ما الرسائل السياسية التي قرأها الأسد في خطاب المجالس المحلية؟

ما الرسائل السياسية التي قرأها الأسد في خطاب المجالس المحلية؟
ما الرسائل السياسية التي قرأها الأسد في خطاب المجالس المحلية؟
ultrasawt

تحليل سياسي | ١٩ فبراير ٢٠١٩
 
حمل خطاب رئيس النظام السوري، يوم الأحد الفائت، رسائل عديدة تجاه قضايا مختلفة وإن كانت سياسية بالمقام الأول، لكنها أبدت في طياتها بأن النظام لا جديد في سياساته إزاء الأزمة السورية وتداعياتها.

فعلى صعيد أولى ملفات العملية السياسية، قال بشار الأسد أن الدستور السوري "غير خاضع للمساومة"، معتبراً أن "مستقبل سوريا يقرره حصراً السوريون، ومرحبٌ بدور الأمم المتحدة إذا كان مستنداً إلى ميثاقها".

وادعى الأسد أن "الدول المعادية ما زالت مصرة على عدوانها؛ وعرقلة أي عملية خاصة إذا كانت جدية مثل سوتشي وأستانا"، مضيفاً أنه "لن نسمح للدول المعادية أن تحقق عبر عملائها الذين يحملون الجنسية السورية أياً من أهدافها".

ويجري الحديث عن قرب تشكيل اللجنة الدستورية التي من المقرر أن تضع دستوريا جديداً لسوريا، وتضم ممثلين عن النظام السوري، والمعارضة، وممثلين عن المجتمع المدني.
وقال المبعوث الأممي الخاص لسوريا غير بيدرسن؛ يوم السبت الفائت، إن تشكيل اللجنة الدستورية لم يتم الاتفاق عليه بعد، لكن هذه العملية سجلت تقدما ملموسا حتى الآن.

اقرأ أيضاً:النظام يقر بمصالح استراتيجية لـ إيران و روسيا.. ما أسباب ذلك؟

وحول ذلك أشار الباحث في مركز عمران للدراسات؛ ساشا العلو، في حديث لـ "راديو روزنة" إلى أن الأسد أبان في خطابه الاستهزاء إلى "جنيف" حيث اعتبره غير ذي فائدة ولم يأتِ بأي نتيجة، وفي الوقت ذاته أشاد بمساريّ "أستانا" و"سوتشي"، معتبراً أنهما "أديا فائدة واحدة، وهي كشف أقنعة العملاء من المعارضة" وضبط مطالب مشغليهم، في إشارة إلى عدم الاعتراف بالطرف الثاني من التفاوض بعد ثماني سنوات، وأن العملية التفاوضية إن تمت فستكون مع "مشغلي المعارضة" من الدول وليس معهم، وهي ذات العبارات التي يرددها رئيس وفده الجعفري في كل جولة تفاوضية.

واعتبر العلو خلال حديثه لـ "روزنة" أن كلام الأسد ليس بجديد في هذا الإطار؛ إلا أنه يعتبر شهادة إضافية بكارثية مسار "أستانا" على المعارضة، وتأكيده على الاستمرار بنسف أي جهد تفاوضي وأي نتائج تم التوصل إليها أو سيتم التوصل إليها، وعلى رأسها اتفاق الهدنة في منطقة "خفض التصعيد" الرابعة والتي تتعرض لانتهاكات يومية من قبل النظام عبر القصف.

من جانبه اعتبر الكاتب والمعارض السوري د. راتب شعبو، خلال حديث لـ "راديو روزنة" أن خطاب الأسد هو خطاب الحرب المستمرة؛ حيث يبرز من خلاله الإنكار المستمر لأسباب الكارثة السورية و مماهاة الذات مع الوطنية والصواب، فضلا عن إدعاء حضور مستمر لخطر خارجي يكون السبب لكل الأزمات؛ بما في ذلك أزمة وجود المعارضة نفسها التي لا يراها الأسد سوى عميلة وخائنة بـ "الجملة وبالمفرق".

