هل يُمهّد التصعيد الأميركي ضد أنقرة تشكيل تحالف ثلاثي في سوريا؟

هل يُمهّد التصعيد الأميركي ضد أنقرة تشكيل تحالف ثلاثي في سوريا؟
هل يُمهّد التصعيد الأميركي ضد أنقرة تشكيل تحالف ثلاثي في سوريا؟
middle-east-online

تحليل سياسي | ١٩ يوليو ٢٠١٩
 
 بعد إعلان الولايات المتحدة إخراج تركيا من البرنامج المشترك لصناعة المقاتلة الأميركية " F35" إثر إصرار أنقرة على إتمام صفقة منظومة " s400" الروسية. 

باتت تشير بعض التقارير أن عقوبات اقتصادية قد تكون هي الخطوة المقبلة المتوقع صدورها من قبل واشنطن على أنقرة، و قررت الولايات المتحدة يوم الأربعاء إخراج تركيا من البرنامج المشترك لصناعة المقاتلة F-35، حيث أوضح البيت الأبيض في بيان دوافع القرار الأخير، مشيرا إلى أن منظومة "أس-400" التي اشترتها تركيا تسمح للاستخبارات الروسية بالحصول على معلومات حول قدرات "F-35" المتطورة.

وعقب صدور البيان، عقد البنتاغون مؤتمرا صحفيا يشرح فيه تفاصيل القرار، تحدث فيه كل من وكيلي وزارة الدفاع الأميركية، إلين لورد، وديفيد تراختنبرغ، بحسب موقع "ديفنس نيوز".

وقالت لورد خلال المؤتمر "لا يمكن لتركيا إنشاء منصة روسية استخباراتية لجمع المعلومات، بالقرب من مكان تواجد مقاتلات F-35 والبرنامج الخاص بها."

وأضافت وكيلة وزارة الدفاع أن "قدرا كبيرا من قوة "F-35" يكمن في قدراتها الشبحية، لذلك فإن القدرة على رصد هذه القدرات يعرض أمن برنامج "F-35" للخطر على المدى الطويل، نحن نسعى فقط لحماية أمن البرنامج على المدى الطويل".

وتعتبر هذه التطورات أنها قد تحمل الكثير من التبعات السلبية فيما يخص بعلاقات البلدين المشتركة وبالتحديد حول الملف السوري سواء في المنطقة الآمنة أو ما يتعلق بمخاوف تركيا على أمنها القومي. 

المحلل و الباحث السياسي التركي؛ فوزي ذاكر أوغلو، قال خلال حديث لـ "روزنة" أن الولايات المتحدة ليس من صالحها تنفيذ عقوبات اقتصادية أو عسكرية كبيرة على تركيا، معتبرا أن ذلك سيدفع تركيا تجاه روسيا ما يعني أن الولايات المتحدة ستخسر حليفا هاما في المنطقة؛ وفق قوله.

وأضاف: "تركيا لم تخرج من برنامج تصنيع المقاتلة "F- 35" بعد، لكن هناك طلب من البنتاغون بهذا الشأن بالإضافة إلى طلب الكونغرس بإيقاف صفقة بيع هذه الطائرات لتركيا أو إلغائها، وهذا أيضا إن حصل، سيجعل الولايات المتحدة تخسر مرتين، أولها خسارة طرف يصنع قطع هامة وغير قابلة للتصنيع من قبل طرف آخر في مدة قصيرة، وكذلك خسارة صفقة بمليارات الدولارات مقابل بيعها للطائرات، كما سيؤدي إلى اتجاه أنقرة نحو مصدر آخر لشراء طائرات مماثلة؛ وأفضل خيار ممكن هو روسيا".

وأردف: "إن حصل هذا، فسيعني أن إدارة ترامب ستقع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه إدارة أوباما؛ والذي سبق أن انتقده ترامب".

اقرأ أيضاً: بوادر تصعيد متزايد ضد إيران بعد محاولتها نقل النفط إلى سوريا

من جانبه استبعد المحلل السياسي؛ د. زكريا ملاحفجي إمكانية امتلاك تركيا منظومة دفاع جوي متطورة روسية، مع منظومة طائرات حربية متطورة مثل "F-35 " في وقت واحد.
إلا أنه رأى في الوقت ذاته بأن هذه التطورات ما هي إلا تفصيل صغير في علاقة تاريخية استراتيجية الأبعاد بين تركيا والناتو، وكذلك بين تركيا والولايات المتحدة.

وأضاف حول ذلك: "توجد قواعد ومخازن أسلحة أميركية على الأراضي التركية والنظام العسكري منسجم مع الناتو، وما أعتقده أن حجم التعاون الأميركي التركي قد يخف في الأيام المقبلة، وربما تكون هناك مزيد من الضغوطات الاقتصادية على تركيا، لكن الأمور لن تصل إلى القطيعة". 
 
