صراع محموم في شرق الفرات… تنظيم "داعش" فزّاعة واشنطن وموسكو

صراع محموم في شرق الفرات… تنظيم "داعش" فزّاعة واشنطن وموسكو
صراع محموم في شرق الفرات… تنظيم "داعش" فزّاعة واشنطن وموسكو
reuters

تحليل سياسي | ٢٧ ديسمبر ٢٠١٩
أقل من كيلومتر واحد فقط هي المسافة التي تفصل بين تمركز القوات الأميركية ونظيرتها الروسية في مدينة القامشلي، في مشهد يكشف أن منطقة شرق الفرات السورية باتت عقدة الحل في الملف السوري. 

في المدينة التي صارت تقوم عليها قواعد عسكرية لأكبر قوتين دوليتين في العالم (روسيا والولايات المتحدة) وليس ببعيد عنها يبرز النفوذ التركي في مناطق تل أبيض ورأس العين (شمال القامشلي)، تبدو ملامح صراع النفوذ بين الجانبين الروسي والأميركي خلال الفترة المقبلة أنها آخذة في التوسع والتصعيد. 

في الخامس والعشرين من كانون الأول الجاري، وبحسب ما أفادت مصادر محلية في القامشلي لـ "روزنة" بحدوث عراك بالأيدي بين دوريتين إحداهما أميركية والأخرى روسية تلاقتا في المنطقة الممتدة  بين مطار القامشلي (القاعدة الروسية) وبين "قاعدة هيمو" الأميركية. 

ولا تقتصر المفارقة الغريبة من نوعها على حدوث العراك بين القوتين المتنازعتين على بسط سيطرتها في المنطقة هناك، وإنما تبرز المفارقة أكثر بأن استطاع احتواء الموقف ومنع انتقاله لمستوى الاشتباك الناري هي قوى الأمن الداخلي الكردية "الأسايش" التي كانت ترافق الدورية الروسية. حيث تخالف هذه الحادثة الادعاءات الأميركية والروسية بضرورة تواجد قواتها في المنطقة لضمان أمن المنطقة واستقرارها، وإنما تنذر بخطر تصادم قريب بين الطرفين. 

ولعل أولى ملامح التصعيد الذي يهدد استقرار المنطقة بعد العملية العسكرية التركية "نبع السلام" وتداعياتها، تجربة القوات الروسية منظومة دفاعها الجوي "بانتسير"، في ليلة السادس والعشرين من تشرين الثاني الماضي، بعد تمركزها في مطار القامشلي. 

اقرأ أيضاً: "حرب باردة" بين واشنطن و موسكو... والسبب شرقي الفرات؟

مصدر محلي أفاد لـ "روزنة" -آنذاك- بأن صوت الانفجار العنيف الذي هزّ مدينة القامشلي في تلك الليلة كان قادماً من مطار القامشلي، مؤكداً أن سبب الانفجار يعود إلى تجربة القوات الروسية منظومة "بانتسير". وهو الأمر الذي يعتبر نقطة البداية للتصعيد الذي سيؤجج الصراع بين القوات الروسية والأميركية التي عاودت انتشارها في "قاعدة هيمو" بعد انسحابها منها منتصف شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي. 

القوات الروسية كانت نقلت منتصف تشرين الثاني الماضي، عدد من مروحياتها التي كانت تستقر في قاعدة حميميم العسكرية التابعة لها في ريف اللاذقية إلى مطار القامشلي، وقالت وزارة الدفاع الروسية -آنذاك- أن المروحيات التي تم نقلها إلى مطار القامشلي هدفها تأمين عمل الشرطة العسكرية التي تقوم بدوريات بشمالي سوريا في إطار الاتفاق الروسي – التركي حول مناطق شمال شرقي سوريا المُوقّع بين الجانبين نهاية تشرين الأول الماضي في مدينة سوتشي الروسية.

وباتت تُشكّل منطقة شرق الفرات بالنسبة للملف السوري، عقدة بالغة الصعوبة عسكريا وسياسيا في المقام الرئيسي. ويُرجّح الصحفي الكردي السوري، أرين شيخموس، خلال حديث لـ "روزنة" بأنه ورغم وجود تحرش مقصود بين جنود أمريكان وروس، إلا أنه وعلى مستوى أعلى فهناك غرف تنسيق و خفض توتر بين القوات الأميركية والروسية، وتابع متسائلاً "كيف يُفهم مثلاً التداخل العسكري للجيشين الروسي والأميركي في مدينة كالقامشلي؛ فيها نقاط وقواعد ومطارات للروس والأمريكان في مسافات قريبة من بعضها". 