وأضاف بالقول: "لا يتردد الأسد، بعد كل ما جرى، بالقول "أن الحرب كانت بيننا نحن السوريين وبين الإرهاب حصراً" فكل من عارضه كان إرهابياً، الحقيقة أنه لا أمل يرجى، لا رسائل جديدة في الخطاب، هي نفسها رسائل التمزيق وزرع الكراهية ورعاية الأحقاد ضد أصحاب المواقف المخالفة، وأيضاً التحريض على التمييز بين من حمل البندقية ومن لم يحملها، حين يدعو الخطاب إلى "مبدأ العدالة الذي يميز وطنيا بين من التحق بالجيش وحمل السلاح وبين من تهرب من واجبه في الدفاع عن الوطن فلا يمكن أن نساوي بين الحالتين".

ولفت شعبو بالقول إلى أن منطق الأسد لم يكن في أي يوم منطق رئيس دولة؛ بقدر ما تعني الدولة مؤسسة عامة لخدمة الشعب، مضيفاً: "اليوم أكثر من أي يوم آخر، يمكن القول إن الأسد هو رئيس الانقسامات السورية، وممثل التصدع السوري، وهو في كلامه يصون هذه الانقسامات وهذا التصدع".

هل يتخلى النظام عن اللجنة الدستورية؟

ورأى العلو أن جزئية خطاب الأسد المتعلقة بالعملية السياسية؛ عكست وجهة نظر النظام بشكلٍ علني من العمليات التفاوضية، بكونها مجرد مضيعة للوقت، وبخاصة اللجنة الدستورية، والتي اعتبرها لا تمثل السوريين  بعد عام على التفاوض بين عدة دول وأطراف مختلفة على إعداد قوائم أسمائها، حينما قسّم الأسد أعضاء اللجنة الدستورية إلى فئتين، الأولى: تُعبر عن وجهة نظر الحكومة، ولكنها ليست حكومية، أي أنها لا تمثل الحكومة رسمياً، وهذه إشارة خطيرة لكون مخرجاتها المتوقعة غير مُلزمة للنظام، وفق رأي العلو.

أما الفئة الثانية كانت في خطاب الأسد تعبّر عن "وجهة نظر تركيا ومجموعة عملاء سوريين"، حيث اختصر الأسد الفئتين بعبارة: (طرف وطني وطرف عميل)، وهو بذلك لا يعترف باللجنة الدستورية أساساً ولا بأي مُخرج لها.

وأضاف العلو بالقول حول ذلك: "هذه اللجنة التي لا تزال بعض قوى المعارضة تعوّل على جدواها، ومنهم من يعتبرها مدخلاً للحل السياسي، ولا تبدو رؤية الأسد للعملية التفاوضية ومسارتها مختلفة عن ذي قبل، وإنما ذات الدبلوماسية القائمة على الإغراق بالتفاصيل وكسب الوقت واستثمار تلك المسارات كأدوات للتعويم وكسر بعض العزلة الإقليمية والدولية وإعادة فتح قنوات التنسيق مع بعض القوى، دون تقديم أي تنازل، وبالتالي إفراغها من أي مضمون حقيقي وحرفها عن غاياتها الرئيسية".

قد يهمك:هل يستطيع النظام "الالتفاف" على عقوبات قانون قيصر؟

وقد أكد الأسد في أكثر من موضع من خطابه على رفض تشكيل لجنة لصياغة دستور من الخارج وأن "الدستور خط أحمر لا يمكن أن تتم صياغته وفرضه من الخارج عن طريق عملاء من السوريين".

وأشار الأسد إلى أنه "لا حوار بين طرف وطني وآخر عميل.. من حمى الوطن هو صمود الشعب واحتضانه للجيش العربي السوري.. والحوار المبني على الحقائق يميز بين صاحب المشكلة الحقيقية وبين الانتهازي"، ولفت إلى أن "الحوار ضروري.. لكن هناك فرق بين طروحات تخلق حواراً وأخرى تخلق انقساماً ويجب التركيز على الأشياء المشتركة الجامعة".

بينما اعتبر الباحث ساشا العلو؛ خلال حديثه لـ "روزنة"، أن خطاب الأسد يوم الأحد الفائت لا يبدو جديداً أو غريباً عن شخصية النظام التي عبّر عنها منذ أول خطاب أمام مجلس الشعب إثر اندلاع الثورة السورية.

