هل تصنع رفات "الجاسوس كوهين" اتفاقية سلام مع إسرائيل؟

هل تصنع رفات "الجاسوس كوهين" اتفاقية سلام مع إسرائيل؟
هل تصنع رفات "الجاسوس كوهين" اتفاقية سلام مع إسرائيل؟
yekiti-media

تحليل سياسي | ١٦ أبريل ٢٠١٩

لا يزال مصدر خبر تسليم رفات الجاسوس إيلي كوهين إلى إسرائيل؛ مجرد تكهنات واجتهادات صحفية، حيث لم تصدر أية تأكيدات موثوقة أو من مصادر حكومية سواء من قبل موسكو أو دمشق او حتى تل أبيب.

وكانت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية نشرت يوم أمس، إدعاء بأن الوفد الروسي الذي زار سوريا مؤخرا، غادر وهو يحمل تابوتا يضم رفات الجاسوس الإسرائيلي، إيلي كوهين، الذي أُعدم في دمشق سنة 1965.

ولم تنف أي مؤسسة في إسرائيل، بشكل رسمي، ما ورد بشأن نقل رفات الجاسوس،  وقال مراسل القناة الثانية للتلفزيون الاسرائيلي، يارون أفراهام، "إن النشر بشأن القضية لم يعد ممنوعا في الوقت الحالي".

وكان الجاسوس كوهين حوكم وأعدم شنقا بتهمة التجسس في سوريا بعد أن نجح في اختراق أعلى مستويات النظام السوري، ولم تستجب سوريا، إلى طلبات إسرائيلية على مر السنين بإعادة رفات كوهين لـ "أسباب إنسانية"، وفي 2004 وجه الرئيس الإسرائيلي في ذلك الوقت موشيه كتساف، نداء آنذاك إلى بشار الأسد عبر موفدين فرنسيين وألمان ومن الأمم المتحدة.

اقرأ أيضاً:خط أحمر إيراني تجاوزه ترامب.. هل بدأت طهران تستشعر الخطر من "إسرائيل"؟

هذا ويأتي الحديث عن احتمالية استعادة رفات الجاسوس الإسرائيلي، بعد أن سلّمت روسيا مؤخراً رفات الجندي الإسرائيلي؛ زخاري باومل، الذي كان مدفوناً في سوريا، بعدما كان قد شارك في الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، حيث أعلن فقده إلى جانب جنديين آخرين في معركة السلطان يعقوب في لبنان.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، أن قوات روسية خاصة في سوريا عثرت على رفات الجندي الإسرائيلي.

وفي كلمة خلال محادثات مع نتنياهو في موسكو، مطلع الشهر الجاري؛ نقلت وكالات أنباء روسية عن بوتين قوله إن مهمة العثور على رفات الجندي كانت شاقة، ونسب إليه القول "حدد جنودنا مع الشركاء السوريين مكان مرقده الأخير، نحن سعداء للغاية لأنهم سيتمكنون من منحه التكريم العسكري اللازم في وطنه".

وقد اعتبر مراقبون أن استعادة رفات الجاسوس الإسرائيلي "كوهين"، فيما لو تمت فإنها ستندرج ضمن سياق الهدايا غير الاستثنائية التي يتلقاها نتنياهو بحفاوة سواء من روسيا أو حتى من الولايات المتحدة وهي التي كان رئيسها قد أعلن الشهر الفائت بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل.

جثة كوهين في حفرة؟

الباحث السوري؛ محمد منير الفقير، اعتبر أن خبر قرب تسليم رفات الجاسوس الإسرائيلي "كوهين" غير صحيح؛ على اعتبار عدم وجود أية تأكيدات يؤخذ بها، فضلاً عن أن جثة كوهين وفق الفقير قد رميت في حفرة في مكان غير محدد بين دمشق والسويداء قبل ٥٤ عاماً، مضيفاً بأن من رمى الجثة في الستينات ( وهو ضابط في الأمن السوري) لم يترك أي أثر يدل على الحفرة، وقد توفي منذ عدة سنوات.