واعتبر أن أي قوات دولية كانت أم محلية تتواجد في مناطق شرق الفرات لن تؤثر سلبا بشكل كبير على مسألة الاستقرار؛ وفق تعبيره، وأضاف "إن قوات قسد والأساييش تستطيع رغم هذا التداخل العسكري الدولي الكبير أن توفر الأمن والاستقرار، المشكلة الوحيدة في منطقتنا هي فقط تركيا والقوات المتحالفة معها، هي خطر على الأمن والاستقرار والسلم الأهلي في منطقتنا".

"داعش" يعود؟

رغم إعلان النصر على تنظيم "داعش" الإرهابي في شرق الفرات منذ 9 شهور، إلا أنه على ما يبدو بدأ يستعيد نشاطه ويشتد عوده من جديد في ظل حالة الضعف الأمني التي باتت تعاني منها قوات سوريا الديمقراطية "قسد" بعد العملية العسكرية التركية التي أطلقتها ضد المنطقة، ما أدى لعودة نشاط التنظيم بشكل ملحوظ مؤخراً في ريف دير الزور سواء الذي تسيطر عليه "قسد" أو قوات النظام السوري. 

وقُتل 12 عشر شخصاً معظمهم مسلحون تابعون لقوات النظام من حراس حقل نفطي هاجمه التنظيم في ريف دير الزور الغربي، الأسبوع الماضي.

وكان التنظيم الإرهابي كثّف من هجماته ضد قوات النظام والقوات التابعة لإيران الإيرانية في دير الزور خلال الأسابيع الماضية، وخصوصا في منطقة البادية حيث ما تزال هناك جيوب متفرقة من عناصر التنظيم منتشرة في المنطقة وسط عجز من قوات النظام وحلفائها عن وضع حد لتواجد عناصر التنظيم وعملياته الخطيرة، في حين باتت عناصر دوريات داعش تظهر بين الحين والآخر في مناطق سيطرة "قسد" بدير الزور، دون حدوث عمليات أمنية تفضي إلى إنهاء بقايا التنظيم التي تؤشر التطورات إلى أن عودته قد تكون قريبة.

قد يهمك: خلافات روسية أميركية تؤجج الصراع في شرق الفرات؟ 

وفي الوقت الذي يعاود فيه التنظيم نشاطه في شرقي سوريا، نرى أن هناك صراعا بدأ يحتدم أكثر بين القوات الروسية  والأميركية في المنطقة، ويشير متابعون حول ذلك، إلى ما يتعلق باعتبار "داعش" باتت تمثل ورقة رابحة لكلا الطرفين في مساعيهم للبقاء في المنطقة إلى أجل غير مسمى، واستخدام التنظيم الإرهابي كفزاعة ضد أي مطالب تدعوهم للخروج وبناء مستقبل مستقر للمنطقة بعيدا عن التجاذبات والصراعات.

و كان أعلن مؤخرا؛ ​وزير الدفاع الأميركي​ ​مارك إسبر​، أن "​الولايات المتحدة​ ستبقى في سوريا ما دامت القوات المحلية غير قادرة على مواجهة تنظيم داعش الإرهابي".

مدير تحرير مجلة "الشرق الأوسط الديمقراطي"، صلاح الدين مسلم، اعتبر في حديث لـ "روزنة" أن ورقة داعش هي الورقة الشرعية الوحيدة التي بقيت كذريعة لدى وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" في بقائها في سوريا. 

وأضاف "لقد حاول الرئيس ترامب أن يخرج القوات الأميركية بحجة أنّ داعش قد انتهى، لكن الصراع بين البنتاغون والبيت الأبيض لم ينته في حل هذه المشكلة، ومن هنا قرر البنتاغون وأكد الرئيس ترامب البقاء في المناطق النفطية في سوريا… وهنا تكمن ذريعة البقاء في مناطق دير الزور الغنية بالنفط والغاز، وهذا ما حفّز روسيا على التركيز على نفس الذريعة الأميركية وهي ورقة داعش".

وختم بالقول "بالطبع لم ينته داعش في هذه المنطقة، وإن هزم عسكريا ولم يعد يمتلك زمام الأمور في المنطقة، لكن هناك أمر مهم، وهو قوات سوريا الديمقراطية التي تريد أن تصل إلى حل تمهيدي سياسي ناجع، في هذه المعمعة الداعشية، والحرب عليها، وتسابق النفوذين الأميركي والروسي على السيطرة".