مقايضة إدلب مقابل شرق الفرات… ما حقيقة ذلك؟

مقايضة إدلب مقابل شرق الفرات… ما حقيقة ذلك؟
مقايضة إدلب مقابل شرق الفرات… ما حقيقة ذلك؟
aa

تحليل سياسي | ١١ أكتوبر ٢٠١٩
 
على وقع عملية "نبع السلام" في شرق الفرات التي أطلقتها تركيا ضد القوات الكردية التي تسيطر على المنطقة هناك، وفي ظل موافقة روسيا على العملية التركية وتفّهم موسكو مخاوف أنقرة بخصوص أمن حدودها.


 باتت تُمثّل المعلومات المتناقلة مؤخراً بانسحاب المعارضة السورية من أربع مراكز مدن محافظة إدلب، احتمالاً قابلاً للتنفيذ ضمن مبدأ مقايضة شرق الفرات مقابل الطرق الدولية وضمان سيطرة روسيا على هذه المنطقة. 

وتفيد المعلومات بوجود اتفاق بالحروف الأولى بين أنقرة وموسكو تتمثل في أن تعمل المعارضة السورية على الانسحاب من أربع مراكز مدن في كل من جسر الشغور، أريحا، معرة النعمان، سراقب، من أجل ضمان سيطرة روسيّة على الطرق الدولية. 

فرضية التفاهم الروسي التركي حول هذا الوضع المرتقب حدوثه خلال الفترة القريبة المقبلة، تقوم على اتفاق تركي روسي بإفراغ المعارضة لمراكز المدن الأربعة؛ وكذلك دخول دوائر حكومة دمشق للعمل هناك مع رفع علمها، شريطة عدم دخول قواتها العسكرية والأمنية، و كذلك ضمن عدم تواجد فصائل المعارضة السورية في المنطقة ذاتها، مقابل أن تبقى المنطقة تحت إشراف تركي- روسي، إضافة إلى فتح الطرق الدولية.

أنباء الاتفاق الروسي-التركي المفترض تتزامن مع معلومات سرّبتها مصادر سورية معارضة تساهم في تسهيل إحداث بنود الاتفاق المشترك، وتشير المعلومات إلى عرض أنقرة عبر وسطاء على أبو محمد الجولاني زعيم "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً)؛ الانتقال إلى مسكن سري داخل تركيا، مع العشرات من قيادات مختارة للتنظيم، مقابل إصدار بيان عن مستقبل النصرة والعمل على دمج عناصرها السورية ضمن إطار "الجيش الوطني" المعارض، في حين تزعم المعلومات أن هذا الطرح يأتي في ظل ضغوط روسية وأميركية لإنهاء ملف النصرة، إلا أن هذه المعلومات والتي تفيد بأن المفاوضات لا تزال جارية وهي قيد البحث من الجولاني، لم تؤكدها أية مصادر تركية لـ "روزنة".

اقرأ أيضاً: ما خيارات أنقرة والمعارضة لحل معضلة الجهاديين في الشمال؟ 

رئيس المكتب السياسي في "لواء المعتصم"؛ مصطفى سيجري، قال في حديث سابق لـ "روزنة" أن المرحلة الحالية تتطلب بذل مزيد من الجهود باتجاه حل "جبهة النصرة" بشكل سلمي؛ ضمن اعتبار التعقيدات في المشهد بمدينة إدلب و ما حولها، وتداخلات الأطراف الدولية و الإقليمية.

ويشير القيادي في "الجيش الوطني" المعارض في الوقت ذاته؛ إلى مخافة الدخول في معارك استنزاف ضمن مسار إنهاء "جبهة النصرة" عسكرياً؛ والذي قد لن ينتهي بالمدة القصيرة وفق وصفه، على اعتبار أن آليات وصول الدعم للشخصيات المتنفذة داخل التنظيم ما تزال متاحة، معتبراً أن تلك الشخصيات تنفذ الأجندات الخارجية. 

وضمن تلك الاعتبارات وبناء على ما سبق ذكره يرى سيجري بأنه ما يزال هناك رغبة من أجل الدفع باتجاه مزيد من الخطوات نحو حل "النصرة" بشكل سلمي. 

وبالعودة إلى الاتفاق الروسي-التركي المفترض حول تسليم المدن الرئيسية ذات الصلة بالطرق الدولية، فإن الإشارات حول بروز هذا التوافق لم تكتمل بشكل نهائي ولا يمكن فيها فقط الإعتماد على القبول الروسي بفتح العملية التركية في شرق الفرات، إلا أن تداخلات مصالح الدول المتنفذة في الشأن السوري قد تفرض بحال من الأحوال تطبيق الاتفاق المتعلق بتسليم الطرق الدولية على الأرض وبشكل عملي خلال الفترة المقبلة؛ دون الإعلان عنه بشكل رسمي وواضح. 

المحلل العسكري والاستراتيجي؛ العميد الركن مصطفى الفرحات، قال خلال حديثه لـ "روزنة" أنه وفيما يتعلق لما يشاع حول وجود اتفاق روسي- تركي لتنفيذ تركيا منطقة آمنة على حدودها مقابل إطلاق اليد الروسية في إدلب، فإن الجانب التركي ينفي وجود أي ارتباط بما يخص عملية "نبع السلام" بأي أجندة  أخرى.

و اعتبر أن موضوع الطرق الدولية توجد إشارة له في مسار (أستانا-سوتشي)؛ مشيراً إلى أن ما عطّل التقدم الروسي باتجاه الطرق الدولية هم الأتراك أنفسهم الذين أكدوا أن الحل في الشمال السوري يجب أن يكون في إطار ترتيب الحل السوري الشامل. 