و رأى الفقير في حديث لـ "راديو روزنة" أن النظام آخر من قد يكون صاحب القرار في قضية نقل رفات الجاسوس الإسرائيلي، وأضاف: "لو كان (النظام) صاحب القرار؛ كان قد سلّم الرفات في استحقاقات أهم، مثل الصفقة التي تمت مع حزب الله في تبادل الأسرى، أو حتى في اتفاق فصل القوات عام 1974".

وتابع الباحث السوري حديثه بالقول: "بعد 54 سنة كيف يستطيع النظام أن يُغيّب رفات جاسوس إسرائيلي،  بقدراته و بفساده، هذا الموضوع غير منطقي".

من جانبه اعتقد الباحث في الشؤون الإسرائيلية؛ د.عبد الله صوالحة، خلال حديث لـ "راديو روزنة" أن يكون يكون خبر تسليم رفات كوهين صحيحاً؛ ورجّح بناء على ما تسرب بأن تتم عملية التسليم قريبا، إلا أنه اعتبر في الوقت ذاته بأنه من الضروري الانتظار؛ كي تصدر تقارير مؤكدة تأتي من مصادر إسرائيلية حكومية.

وربطاً بين خبر رفات كوهين، وتسليم رفات الجندي الإسرائيلي زخاري باومل؛ مؤخراً، اعتبر صوالحة أن تسليم رفات الجندي جاء من خلال العلاقة والتنسيق الروسي الإسرائيلي المشترك بخصوص الملف السوري، وأضاف: "التعاون بين إسرائيل وروسيا فيما يتعلق بالأوضاع في سوريا؛ هو تعاون استراتيجي ولايمكن بأي حال من الأحوال أن يتوقف هذا التعاون".

عقد صفقة سلام.. ماذا عن إيران؟

الباحث في الشؤون الإسرائيلية اعتبر خلال حديثه لـ "راديو روزنة" أثناء حديثه حول معضلة التواجد الإيراني في سوريا والتفاهمات الروسية-الإسرائيلية حول هذا الملف، اعتبر بوجود تفاهمات روسية إسرائيلية حول ذلك، مضيفاً بالقول: "و بالتالي فإن أيادي إسرائيل طليقة في سوريا فيما يتعلق بمواجهة النفوذ الإيراني وهذا متفق عليه في روسيا، فإذا كانت قواعد الجيش السوري تحوي إيرانيين فأعتقد أن إسرائيل لديها الضوء الأخضر الروسي لقصف هذه الأهداف".

بينما أشار صوالحة في سياق مواز إلى أن موضوع اعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية الجولان  ليس بالأمر الجديد فهو حسب تعبيره "(أمر) مطروح على جدول أعمال الإدارة الأميركية منذ سنتين؛ إلا أن الظروف السياسية لم تكن مناسبة (للبت فيه)".

قد يهمك:رشاوي بالجملة يقدمها بوتين لـ نتنياهو.. ما هي الصفقة؟

وأضاف "أنا أيضاً ضد اعتبار أن اعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان هو هدية لنتنياهو قبل الانتخابات الاسرائيلية، فمع انتهاء الانتخابات يمكن القول؛ أن الناخب الإسرائيلي صوت لأسباب عدة بعيدة عن هذه الهدايا، منها قوة اليمين و ضعف المنافسين".

الباحث السوري؛ محمد منير الفقير، رجّح خلال حديثه لـ "روزنة" عدة احتملات لتفسير تسليم رفات الجاسوس الإسرائيلي، معتبراً بأن موضوع التسليم قد يأتي كإغلاق لملفات عالقة، فالجانب الإسرائيلي خلال الفترة وفق تعبيره يُصّفي حساباته مع النظام؛ تمهيدا و إيذانا لمرحلة جديدة.

