رؤية فرنسية للحل في سوريا.. هل توافق واشنطن عليها؟

رؤية فرنسية للحل في سوريا.. هل توافق واشنطن عليها؟
رؤية فرنسية للحل في سوريا.. هل توافق واشنطن عليها؟
sputnik

تحليل سياسي | ٠٥ مارس ٢٠١٩

منذ أواخر تشرين الأول الماضي، سجلت الدبلوماسية الفرنسية آخر حضور لها في العام الفائت، حينما شارك الرئيس الفرنسي في القمة الرباعية التي أقيمت في اسطنبول، وجمعته مع نظرائه في تركيا وروسيا وألمانيا.

حيث أكدت القمة الرباعية حول سوريا آنذاك، على ضرورة الحل السياسي في البلاد، وشددت على دعمها للاتفاق الروسي – التركي حول إدلب.

وليتأثر بعدها الملف السوري بتبعات إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سحب قوات بلادها من سوريا، ما جعل الحضور الفرنسي مركزاً على مسألة مستقبل منطقة شرق الفرات، بالتزامن مع انتهاء ولاية المبعوث الدولي السابق إلى سوريا؛ ستيفان دي ميستورا، وتأخر بدء أعمال المبعوث الجديد؛ غير بيدرسن.


إلا أن الدبلوماسية الفرنسية سجلت حضورها من جديد ضمن إطار العملية السياسية من أجل سوريا، حينما أفادت صحيفة الشرق الأوسط في تقرير لها يوم الأحد، أن اتصالات جرت بين باريس وموسكو لإعادة تفعيل المسار السياسي السوري عبر التخلي عن  كتابة دستور جديد والانطلاق من الدستور القائم، والعمل على تعديل 5 أو 6 نقاط خلافية فيه.

وتشمل النقاط بحسب المقترح الفرنسي "صلاحيات الرئيس الموسعة واستقلالية القضاء وبعض مؤسسات الدولة والعلاقة مع المؤسسات الأمنية"، وأشارت المصادر الفرنسية بأن تشكيل لجنة دستورية من 150 عضواً يناط بها مهمة كتابة دستور جديد؛ ليتم إقراره لاحقاً وتجري على أساسه انتخابات، سيكون مسألة "بالغة التعقيد".


اقرأ أيضاً:ما علاقة الانسحاب الأميركي بتقسيم سوريا؟

كما لفتت المصادر وفق تقرير الشرق الأوسط، إلى أن التعديلات الدستورية وفق المقترح الفرنسي؛ "يجب أن يتم التفاوض عليها برعاية دولية للوصول إلى دستور معدل، بدل اضاعة الوقت في صياغة دستور جديد، مضيفة بأن المرحلة اللاحقة، يكون عنوانها "التوجه إلى انتخابات جديدة نزيهة تشرف عليها الأمم المتحدة التي تملك الخبرة في هذا المجال".

وكشفت المصادر الفرنسية أن المقترح الذي يعني التخلي عن جهود إقامة لجنة دستورية نقل إلى الرئيس فلاديمير بوتين، الذي نقله بدوره إلى بشار الأسد.
وبحسب باريس، فإن الأسد "وافق عليه شرط اقتصار الانتخابات على الداخل السوري"، ما يعني أنه "يريد أن يتأكد سلفاً من أنه سيتم انتخابه مجدداً" في عملية ستوفر له شرعية جديدة.

لا جديد في الموقف الفرنسي!

وكان وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، قال في تصريحات صحفية؛ شهر كانون الثاني الماضي، أن باريس حدّدت شروط بقاء بشار الأسد في السلطة، حيث تكون قائمة على "عملية انتخابية تُحترم أو تتم بشفافية".

وأشار وزير الخارجية الفرنسي آنذاك إلى أنه: "إذا ترشح الأسد؛ فالسوريون هم من يقررون مستقبلهم، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا من خلال عملية انتخابية وتعديل الدستور، ويجب أن يصوت جميع السوريين ليختاروا ممثلهم".

ومن خلال جزئية التصريح الوزاري الفرنسي هنا؛ يستدل على أن الرؤية الفرنسية باتت تسعى لها باريس بشكل معلن، مما يشي برغبة فرنسية في تسلم دفة إدارة الملف السياسي، وعدم تركه لموسكو.