وتابع: "(الأتراك) مصيبين في هذا الطرح لأن الكثافة السكانية في الشمال السوري ستشكل مشكلة أو بالأحرى كارثة أمام أي أعمال قتالية شاملة؛ و قد تندفع جموع الناس نحو تركيا ومن ثم نحو أوربا، وقد شهد الشمال -مؤخراً- مظاهرات كبيرة وحشود جماهيرية تندد بالعدوان كما تندد بحلول الاستسلام".

كما لفت الفرحات إلى أن "أي عمل عسكري للنظام والروس سيوحد جميع البنادق للدفاع عن النفس والوجود ومنها بنادق الثوار والأحرار مع البنادق ذات الفكر الجهادي العابر للحدود ، ببساطة لأن الهجوم لن يميز عندها بين معتدل ومتشدد".

وأردف بالقول: "إضافة إلى عامل لا يقل أهمية وهو أن معركة إدلب لن تكون نزهة للمعتدين؛ لأننا أمام مقاتلين أشداء خبروا المعارك جيداً واستفادوا من الطبيعة الجغرافية للشمال السوري؛ والتي تساعد إلى حد كبير في التخفيف من فاعلية عمل الطيران، بالإضافة إلى التحصين الدفاعي الذي أقاموه، وفوق هذا وذاك هم يدافعون في معركة البقاء فلا إدلب بعد إدلب اليوم.. المقاتل في الشمال سيدافع عن نفسه وعن أبناءه وعن زوجته وهو يمتلك عقيدة قتال راسخة، في المقابل القوى التي ستهاجم هم مرتزقة يقاتلون من أجل المال ولايملكون عقيدة قتال وهم معتدون على الآخرين، وبالتالي الدخول في مستنقع الشمال دون ضمانات لحل عادل لقضية الشعب السوري؛ سيوحد كل مسلحي الشمال في وجه الخطر القادم". 

وختم حديثه منوهاً إلى أن "المجتمع الغربي عموماً ومعه الولايات المتحدة الأميركية يرفضون العمل العسكري الشامل في الشمال السوري، ولو كان بمقدور الروس والنظام اجتياح الشمال لما توانوا لحظة واحدة وهم الذين يتحدثون ليلاً ونهاراً عن سعيهم لعودة كل الجغرافية السورية إلى حضن الوطن (حضن بشار الأسد)".

قد يهمك: هل توسّع أنقرة عمليتها العسكرية في شرق الفرات؟

من جانبه اعتبر الكاتب والمحلل السياسي زياد المنجد خلال حديثه لـ "روزنة" أن العملية العسكرية التركية لم تنطلق دون موافقة الولايات المتحدة عليها، و خلافا للضجيج الإعلامي الذي نشاهده من خلال تصريحات روسية وايرانية منتقدة لها؛ وفق وصفه، وأضاف قائلا بأن: "الموافقة الروسية والإيرانية على العملية العسكرية التركية تحصيل حاصل، وما يجري في سوريا متفق عليه بين كل الأطراف الفاعلة في المشهد السوري". 

وزاد بالقول: "العملية العسكرية التركية بدأت لتحقيق ما تسميه تركيا المنطقة الآمنة وهذه الفكرة ليست وليدة الساعة بل طرحتها تركيا منذ سنوات، واجتماعات بوتين وأردوغان وروحاني متواصلة ومستمرة حول الشأن السوري، وحتما طرح أردوغان مسألة المنطقة الآمنة خلال هذه الاجتماعات وتم التوافق عليها؛ ويدل على ذلك بعض التصريحات الروسية والايرانية التي تبدي تفهمها للقلق التركي حول أمنها القومي".

وأشار المنجد إلى أن المسألة الكبيرة التي تواجه تركيا حالياً هي حماية أمنها القومي منوهاً بأنها "مسألة لم تكن في حسبان أردوغان في بداية الثورة السورية، ولكنه بدأ يشعر بأن أمنه القومي مهدد من خلال إعلان قسد ما سموه (روج آفا) في الشمال السوري، وهي في حال تحقيقها ستكون سابقة تشجع الأكراد الأتراك على تشكيل كيان انفصالي كردي في جنوب تركيا".

وختم بالقول: "إذا استطاع أردوغان تحقيق المنطقة الآمنة وزال الخطر الذي يستشعره من قوات سوريا الديمقراطية الإنفصالية؛ فبحسب رأيي سيتعاون أردوغان مع روسيا وإيران وكل الأطراف الفاعلة في المشهد السوري لتحقيق ما تريده روسيا وإيران في مناطق المعارضة؛ ليس من أجل السيطرة على الطرق الدولية فحسب بل حتى على المدن التي تسيطر عليها المعارضة". 

وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قال يوم أمس الخميس تعليقا على العملية التركية في سوريا، إن بلاده تتفهم قلق أنقرة لكن يجب تسوية الأمر "مع مراعاة مصالح دمشق".

وقال لافروف إن روسيا تشجع الحوار بين دمشق والحكومة التركية، مؤكدا في نفس الوقت على "وجوب تأسيس حوار بين دمشق والأكراد".

تصريحات لافروف التي يقرأ منها موافقة مباشرة ودعم كبير لأنقرة عبّرت عنه يوم أمس موسكو أيضاً برفضها تمرير بيان في مجلس الأمن الدولي يدين العملية التركية في شرق الفرات، وهو ما يزيد من احتمالات حدوث تطورات نوعية في ملف إدلب خلال الفترة المقبلة قد لا تكون عبر شن عملية عسكرية واسعة هناك، بخاصة بعدما ذكره مؤخراً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضمن تصريح لافت له في الـ 3 من الشهر الجاري؛ أكد من خلاله انتهاء الأعمال القتالية واسعة النطاق في سوريا، مشددا على ضرورة التركيز على العمل بالتسوية السياسية للأزمة في البلاد.