صفقات أميركية متناقضة في سوريا… ما مصير المنطقة الآمنة وإدلب؟

صفقات أميركية متناقضة في سوريا… ما مصير المنطقة الآمنة وإدلب؟
صفقات أميركية متناقضة في سوريا… ما مصير المنطقة الآمنة وإدلب؟
getty

تحليل سياسي | ٠١ أكتوبر ٢٠١٩

رغم تأكيد المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري؛ نهاية شهر تموز الفائت، أن السياسة الأميركية في سوريا لا تتسم بالتنافر والتعارض، إلا أن مواقف واشنطن حيال ملفات الشأن السوري تبقى تدور في دائرة التخبط والضبابية. 

و منذ إعلان اتفاق "المنطقة الآمنة" شمال شرق سوريا بين واشنطن وأنقرة (مطلع آب الماضي)، لا يزال هذا الملف يراوح في مكانه وما تزال مواقف واشنطن بعد هذا الاتفاق تضفي مزيداً من الضبابية على المشهد هناك، ورغم التهديدات التركية بشن عملية عسكرية في المنطقة ما لم تنتهي من كل متعلقات الاتفاق بشكل يرضيها، إلا أن واشنطن لم تبدي موقفا واضحا حيال ذلك؛ يكون من شأنه وقف أي خطر يتربص في المنطقة ويعمل على التهدئة من خلال إعلان نهائي واضح النقاط والتفاصيل، أو بأن تعلن واشنطن تعديلا مباشرا لشكل المنطقة الآمنة يؤكد على آلية إدارتها وعمق أراضيها. 

وفي شأن يتصل بالمنطقة ذاتها، أبدت واشنطن ترحيبها بتشكيل اللجنة الدستورية يوم الثلاثاء الفائت رغم غياب كلي  لمجلس سوريا الديمقراطية "مسد" و "الإدارة الذاتية" الكردية في المنطقة عن تشكيلة اللجنة الدستورية، بخاصة و أن "مسد" هي الذراع السياسي لقوات "قسد" حليفة واشنطن في محاربة "داعش"، وهو الأمر الذي أثار حفيظة "الإدارة الذاتية" التي أشارت في بيانها إلى أنها "غير معنية بأي مخرجات قد تصدر عن اللجنة الدستورية، من دون مشاركتها". 

و انتقد سكرتير حزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا "يكيتي" ترحيب الولايات المتحدة باللجنة الدستورية، وقال في تصريحات صحفية إن "سياسة واشنطن تجاه الأزمة السورية غامضة، وترحيبها باللجنة الدستورية يأتي فقط كاحترام لمكانة الأمين العام للأمم المتحدة، الذي أعلن شخصياً عن تشكيل هذه اللجنة".

وعلى مقلب آخر، وفي ظل التوترات الأميركية-التركية حول المنطقة الآمنة، إلا أنه وفي الوقت ذاته يبدو أن واشنطن سلّمت ملف إدلب إلى تركيا للتفاهم فيما بينها وروسيا (المتخالفة أساساّ مع الولايات المتحدة)، حيث تنسق كل من موسكو وأنقرة في إطار تفاهمات "أستانا".  

اقرأ أيضاً: "بازار سياسي" في الأمم المتحدة… والملف السوري ورقة رابحة؟

ويشي ما سلف ذكره أنه وفي ظل تواجد عسكري لواشنطن شمال شرق سوريا وعند الحدود السورية-العراقية في قاعدة التنف، إلا أنه لم تعد تتضح مهام وأهداف واشنطن المباشرة فيما تسعى إليه من تواجدها في الملف السوري، سواء أكانت تلك الأهداف تتعلق بضمان إيجاد عملية سياسية في سوريا، أو إخراج سائر القوات الإيرانية لكونها تمثل تهديدا لإسرائيل والسعودية، أو حتى من أجل ضمان هزيمة تنظيم "داعش" الإرهابي بشكل دائم، بحسب تصريحات جيفري خلال مشاركته في منتدى أمني أميركي في تموز الماضي. 

الباحث في مركز "عمران" للدراسات الاستراتيجية؛ أيمن الدسوقي، رأى خلال حديث لـ "روزنة" أن الإدارة الأمريكية تنتهج سياسات تبدو متناقضة أو غير متكاملة تجاه سوريا، معتبراً أن "الأمثلة كثيرة في هذا الصدد، حيث سبق لها أن أعلنت عبر مسؤوليها رفضها للجنة الدستورية وأن الوقت قد حان لتجاوزها، لتعود وترحب بها و بالجهود الأممية لحل الأزمة السورية". 

