تركيا بين واشنطن و موسكو.. علاقات متناقضة في الملف السوري

تركيا بين واشنطن و موسكو.. علاقات متناقضة في الملف السوري
تركيا بين واشنطن و موسكو.. علاقات متناقضة في الملف السوري
RT

تحليل سياسي |١٤ يونيو ٢٠١٩

برزت العديد من التطورات المختلفة المؤثرة على الملف السوري أو المتداخلة معه خلال الفترة الحالية، والتي تندرج في سياق العلاقات المتناقضة بين تركيا من ناحية والولايات المتحدة وروسيا من ناحية أخرى.

و لعل أبرز تلك التطورات تأتي فيما يتعلق بما أعلنه اليوم وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو حيال استمرار التصعيد العسكري في الشمال السوري، حيث قال في تصريحات صحافية بأن أنقرة لا تقبل زعم روسيا بالعجز عن التأثير على النظام السوري.

حديث الوزير التركي يأتي بعدما أعلنت روسيا عن هدنة في كامل أراضي منطقة إدلب لخفض التصعيد؛ يوم الأربعاء، حيث أعلن رئيس المركز الروسي للمصالحة، اللواء فكتور كوبتشيشين، بأنه و"بمبادرة من الجانب الروسي وتحت رعاية روسيا وتركيا، تم التوصل إلى اتفاق ينص على الوقف التام لإطلاق النار في كامل أراضي منطقة إدلب لخفض التصعيد، اعتبارا من منتصف ليلة الـ12 من (حزيران) 2019".

ورغم تلك الهدنة إلا أن قوات النظام استهدفت فجر الخميس، نقطة المراقبة التركية في شير مغار (ريف حماة)، بعد ساعات قليلة فقط من المزاعم الروسية حول التوصل إلى الهدنة المعلن عنها من قبل روسيا و التي ادعت أنه تم التوصل إليها برعاية مشتركة مع تركيا.
 
 
وكالة "رويترز" نقلت في هذا السياق عن مصدر في وزارة الدفاع التركية تؤكد من خلاله تعرض النقطة التركية لهجوم بواسطة 35 قذيفة هاون استهدف نقطة المراقبة التركية رقم 10 في منطقة خفض التصعيد بإدلب؛ وتشير إلى أن الهجوم نفذ بشكل متعمد من قبل النظام السوري حسب تقديراتها.

وزير الخارجية التركي علّق على ذلك يوم أمس بأن أنقرة تعتقد بأن تلك الهجمات متعمدة، مؤكداً بأن تركيا ستقوم بما يلزم في حال استمرت الهجمات ضد نقاط المراقبة التركية.


اقرأ أيضاً: سعي أميركي لاستمالة روسيا... ما تأثير ذلك على الملف السوري؟


ورغم التصعيد الأخير الذي لا يمكن إخلاء مسؤولية روسيا عنها؛ ما تزال أنقرة مصرة على إتمام صفقة منظومة الدفاع الجوي الروسية "اس-400" رغم معارضة الولايات المتحدة لذلك، هذا الإصرار أكده كل من الرئيس التركي ووزير خارجيته في مناسبات مختلفة، حيث قال وزير الخارجية التركي اليوم الجمعة لن تتراجع إطلاقا عن امتلاك المنظومة الروسية؛ بحسب وكالة "الأناضول" التركية.
 
 
تصريحات تشاووش أوغلو تتماهى مع تأكيدات الرئيس التركي التي أعلن عنها يوم الأربعاء حينما قال أن بلاده ستتسلم منظومة "اس-400" الشهر المقبل، مضيفا أن بلاده وقعت الصفقة مع روسيا بعد "الحصول على تعهد بالإنتاج المشترك إلى جانب سعرها المناسب".

التناقض الحاصل بين عزم تركيا على ضمان استلامها المنظومة الدفاعية من الجانب الروسي، رغم عدم التفاهم الروسي التركي حول ملف إدلب، فسّره المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية؛ د.نصر فروان خلال حديثه لـ "روزنة" مرجعاً ذلك إلى طبيعة وشكل التناقض في العلاقات الدولية.