ولا يعتبر طرح المقترح الفرنسي بالأمر الغريب فهو يجسد ما يمكن اعتباره تسلسلا في نهج تسعى له باريس لـ "حلحلة" الملف السوري، من خلال كبح جماح النفوذ التركي الآخذ في التوسع؛ من ناحية، وكذلك فرض رؤيتها التي تعتبرها مناسبة على السيطرة الروسية، إلا أن ما قد يقف عائقا أمام السير في هذه العملية؛ هو مدى موافقة واشنطن على ما تطرحه باريس.

قد يهمك:ما احتمالات تشكيل تحالف فرنسي-سعودي في شرق الفرات؟

كذلك لا يمكن استبعاد أن تكون باريس قد طرحت مقترحها بعد تنسيق مشترك أوروبي-أميركي، فالرؤية الأميركية تجاه سوريا وعلى الرغم من عدم وضوحها، إلا ان موقف واشنطن تجاه بقاء الأسد في السلطة، لا يختلف عما تعلن عنه باريس.

لذلك فكل من باريس وواشنطن تتلاقيان في أهمية التوجه للانتخابات من أجل تحديد مستقبل السلطة، فعلى الرغم من متابعة واشنطن لعملية التفاوض على تشكيل اللجنة الدستورية؛ إلا أن واشنطن لم تسلم نهائيا بأهمية تشكيل اللجنة الدستورية، فهي تصر على مسار جنيف الذي تعول عليه من خلال ولاية المبعوث الدولي الجديد على إعادة ترتيب أولويات العملية السياسية.

وكان المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري، قد أعلن منتصف كانون الأول الماضي، أن بلاده لا تسعى إلى التخلص من رئيس النظام السوري بشار الأسد، مشيراً بأن على النظام السوري أن يوافق على "تسوية" إذ إنه لم يحقق انتصارا تاما بعد سبع سنوات من الحرب؛ "في ظل وجود مئة ألف مسلح مناهض لنظامه على الأراضي السورية".
    
مضيفاً بالقول: "نريد أن نرى نظاما مختلفا جوهريا، وأنا لا أتحدث عن تغيير النظام. نحن لا نحاول التخلّص من الأسد".

المقترح الميت؟

و من باريس؛ أفاد الكاتب والباحث السياسي في العلاقات الدولية؛ طارق وهبي، خلال حديثه لـ "روزنة" أن المقترح الفرنسي-الروسي ما هو إلا محاولة " فاشلة" للإطاحة بالمقترح الدولي للأمم المتحدة تحت واقعية سياسية لجس النبض السوري؛ وبالتحديد النظام، لأن المعارضة السورية أصبحت شبه شبح لا يُعرف ما تريد؛ بحسب وصفه، مستثنياً منها "بعض التيارات الإسلامية التي لا تريد أن تسمع بأي مقترح".

وتابع وهبي حديثه حول المقترح بالإشارة إلى أن الفرنسيون يحاولون عبر خبرتهم وبالتحديد باليمن؛ فتح بعض جوانب دبلوماسيتهم لإيصال فكرة للنظام السوري بأن يقبل بذلك لأن فيه مصلحتها، ليتدخل بعد ذلك الجانب الروسي لإقناع الأسد أن الطرح قابل للنقاش.

فيما اعتبر أن المقترح "ولد ميتاً"، معللا ذلك بأن الأسد لا يريد أن يسمع من قوى "كانت تعاديه" والآن باتت حاضرة "لإعانته".

وأضاف: "لا يجب أن نبتعد أيضاً أن جزء مالي مهم من مؤتمر "سيدر" لإنقاذ الاقتصاد اللبناني الذي عقد في باريس وبحضور أوروبي وعربي ودولي؛ سيوجه إلى اللاجئين السوريين وهذا يفضله الأسد على أن يرجعوا ويقوم هو بإعانتهم؛ وهو يعرف أنهم تركوا سوريا جرّاء ما (قامت) وتقوم به قواته حتى اللحظة".

الباحث في العلاقات الدولية؛ رأى أن الأسد مطمئن حيال مسألة إعادة انتخابه مرة أخرى؛ طالما لا يزال النظام قادر على ضبط كل العمليات الاستخبارية لمعرفة من و أين وكيف سيقمع كل من لا يوافقه الرأي.

