دراسات أجريت عام 2017، في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، تتضمّن أشخاص يصفون آراءهم في قضايا سياسية استقطابية وبالمقابل مقيّمين لتلك الآراء. لوحظ انخفاض حاد بمقدار التعاطف عندما جرى التحكيم بناء على الآراء المختزلة على شكل نصوص، مقارنة بالتفاعلات الحية مع الأشخاص والاستماع إلى آرائهم بشكل مباشر.

نحو مزيد من التعاطف، لكن من أين نبدأ؟

 

تشخيص الآثار الضارة للتكنولوجيا هو الخطوة الأولى للتغلب عليها. وينبغي الانتباه أن قدرتنا على التعاطف في الدرجة نفسها من عمق مشاعر الغرور والغضب والخوف، وينبغي على شركات التكنولوجيا أن تعدل من سياساتها لكي تبرز القوى الأصلح والأكثر نفعاً.

ربما من خلال تصميم أدوات جديدة من أجل تعزيز التواصل والفهم، بحيث ينشر الناس الآراء المختلفة، ويدعون نظراءهم للنقاش، بعيداً عن إتاحة الفرصة للمعلقين السلبيين الذين يتصيّدون أخطاء الآخرين وينهالون عليهم بالسب والشتائم.

ويمكن أيضاً تحقيق تقدم هائل من خلال تطوير أدوات أخرى تتيح الحصول على دعم اجتماعي تعاطفي لمن بحاجة إلى ذلك، مع إطلاق العنان لتبادل مشاعر الود والاحترام المتبادل، وتوفير بيئة تعزز من الشعور عميقاً بالطمأنينة. والنتيجة ستكون حتماً هي إتاحة الفرصة لحوار حقيقي وودي وصادق.

عُرف عن مارك زوكربرغ أنه حثّ موظفيه على "التحرك بسرعة وكسر القيود"، لكن بات واضحاً الآن أنهم حطّموا الكثير. ومهما كثر شجبنا لتأثير التكنولوجيا، فلا سبيل للعودة إلى الوراء بل المضي قدماً في أن نطور أنفسنا بالكشف عن مختلف جوانب العالم الافتراضي وكيف يمكن أن يدعم الحياة الاجتماعية الواقعية لتغدو أكثر ازدهاراً.