وأضاف حول ذلك: "في العلاقات الدولية هناك نوعان من التناقضات؛ تناقضات ثانوية وتناقضات أساسية، فالعلاقة بين الأطراف الثلاثة روسيا وتركيا وإيران هي تناقضات ثانوية وبين هذه الدول مجتمعة من ناحية والولايات المتحدة الأمريكية هي علاقة تناقض أساسي، بمعنى (أن) هذه الدول الثلاث هي في خندق واحد أمام الخطة الإستراتيجية الأميركية والتي تهدف إلى إجراء تغييرات جوهرية في النظامين السياسيين التركي والإيراني والهيمنة عليها لتشكيل حاجز أمام المد الروسي".

ولفت إلى أن كل من تركيا وروسيا تحاولان الالتفاف على الخطة الأميركية، فتركيا تحاول أن تضغط وتهدد أميركا بتعميق علاقتها مع روسيا وهي تعلم تماما أن أميركا لا تستطيع أن تستغني عنها.

وتابع: "(كذلك) فإن تركيا لا تستطيع أن تستغني عن الولايات المتحدة؛ وبنفس الوقت (موسكو) تحاول أن توفق أوضاعها مع إسرائيل على أمل أن تخفف من حدة التناقض مع (واشنطن)".

وما يجدر ذكره في هذا السياق؛ ما كشفته مواقع إلكترونية تركية متخصصة في متابعة حركة السفن، عن دخول سفينتين حربيتين روسيتين إلى مياه البحر الأبيض المتوسط، أمس الخميس، في طريقهما إلى سواحل سوريا.

وذكرت المواقع أن سفينتي الإنزال الكبيرتين، "سيزار كونيكوف" و"آزوف" عبرتا مضيقي البسفور والدردنيل متجهتين نحو ميناء طرطوس السوري، مشيرة إلى أن غاطس السفينتين يدل على أنهما محملتين بشحنات ثقيلة.


قد يهمك: ما مصير العلاقات التركية-الروسية... هل ينهار التفاهم حول سوريا؟


ويدعو هذا التحرك الروسي للتساؤل حول المهام التي أرسلت من أجلها هذه السفن؛ بالتوازي مع تواصل التوتر الروسي التركي حول الوضع الميداني في إدلب؛ وذلك في الوقت الذي تتحدث فيه روسيا عن ضرورة حماية محيط قاعدة "حميميم" العسكرية بعد أن تم استهدافها مرات عديدة مؤخراً بعد التصعيد العسكري على الشمال السوري.

و كانت مواقع إلكترونية غربية أشارت إلى أن طائرات النقل الثقيلة الروسية من نوع "آن-124 روسلان" و"إل-76"؛ نفذت ما لا يقل عن 14 رحلة إلى قاعدة حميميم خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة.

ما الذي يضبط التوتر الأميركي-التركي؟

وعلى جانب العلاقات التركية-الأميركية التي شهدت تحسناً ملحوظاً إزاء الملف السوري؛ بعدما أكد مؤخراً المبعوث الرئاسي الأميركي إلى سوريا؛ جيمس جيفري؛ أن كل من واشنطن وأنقرة تستكملان بحث عدة ملفات مشتركة حول سوريا؛ مؤكداً أن الملف السوري ورؤى الطرفين المختلفة حول بعض مسائله هي بمعزل عن باقي الملفات المشتركة لدى الجانبين؛ والتي هي فعلا باتت توتراً في الآونة الأخيرة.

تصريحات جيفري أكدتها تصرفات واشنطن الأخيرة والتي أعلن عنها مسؤولان أمريكيان بأن الولايات المتحدة قررت عدم قبول المزيد من الطيارين الأتراك كان من المقرر استقبالهم في الولايات المتحدة للتدريب على المقاتلات إف-35، وذلك في مؤشر واضح على تصاعد الخلاف بخصوص اعتزام أنقرة شراء دفاعات جوية روسية.


اقرأ أيضاً: مسؤول أميركي يؤكد اقتراب توقيع ميثاق سوري جديد يمهد للانتقال السياسي


ودخلت تركيا والولايات المتحدة، الشريكتان في حلف شمال الأطلسي، في نزاع معلن منذ شهور بسبب طلبية تركية لشراء منظومة "إس-400" الروسية؛ التي ترى فيها واشنطن تهديدا لمقاتلات "إف-35" الأميركية وتعتزم تركيا شرائها أيضا.
 
 
وفي السياق ذاته شدد القائم بأعمال وزير الدفاع الأمريكي؛ باتريك شاناهان في رسالة لنظيره التركي، خلوصي أكار، على الوقف الفوري لأي تدريب جديد لطيارين أتراك على مقاتلات إف-35، و أعطت الولايات المتحدة مهلة لتركيا حتى نهاية شهر تموز المقبل، للتخلي عن شراء صفقة كبيرة من المنظومة الروسية.