وأضاف حول ذلك بالقول: "سيتم اغلاق الملفات؛ إما لانهاء دور النظام من قبل روسيا، أو أن يكون ذلك مقدمة كبادرة حسن نية للانطلاق لدعم النظام و لشرعنة النظام وأتوقع أن يكون هذا الاحتمال وارد أكثر".

وختم قائلاً: "لو دخل النظام في عملية سلام حقيقية فإن ذلك قد يكون من شأنه أن يخرجه من عزلته الدولية، بحيث يتم شرعنة النظام دوليا لإطلاق عملية سلام مع إسرائيل، وليكون ثمنها من سينقذ بشار الأسد وسحبه من حضن إيران ودفعه أكثر باتجاه روسيا وإسرائيل، وليُقدم الأسد كصانع سلام مع إسرائيل ليعزز شرعيته المهدورة سياسيا على المستوى الدولي".

من هو إيلي كوهين؟

ولد كوهين، في مدينة الإسكندرية بمصر في 26 كانون الأول عام 1924 باسم "إلياهو بن شاؤول كوهين"، من أسرة هاجرت إلى مصر من مدينة حلب شمالي سوريا، التحق في طفولته بمدارس دينية يهودية، ثم درس الهندسة في جامعة القاهرة، ولكنه لم يكمل تعليمه، بيد أنه أجاد اللغات العبرية والعربية والفرنسية بطلاقة.

وانضم للحركة الصهيونية وهو في العشرين من عمره، كما التحق حينها بشبكة تجسس إسرائيلية بمصر بزعامة أبراهام دار، المعروف بـ "جون دارلنغ"، وذلك قبل أن يغادر مصر نهائيا عام 1957، وبعد وصوله إلى إسرائيل عمل في البداية في ترجمة الصحافة العربية للعبرية ثم التحق بجهاز المخابرات الإسرائيلة "الموساد".


تم إعداد قصة مختلقة له لزرعه لاحقا في سوريا، فذهب للأرجنتين عام 1961 باعتباره سوري مسلم اسمه كامل أمين ثابت، وقد نجح هناك في بناء سمعة كرجل أعمال ناجح متحمس لوطنه الأم سوريا، وفي بيونس آيرس توثقت صداقته بالملحق العسكري بالسفارة السورية العقيد أمين الحافظ، الذي أصبح رئيسا للجمهورية السورية لاحقا.

اقرأ أيضاً:إسرائيليون من أصول سوريّة ينتخبون نتنياهو!

وانتقل كوهين لدمشق عام 1962، حيث وصلت علاقاته لأعلى المستويات، وخاصة بين كبار ضباط الجيش ورجال السياسة حتى أصبح المستشار الأول لوزير الدفاع السوري، واقترب كثيرا من منصب وزير الدفاع، حسب تقارير إعلامية.

وتشير التقارير إلى أن كوهين أمد إسرائيل بمعلومات بالغة السرية، فيما قللت دمشق من المعلومات التي كشفها عن ترسانة الأسلحة السورية.

وتضاربت الأنباء بشأن اكتشاف أمر كوهين، فبعض التقارير أشارت إلى أن المخابرات المصرية هي التي كشفته بفضل الجاسوس المصري الشهير رفعت الجمال "المعروف دراميا باسم رأفت الهجان"، وذلك بعد أن رأى الأخير صورة لكوهين بلباس مدني مع مجموعة من الضباط السوريين، وتذكر أنه كان مسجونا معه في مصر، فسارع إلى إبلاغ قيادته، التي بدورتها أوصلت الأمر إلى السلطات السورية.

ألقي القبض بعد ذلك على كوهين، وبعد انتهاء التحقيق مع كل من عرفهم، بدأت محاكمتهم أمام المحكمة العسكرية الاستثنائية وصدرت الأحكام ببراءة 33 متهماً، والإعدام على كوهين، وحاولت الكثير من الشخصيات الأوربية التوسط لتخفيف حكم الإعدام عن الجاسوس، دون جدوى، وتم إعدامه صباح يوم 19 مايو 1965.