تداعيات مقتل سليماني على سوريا... حرب إقليمية ضخمة؟

تداعيات مقتل سليماني على سوريا... حرب إقليمية ضخمة؟
تداعيات مقتل سليماني على سوريا... حرب إقليمية ضخمة؟
reuters

تحليل سياسي | ٠٣ يناير ٢٠٢٠
يُعد قاسم سليماني أقوى شخصية عسكرية في إيران والعقل الاستراتيجي وراء طموحات توسيع نفوذها في الشرق الأوسط، ووزير خارجيتها الحقيقي في شؤون الحرب والسلم.

أدار سليماني عمليات سرية شملت شبكة من القوات العاملة بالوكالة في أنحاء المنطقة، بوصفه قائدا لـ "فيلق القدس" التابع لـ "الحرس الثوري الإيراني"، كما مثّل مركز نفوذ سياسي في إيران حيث اعتبر الرجل الثاني بعد المرشد الأعلى لـ "الثورة الإيرانية" نفسه، حيث كان سليماني يعتبر مهندسا لحرب النظام السوري، والنزاع المستمر في العراق، والحرب ضد تنظيم "داعش"، والعديد من المعارك الأخرى.

و أكدت وزارة الدفاع الامريكية، فجر اليوم الجمعة، مقتل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، في بغداد، بناء على توجيهات من الرئيس دونالد ترامب مباشرة، في مؤشر لتغيير قواعد اللعبة، بحسب مارك أسبر، وزير الدفاع.

واتهمت الوزارة في بيان أصدرته، سليماني بأنه كان يعمل على تطوير خطط لمهاجمة الدبلوماسيين والموظفين الأمريكيين في العراق والمنطقة، وفور تأكيد مقتله قال عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، الديمقراطي كريس ميرفي، إن "سليماني كان عدوا للولايات المتحدة، وأضاف متسائلا، حول إمكانية أن يؤدي اغتيال سليماني، إلى اندلاع حرب إقليمية ضخمة محتملة.

ويعتبر اغتيال سليماني تغييراً في قواعد الاشتباك، حيث اتّخذت الولايات المتّحدة قرارها السياسي بقتل سليماني، وهو القيادي الإيراني الأبرز، ومدير عمليات إيران خارج حدودها.

مصادر إعلامية عدّة، أكّدت أن رحلة الجنرال الأخيرة كانت من دمشق، إلى بغداد فجر الجمعة، قبل أن تستقبله مع الوفد العسكري الرفيع الذي يرافقه صواريخ الموت الأميركية.

وحول ذلك أشار الباحث في الشأن السوري، صلاح ملكاوي، خلال حديث لـ "روزنة" إلى أن استهداف سليماني تم في بغداد وليس في بيروت أو دمشق، إنما يعود لعدة اعتبارات أولها كان لتحييد الملف اللبناني بخاصة في الوقت العصيب الذي تعيشه لبنان وإخراجها من أي تصعيد مستقبلي. 

ورأى أن عدم استهدافه في دمشق كان بسبب الحساسية مع الروس، فضلاً عن رغبة الجانب الأميركي بعدم الإخلال بالتوازن الموجود على الأرض السورية، "وكأن الأمريكان يقولوا أن عمليتنا فقط داخل الحدود العراقية؛ وقاموا بتحييد الأراضي السورية واللبنانية عن هذا الأمر". 

وتابع "لا بد الإشارة بأن الجغرافية العراقية لم تعد تحتمل الأمريكان والإيرانيين في نفس الوقت، ولا بد من خروج أحدهما، ويبدو أن سليماني كان يخطط من خلال أذرعه لإجبار أمريكا على الانسحاب من العراق… إيران بدأت تخسر العراق وإن هي ردت رداً حقيقياً فهذا يعني إعطاء ذريعة للامريكان باستهداف الأراضي الإيرانية بعمليات قصف، وهناك بنك أهداف موجود لدى واشنطن، وهذا قد يعطي أيضا ذريعة للشعب الإيراني للثورة ضد نظامه". 

كما استبعد ملكاوي أي رد حقيقي من قبل إيران، إلا أنه لم يستبعد حدوث عمليات "عشوائية وغير مخطط لها" من فصائل الحشد الشعبي العراقي "هذا لا يمكن التكهن به"، وأضاف بالقول: "الأمريكان حريصين جداً على حفظ التوازنات في سوريا، وعدم الإخلال بها وعدم الاحتكاك مع الروس، وإعطائهم مبرر للتدخل بالملف العراقي واللبناني".

و زاد بالقول "برأيي أن الملف السوري متفق عليه سواء باتفاقات أستانا أو سوتشي لم يبقى الكثير من الأراضي السورية خارج سيطرة دمشق، أنا أستبعد حدوث انعكاس مباشر بسبب مقتل سليماني على سوريا… إن مقتل سليماني قد يحرر بشار الأسد أكثر من ذي قبل، سليماني المتابع للملف السوري منذ 9 سنوات كان يشكل ضغطاً على القرار السوري، و بعد مقتل سليماني سيتحرر بشار الأسد من سطوة و قوة قرار سليماني عليه". 