وتابع في هذا السياق: "أعتقد بأن ما سبق يعود إلى عدم تبلور استراتيجية أمريكية متكاملة تجاه سوريا أو غيابها إن جاز التعبير، ولعل ما يسهم بذلك بشكل أساسي أسلوب ترامب في إدارة السياسة الخارجية واعتماده مبدأ "الإدارة بالصفقة"؛ بما يعطيه مرونة أكثر على عقد اتفاقيات، وتخفيف الكلف الناجمة عن فصل الملفات المتشابكة، والتعامل مع مصالح اللاعبين بشكل منفصل عن بعضها، وتحقيق أهداف متعددة".

وزاد بالقول أن الإدارة الأميركية تلجأ إلى عقد صفقات منفصلة في سوريا لتحقيق أهداف صنفتها على أنها استراتيجية كاحتواء إيران والقضاء على خطر تنظيم "داعش" والحيلولة دون عودته، والدفع باتجاه حل سياسي للأزمة السورية. 

وختم حديثه مرجحاً بأن الإدارة الأميركية ما تزال غير مستعدة بعد - أو- لا ترغب بحل للأزمة السورية وملفاتها المستعصية، "كأنها تريد من هذه الصفقات المتناقضة بما تتضمنه من مواقف وأدوات، الحفاظ على فاعلية سياسية بالحد الأدنى للملف السوري، ريثما تتأكد أنها استنزفته بالقدر الذي يمكنها من عقد تفاهمات واتفاقيات مع الفاعلين الأساسين في الأزمة السورية وفق مصالحها، كذلك ترتيب شؤون المنطقة وفق قواعد جديدة".

قد يهمك: روسيا تخشى من "حرب درونات" مقبلة في سوريا… ما هي الأسباب؟

بدوره أشار الباحث والمحلل السياسي المختص في السياسات الأميركية جو معكرون؛ في حديث لـ "روزنة"، إلى معاناة واضحة داخل إدارة ترامب تتمثل في تخبط  إعلانها عن مواقفها تجاه الملف السوري.

واعتبر معكرون أن أحد أسباب ذلك يعود إلى وجود ترامب كرئيس أميركي ليست لديه صورة واضحة حيال سياسات واشنطن الخارجية، مما يؤدي إلى أن تكون السياسة الخارجية نتاج صراعات داخل فريق ترامب، منوهاً بأن كل هذه المعطيات تعقد الموقف الأمريكي وتجعله ضبابيا تجاه الملف السوري.

بينما أشارت الأكاديمية والباحثة السياسية من واشنطن، مرح البقاعي، خلال حديث سابق لـ "روزنة" أشارت إلى أن "ما لا يعرفه البعض عن السياسة الأميركية، وبسبب قربي منها واشتغالي عليها على مدى عقدين ونيف من الزمن، أريد أن أوضح بأن القرار السياسي الأميركي يتمتع بديناميكية عالية وقدرة على التكيّف وإعادة البناء والهيكلة تبعاً للمقتضيات التي تمليها المصلحة الوطنية الأميركية أولاً، والهدف الذي من أجله يصاغ القرار السياسي".

 وكانت صفحة السفارة الأميركية في دمشق على "فيسبوك" (المغلقة منذ عام 2012) نقلت يوم أمس الإثنين، عن المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري؛ مطالبته جامعة الدول العربية التصدي لأية جهود ترمي لإعادة دمشق إلى الجامعة قبل الوفاء بالمعايير المحددة في قرار مجلس الأمن الدولي رقم "2254". 

وقال جيفري أن أية محاولة للترحيب "بعضوية النظام السوري مرة أخرى في جامعة الدول العربية أو استئناف العلاقات معه؛ من شأنها أن تقوض جهودنا الجماعية الرامية للتحرك نحو التوصل إلى حل دائم وسلمي وسياسي للصراع الدائر في سوريا"، وأضاف: "سوف تستمر العزلة الدولية المفروضة على (النظام السوري) حتى يكف عن شن هجماته الوحشية على السوريين الأبرياء، ويتخذ خطوات ذات مصداقية لتهدئة العنف وتمهيد الطريق أمام التوصل إلى حل سياسي".