واعتبر وهبي أن الذين يعتقدون بأن الأسد سيقبل بكل ما يطرح عليه بشرط أن توافق الأطراف المعنية على أن ينتخب وفقاً لديمقراطيته الداخلية؛ "سيتفاجئ" وفق رأيه، وذلك لأن الأسد يستطيع هو ونظامه اقتراف أمور أخرى قد تلغي أو تأخر اَي عملية لها علاقة بالتغير الدستوري أو التطوير للدستور الحالي؛ حسب تعبيره.

وتابع مضيفاً: "سوريا دخلت مرحلة تثبيت حدود جديدة للأطراف المتنازعة، وسنرى إلى أي مدى ستدعم القوى الإقليمية هذه الخارطة الجديدة، وللأسف الشعب السوري غير قادر على تحمّل أكثر من ذلك".

اقرأ أيضاً:ما الذي ينتظر الملف السوري بعد مؤتمر وارسو؟

بينما نوه وهبي خلال حديثه لـ "روزنة" إلى أن القوى الإقليمية ليست معنية بالدستور السوري؛ وإنما معنية أكثر بالمكاسب على الأرض السورية، مشيراً بالقول: "تركيا تريد الحفاظ على إدلب لمراقبة الباقي من الإسلاميين ومحاولة الزج بهم ضد النظام، وإيران تسعى لتعميق التواجد الطائفي الشيعي عبر شراء أراضي والتشيُّع؛ ولا أعتقد أنها بأولوياتها؛ رغم أن لها مصلحة في أية محاصصة للحكم لاحقاً إذا طرح في الدستور نوع من المواد التي تبحث عن تمثيل الأقليات السورية؛ وهنا تستطيع إيران أن تضغط على النظام السوري الدخول على الخط الدستوري".

وتابع مردفاً: "روسيا لا تحاول أن تضغط على النظام لأنها تعلم أن هناك أمور أهم لها؛ ألا وهي ضمان الأمن للقوات الروسية والعمل مع بعض الضباط السوريين كرجال ارتباط تعتمد عليهم؛ وليس على الساسة السوريين الذين ليس لهم اَي ارتباط بالعمليات العسكرية والاستخباراتية، و الرئيس بوتين كان صريحاً مع الرئيسين أردوغان وروحاني؛ أن أولويته هي أمن القوات الروسية وإستراتيجية الحضور العسكري الروسي، بينما تتنازع كل من إيران وتركيا على مكاسب جغرافية".

يشار إلى أنه في أواخر آب 2018 قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خطابه السنوي أمام السفراء الفرنسيين: "لم أجعل يوما من عزل بشار الأسد شرطا مسبقا لعملنا الدبلوماسي أو الإنساني في سوريا، فإنني في المقابل أعتقد أن مثل هذا السيناريو سيكون خطأ فادحا".

وقال وقتها "من الذي تسبب بآلاف اللاجئين هؤلاء؟ من الذي ارتكب مجازر بحق شعبه؟ لا يعود لفرنسا ولا لأي دولة أخرى أن تعيّن قادة سوريا في المستقبل، لكن من واجبنا ومن مصلحتنا أن نتثبت من أن الشعب السوري سيكون فعلا في وضع يسمح له بذلك".

كما يجدر التنويه إلى أن باريس سبق و أن قامت بتعيين ممثل خاص جديد؛ للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، و المكلف بالملف السوري فرانسوا سينيمو، في نهاية آب 2017، إلا أنه قد عين في هذا المنصب من قِبل مجلس الوزراء الفرنسي المنعقد في 27 حزيران الماضي.

وصدر قرار التعيين في المجلة الرسمية الفرنسية يوم 28 من الشهر ذاته، وحول ذلك كان قد أشار المتحدث باسم الحكومة الفرنسية بنجامين غريفو، أن سينيمو يحمل أيضا صفة سفير فرنسا في سوريا، إلا أنه أكد في الوقت ذاته آنذاك بأن القرار لا يعني إعادة فتح السفارة الفرنسية في دمشق والتي كان الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي قد أمر بإغلاقها في شهر آذار عام 2012.

اقرأ المزيد