 وبعد ساعات من مقتل سليماني دعا وزير الدفاع الإسرائيلي، نفتالي بينيت، قيادات عسكرية وأمنية لعقد اجتماع طارئ في مقر الوزارة بتل أبيب.

وذكرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية أن الاجتماع هدفه تقييم الوضع بعد مقتل سليماني، حيث سيشارك فيه رئيس هيئة الأركان، أفيف كوخافي، ومسؤولون أمنيون وصفتهم بـ "الكبار"، وقطع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو زيارته إلى اليونان واتجه إلى تل أبيب، بالتزامن مع إعلان الجيش الإسرائيلي "حالة التأهب" في المناطق الحدودية مع لبنان.

من جانبه أدان النظام السوري مقتل سليماني، حيث وصفه مصدر في وزارة الخارجية، بـ "العدوان الإجرامي الأمريكي الغادر"، معتبرا أن عملية الاغتيال "تشكل تصعيدًا خطيرًا للأوضاع في المنطقة"، وجدد النظام تحميل أمريكا المسؤولية عن حالة عدم الاستقرار في العراق، لافتا إلى أن عملية الاغتيال ستزيد من مقاومة التدخل الأمريكي في شؤون المنطقة.

ما تبعات عملية مقتل سليماني؟

المختص في الشؤون الإيرانية، علي عاطف، قال خلال حديثه لـ "روزنة" أن العلاقات بين واشنطن و طهران ستشهد خلال الفترة المقبلة تصعيدات غير مسبوقة، و ربما تقوم إيران وعناصرها في العراق باستهداف مصالح حيوية ومهمة للولايات المتحدة هناك. 

وأردف "من ناحية أخرى فإن الدعم الإيراني للميليشيات في سوريا و العراق واليمن وحتى لبنان ستشهد تخبط خلال الايام المقبلة بعد مقتل سليماني… سوف تحاول إيران إعادة تنظيم نفسها من جديد بعد سليماني وهو الذي كان المدبر الأساسي لجميع الميليشيات الموالية لإيران في المنطقة". 

وأكمل بأن "جميع المؤشرات تقول أن هناك تغيرا جذريا في العلاقات بين الولايات المتحدة و إيران خلال الأيام المقبلة، ومن الممكن أن تستهدف طهران مصالح حيوية لواشنطن في المنطقة، وأيضا أن تقوم في لبنان و سوريا بمحاولة الصدام والاشتباك مع قوات إسرائيلية على الحدود المشتركة بين البلدين… من الممكن أن نشهد تصرفا أحمقاً وغير مسؤولاً من النظام الإيراني بعد مقتل سليماني، المؤشرات جميعها تقول أن هناك أحداثا غير عادية ستجري وقد يكون العراق هو المسرح لها". 

من ناحيته لفت ملكاوي إلى أن عملية مقتل سليماني تأتي تنفيذاً لتهديد الرئيس الأميركي الذي كان وجّه لإيران تصريحاته الأخيرة بأنها ستدفع ثمناً باهظاً نتيجة اقتحام السفارة الامريكية وهو (ترامب) الذي كان شدد في تصريحه بأن كلامه تهديد وليس تحذير.

وأشار ملكاوي إلى أن توقيت عملية الاستهداف كان ذكياً جداً؛ وفق تعبيره، وهي التي جاءت في "الوقت الذي يثور فيه شيعة العراق قبل سُنتّه على التدخل الإيراني، إضافة لاستمرار المظاهرات في لبنان بشكل أو بآخر ضد سطوة حزب الله المؤتمر بأوامر إيران، وكذلك بعد عدة مظاهرات جرت في 29 محافظة إيرانية (مؤخراً)، وهي قد تشتعل في أي وقت". 

وختم بالقول "في الصيف الفائت لم يكن يستطيع الأمريكان تنفيذ مثل هكذا عملية حيث شاهدنا عدة عمليات إيرانية ضد سفن أميركية وإسقاط طائرة استطلاع أميركية، لم يكن الوقت مناسباً للقيام بمثل هكذا عملية... إذاً اختيار توقيت العملية جاء بشكل دقيق، تعيش فيه إيران أضعف أوقاتها بسبب سياسة الضغط الأقصى التي تمارسها واشنطن ضد طهران".

وجاء اغتيال سليماني بعد تصعيد حاد بين الولايات المتحدة من جهة، وإيران والفصائل المدعومة من قِبلها في العراق من جهة أخرى، في أعقاب مقتل مقاول عسكري أميركي في هجوم صاروخي على قاعدة أميركية في العراق، حمَّلت الولايات المتحدة إيران المسؤولية عنه، وردَّت الولايات المتحدة بهجوم جوي على فصائل حزب الله العراقي المدعومة من إيران، وهاجم أنصار الحزب السفارة الأمريكية في بغداد، على إثره.

وكان التوتر بين الولايات المتحدة وإيران قد تصاعد منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي بين إيران والقوى الدولية، الذي يستهدف كبح برنامج إيران النووي، ومنعها من تطوير أسلحة نووية، وكذلك إعادة الولايات المتحدة فرض عقوبات على إيران، ما أدى إلى تراجع اقتصادها.