كما رجح ملاحفجي باهتمام وحرص واشنطن وحلف الناتو على دور  تركيا  الطبيعي في الحلف، باعتبار أن تخليهم عن تركيا هو خط أحمر استراتيجي سيدفع بها إلى التحالف مع  روسيا، وتابع: "ستراعي جميع عقوبات واشنطن  ألا تدفع تركيا إلى الانتقال من الشراكة الى التحالف مع روسيا".

تحالف ثلاثي يُقرّب أنقرة من دمشق؟

ارتفاع حدة التوتر بين أنقرة واشنطن تفتح باب للتساؤل حول احتمالات تقرب تركيا بشكل أكبر إلى روسيا ومنها إلى إيران انطلاقا من توافقات مسار أستانا، ما يدفع للتقدير أن ملامح حلف ثلاثي بين الدول الضامنة لأستانا قد تكون أوضح و بعلاقات أوثق خلال الفترة المقبلة كرد فعل قد يؤسس لتوجهات جديدة ومختلفة تؤثر على المنطقة وسوريا بالأخص.

كذلك لا يمكن استبعاد احتمال تقارب عن طريق التحالف الثلاثي ما بين دمشق و أنقرة، أو حتى أن يصل هذا التحالف بالتفاهمات التركية الروسية حول منطقة إدلب نحو مراحل متقدمة تفضي إلى اتفاق نهائي قد يجنب المنطقة صراع عسكري مفتوح.

وحول ذلك رأى ملاحفجي أن "دول أستانا لا تزال تقوم على التكتيك وليس الاستراتيجي، وربما بين روسيا وتركيا صورة تحالف أكثر منها مع إيران"، و بينما استبعد عودة أي علاقة بين أنقرة ودمشق، اعتبر أن التفاهمات بين تركيا وروسيا حول إدلب كانت متعثرة بين سعي موسكو للتقدم وسعي أنقرة لتثبيت نقاط خفض التصعيد. 

وختم بالقول: "لقد فشل الروس فشلا ذريعا في ذلك، فهم يقومون بحرب ولكن لا يستطيعون انجاز سلم أو حل بمفردهم مالم يكون هناك إشراف أمريكي وانسجام إقليمي وعربي". 

من جانبه اعتبر المحلل السياسي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط؛ محمد صالح الفتيح خلال حديثه لـ "روزنة" أن العلاقات التركية الأميركية اتخذت مساراً من الانحدار بشكل واضح في السنوات الأخيرة من ولاية الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، حيث أرجع ذلك إلى نتيجة مجموعة من التباينات حول الملفات الإقليمية، وعلى رأسها الملف السوري.

وتابع بالقول: "يمكن وضع هذه الخلافات تحت عنوان تأثيرات تراجع الانخراط الأميركي في منطقة الشرق الأوسط. ومع تراجع هذا الانخراط، بات حلفاء الولايات المتحدة يشعرون بالخيبة نتيجة تراجع الدور الأميركي والتزام واشنطن نوعاً من الحياد أو التدخل المحدود جاء مناقضاً لما اعتادت عليه المنطقة، خصوصاً حلفاء واشنطن. ومن ناحية أخرى، باتت الإدارة الأميركية تتوقع المزيد من حلفائها في المنطقة الذين اعتادوا على الاعتماد عليها".
و أردف: "الخلافات التركية الأميركية بمجملها هي خلافات حول توقعات الطرفين من بعضهما البعض، وكذلك شعور تركيا أنها تواجه منفردة الضغط الروسي في سوريا. في ظل هذا الوضع وجدت تركيا نفسها مفتقدة لأوراق الضغط. هنا مثلت صفقة S-400 خياراً يسمح لتركيا بموازنة العلاقات بين كل من الولايات المتحدة وروسيا. إذ وجدت واشنطن نفسها، خصوصاً في عهد ترامب، على وشك أن تخسر حليفاً رئيسياً في المنطقة لصالح روسيا، فضلاً عن الشرخ الذي بدأ يصيب حلف الناتو". 

واعتبر الفتيح بأن العلاقات مع واشنطن ضرورية لعدة ملفات أخرى حيوية بالنسبة لأنقرة؛ سواء على صعيد ملف غاز شرق المتوسط الذي لا مصلحة لموسكو بأن تحصل أنقرة على حصة منه في حين تعتبر واشنطن أنه من المفيد تنويع مصادر الغاز الأوروبي ويشكل هذا هدفاً استراتيجياً رئيسياً.

وأضاف: "كذلك فإن التزام أنقرة بالعقوبات الأميركية على طهران يشير أيضاً إلى عدم وجود استراتيجية تركية تسعى إلى إعادة التموضع أو التحالف مع أعداء الولايات المتحدة. كما يبقى الملف الاقتصادي الهم التركي الرئيسي والولايات المتحدة، والمؤسسات المالية الغربية هي الوحيدة القادرة على انتشال تركيا. وإذا ما قامت الإدارة الأميركية بتفعيل العقوبات وفق قانون "CAASTA" فسيصبح من المتعذر على المؤسسات التركية الحصول على التمويل الغربي".