في حين قالت وكيلة وزارة الدفاع الأمريكية، ألين لورد: "إذا لم تلغ تركيا بحلول 31 تموز شراء نظام إس-400، سيتوقف تدريب الطيارين الأتراك في الولايات المتحدة على طائرات إف-35(الشبح)، وستلغى الاتفاقات مع الشركات التركية المتعاقد معها لتصنيع أجزاء الطائرة الحربية إف-35".

ولا تشي هذه التوترات التي تتصاعد شيئاً فشيئاً بين واشنطن وأنقرة بأنها ستبقى بمعزل عن محادثات البلدين حول الملف السوري، كما أنه لا يستبعد أن يتأثر هذا الملف بشكل واضح خلال الشهر المقبل؛ خاصة وأن روسيا التي على الرغم من بروز خلافاتها مع تركيا مؤخراً؛ إلا أنها تسعى لاستعادة تركيا إلى جانبها بشكل أوثق وأعمق من باقي مراحل تطور علاقاتهما.

الصحفي والكاتب التركي حمزة تكين قال حول طبيعة التوترات التركية الأمريكية خلال حديث لـ "روزنة" أن مسألة المنظومة الروسية "اس-400 " لم تعد قضية عادية بين واشنطن وأنقرة، لافتاً بأن أنقرة أصبحت متمسكة أكثر بهذه الصفقة مع موسكو لاعتبارات عدة.

وأضاف بأن أول هذه الاعتبارات هي أن  تركيا تريد هذه الصفقة والتي من خلالها تريد أن توصل رسالة بأنها أصبحت اليوم دولة مستقلة بقرارها السياسي والعسكري والاستراتيجي، وبأنها تأخذ أي قرار حول أي قضية في العالم إن كان يخصها بشكل مباشر أو غير مباشر؛ بشكل مستقل ومنفصل عن رغبات الولايات المتحدة الأميركية.

وأشار إلى أن التصريحات اليومية من قبل المسؤولين الأتراك تؤكد عدم الرجوع عن اتفاق أنقرة مع موسكو  مضيفاً بالقول: "تركيا بحاجة لهذه المنظومة الدفاعية، وهي ليست مجرد زبون لهذه المنظومة؛ بل هي شريك في عملية تصنيعها في المستقبل".

واعتبر تكين أن هذه الصفقة هي صفقة استراتيجية للجانب التركي، مستبعداً أن تتراجع تركيا عنها، وأضاف بالقول: بأن " الأمر المريب هو إصرار الولايات المتحدة على ثني تركيا عن شراء المنظومة الدفاعية وتصنيعها، فالولايات المتحدة لا تريد أن تبيع تركيا المنظومة الدفاعية الجوية الأمريكية "الباتريوت"، وهو امر يثير مخاوف المسؤولين الأتراك".

وفيما يخص صفقة طائرات "اف-35" بين أنقرة وواشنطن، قال الكاتب التركي بأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تلغي هذه الصفقة؛ من مبدأ الالتزام بالاتفاقيات الموقعة والتي يجب الالتزام بها؛ وفق قوله.

وأضاف: "تركيا ليس مجرد زبون هي دولة  مشاركة بتصنيع هذه الطائرة الحربية وهي ليست مجرد سوق استهلاكي لها، والولايات المتحدة ستكون هي الخاسر الأكبر في حال اتخذت أي قرار غير مسؤول في هذا السياق".
 
 
وحول إيقاف تدريب الطيارين الأتراك في ولاية أريزونا الأميركية؛ قال تكين "هنا نرى ضعف الموقف  الأمريكي في هذه النقطة، فلو كانت الولايات المتحدة جادة ولديها ورقة قوية ضد تركيا في هذا السياق كانت اوقفت تدريب جميع  الطيارين الأتراك، لكن هي أوقفت تدريب الطيارين الاحتياطين فقط ، وما حصل الآن ربما يكون مجرد رسالة إنذار".

وأردف قائلا :" الموقف التركي هو الموقف الأقوى فيما يتعلق بصفقة "اس-400" وستفعل ما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط المتوتر أمنيا والذي قد يواجه حرب هوجاء في أي لحظة، وليس لتركيا خيار سوى أن تمتلك سلاحا  ثقيلا، أو على الأقل سلاحاً دفاعياً يحمي أراضيها".

اقرأ المزيد