مضيفاً: "خطاب الأسد دائماً ينفخ في بوق العود على ذي بدء؛ باعثاً رسائل واضحة لكل من يراهن على إمكانية إصلاح هذا النظام أو وجود حل سياسي معهُ؛ أو إمكانية الاعتماد على ضامنين لهُ قد يلزموه بالقرارات الدولية أو نتائج العملية التفاوضية، وبالتالي غير مستعد لتقديم أي تنازلات، سواء على مستوى العملية التفاوضية أو مستوى الحل السياسي عموماً وما يرتبط به من ملفات إعادة الإعمار وعودة اللاجئين".

كيف اعترف الأسد بالأزمة المعيشية الخانقة؟

وعلى صعيد المستوى المعيشي؛ فلم يتطرق الأسد في حديثه عن هذا الجانب لأي اعتراف بأزمة حقيقية وعميقة يعيشها المواطن السوري، حينما قال  إن "وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت بشكل ما في تردي الأوضاع في البلاد وهي مجرد أدوات، وما حصل مؤخراً من تقصير بموضوع مادة الغاز هو عدم شفافية المؤسسات المعنية مع المواطنين".

وأضاف "علينا ألا نعتقد أن الحرب انتهت.. ونقول هذا الكلام للمواطن والمسؤول.. أمامنا أربع حروب.. الأولى عسكرية والثانية حرب الحصار والثالثة حرب الإنترنت والرابعة حرب الفاسدين".

وعن هذه الجزئية شبّه العلو لـ "روزنة" حديث الأسد عن الأزمة المعيشية؛ بتقسيمه لمعارضيه في الأيام الأولى من الثورة السورية، بين أصحاب مطالب محقة وبين من يحاول استغلال تلك المطالب لتنفيذ أجندات خارجية.

وأشار بالقول: "الأسد تطرق إلى الأزمة المعيشية وتعالي أصوات مؤيديه بانتقاد أداء حكومته في إدارة تلك الأزمة، والتي أرجعها هو للحصار والمؤامرة على المستوى الخارجي والفساد على المستوى المحلي، مقسماً مستوى النقد من قبل مؤيديه إلى شريحتين، الأولى: التي أطلق عليها "المتألمين" من الأزمة والتي يحق لها النقد نتيجة الألم، بينما الثانية هم "الاستعراضيون" الذين يبحثون عن التصفيق ويهددون بشق الصف، وذلك في إشارة غير مباشرة إلى الحملات التي قادها بعض الفنانين والإعلاميين الموالين في انتقاد أزمة المحروقات وغيرها".

ولفت العلو حول ذلك بأن ما يشير له الأسد في هذه الجزئية إلى أن عقليّة النظام فيما يخص الإصلاح السياسي والحريات لم تتطور "قيد أنملة"، متسائلاً بالقول: "إذا كان النظام لم يحتمل نقد بعض الأصوات التي ساندته لثمانية أعوام، فكيف لتلك العقلية أن تتعاطى مع معارضين لها؛ أو مع عودة لاجئين يطغى الموقف المعارض على أغلبهم".

بينما أشار د.راتب شعبو إلى أن النظام السوري يدخل حل سياسي شكلي وباهت تحت الضغط فقط، حيث لم يعد خلال الفترة الحالية أي ضغط، معتبراً أن النظام لن يدخل في أي حل سياسي له حدود دنيا من القيمة أو المعنى، فالحل السياسي للأسد هو أن يعود اللاجئون، وأن " يعاد إصلاح النفوس المريضة" في أقبية المخابرات؛ وفق وصف شعبو.

وختم حديثه قائلاً: "الكلام عن نهاية الحرب يعيد فتح ملفات مرهقة للنظام، لذلك يريد الأسد وضع الشعب السوري أمام حرب لا تنتهي، في هذه الحالة تزدهر العبارة التي طالما رميت في وجوه الناس "ليس هذا وقت النقد"، الوقت متاح دائماً للفساد والتشبيح وترويع الناس، ولكن لا وقت في أي وقت للكلام المعارض".