وحول إمكانات عقد حلف ثلاثي بين الدول الضامنة لأستانا؛ رأى الفتيح بأن العلاقات بين الدول الثلاث لا تزال صامدة نتيجة تلاقي المصالح على المدى القصير فيما تبقى الرؤية الاستراتيجية الطويلة الأمد هي التنافس وسط وجود نظرة مشوبة بالريبة، خصوصاً بين روسيا وتركيا وروسيا وإيران.

واعتبر  مسار أستانا لم ينجح حتى الآن سوى بالحفاظ على نوع من "الستاتيكو" في الملف السوري وكانت معظم اللقاءات، خصوصاً منذ الصيف الماضي، توحي وكأن هذه التوافقات على وشك الانهيار.
 
وتابع: "من المرجح استمرار التوافقات في مسار أستانا، إلا أنه من المستبعد أن تقود هذه التوافقات إلى أكثر من هذه اللقاءات على المسار القصير الأمد، خصوصاً مع استمرار الأزمة الإيرانية بالتفاعل".

و أما عن احتمالات التقارب بين أنقرة و دمشق؛ فقد استبعد الفتيح تحسنها على المدى المنظور، وأشار موضحاً بقوله إلى أنه و "مع افتقار دمشق لأي ورقة ضغط أو مساومة مع أنقرة تسمح بتحسن هذه العلاقات، واستبعاد حصول تغييرات في مسار الحل السياسي السوري بالمقدار الذي ترغب به تركيا، (فإنه) لا يوجد مجال كبير للتلاقي أو التعاون بين الطرفين، فيما ستبقى المكاسب التركية شرق وغرب الفرات رهينة العلاقات التركية الأميركية والتركية الروسية، وأما ما يخص ملف إدلب، فإنه قد يكون الآن أكبر العقد الباقية في الحرب السورية؛ فالحل العسكري أو السياسي لملف إدلب غير ممكن من دون تفاهم وتعاون روسي تركي". 
 
 
وفي سياق آخر ذي صلة؛ فإن موسكو ومع ارتفاع حدة التوتر في المنطقة بدت وكأنها تعمل على رسم معالم هذا التحالف وإن لم يكن معلناً؛ من خلال تصريحات مسؤوليها التي أبدوا فيها مؤخراً دفاعا عن كل من أنقرة وطهران. 

التصريحات الروسية جاءت على لسان المتحدثة باسم وزارة الخارجية؛ ماريا زاخاروفا، والتي جددت تحذير موسكو من مخاطر سيناريو استخدام القوة العسكرية ضد إيران، وسط تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران.

قد يهمك: واشنطن تزيد من ضغوطها السياسية على دمشق.. هل تستمر العقوبات؟

وفي تصريحات لإذاعة "كومسومولسكايا برافدا"، الثلاثاء الفائت، قالت زاخاروفا: "التنبؤ بنتائج سيناريو استخدام القوة (ضد إيران) بات سهلا حتى بالنسبة لمن ليس خبيرا في هذه الأمور، فقد شاهدنا، خلال العقد الأخير من الزمن، أمثالا عدة متتالية على ذلك، وعلما أن المنطقة لم تتجاوز بعد تبعات الأحداث في ليبيا وسوريا واليمن، فمن الواضح أن يؤدي تطبيق السيناريو العسكري هذا مع إيران إلى انهيار".

وأشارت زاخاروفا إلى أن المجتمع الدولي لم يجد حتى الآن طريقا لإعادة الاستقرار إلى الوضع في منطقة الشرق الأوسط، وأردفت أن "جولة التصعيد الحالية تفزع الجميع، وأنا أقصد الدول الكبرى ومنظمة الأمم المتحدة".

بينما أكدت زاخاروفا موقف بلادها الرافض للعقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على تركيا بسبب أعمال التنقيب التي تنفذها شرق المتوسط، في المنطقة التي تعتبر خاصة بجمهورية قبرص، حيث صادق المجلس الأوروبي، في الـ 15 من تموز الجاري، على حزمة من العقوبات ضد تركيا على خلفية أعمال التنقيب.
 
 
وقالت زاخاروفا يوم الأربعاء، تعليقا على ذلك: "هذه القضية بالطبع تخص تركيا والاتحاد الأوروبي، لكننا ننطلق من أن الضغط عبر العقوبات بالتأكيد ليس من ترسانة الدبلوماسية، على الرغم من أنه أصبح للأسف عاملا في العلاقات الدولية الحديثة. ومثل هذه الآليات، يجب ألا تشكل أساسا للسياسة الدولية".

وتابعت: "كل ذلك يؤدي إلى تبعات محزنة جدا. نحن مضطرون إلى تأكيد حقيقة أن هذا الأمر يعد جزءا من الأمر الواقع اليوم، لكن القيام بذلك بصورة أحادية الجانب ليس قانونيا".