هل بدأ صراع "الشركات الأمنية" على سوريا؟

هل بدأ صراع "الشركات الأمنية" على سوريا؟
هل بدأ صراع "الشركات الأمنية" على سوريا؟
almayadeen

تحليل سياسي |١٨ يناير ٢٠١٩

يشهد ملف الانسحاب الأميركي من سوريا، منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب؛ منتصف الشهر الفائت عزمه التخلي عن استمرار بقاء جنوده في شمال؛ وشمال شرق سوريا، يشهد تطورات مختلفة وتجاذبات عديدة خلال الفترة الماضية.

وكانت آخر تلك التطورات ما اقترحه إريك برنس، مؤسس شركة "بلاك ووتر" الأميركية العسكرية الخاصة، على الرئيس ترامب؛ ما قال عنه بأنه سيكون حلا يتيح منع وقوع الفراغ الأمني بشمال سوريا بعد انسحاب القوات الأميركية من هناك.

وتقدم برنس، في حديث إلى قناة "فوكس بيزنس" الأميركية، بمبادرة نشر عناصر مسلحين مدفوعي الأجر في الشمال السوري محل القوات الأمريكية، من أجل "محاربة نفوذ إيران" في البلاد بعد خروج الجيش الأميركي منها.

وقال حول ذلك: "ليس لدى الولايات المتحدة المسؤولية الاستراتيجية طويلة الأمد للبقاء في سوريا، لكنني أعتقد أن ترك حلفائنا ليس أمرا جيدا"، في إشارة إلى المقاتلين الأكراد الذين يواجهون إمكانية التدخل التركي وطردهم من هناك.

وأشار برنس، إلى أن اللجوء إلى خدمة شركة أمنية خاصة سيتيح لترامب تنفيذ وعده الانتخابي بشأن "إنهاء الحروب" الخارجية للولايات المتحدة، لكن مع إبقاء ضمانات أمنية لحلفاء واشنطن، لافتا إلى وجود العديد من الأمثلة في التاريخ الأميركي لإبرام الحكومة صفقات مع القطاع الخاص بغية ملء الفراغ الأمني في بعض المناطق.

تعقيد المشهد في شرق الفرات..

وحول ذلك اعتبر سيروان قجو؛ الصحفي والكاتب السياسي من واشنطن، في حديثه لـ"روزنة" أن الشركات الأمنية الخاصة مثل "بلاك ووتر" لها باع طويل في التعاون مع الحكومة الأميركية في مناطق الصراع حول العالم، خصوصاً في البلدان التي تتواجد أميركا فيها عسكرياً مثل أفغانستان والعراق وبعض الدول الأفريقية.

منوهاً إلى إمكانية حدوث تعاون جديد بين الطرفين في سوريا؛ "أمر وارد"، على اعتبار أن الانسحاب الأميركي بات أمراً واقعاً؛ وفق رأي قجو، متابعاً بأن إدارة ترامب لن تتراجع عن الانسحاب، بالرغم من احتمال حدوث تغيير في جزيئات صغيرة حوله؛ كوضع جدول زمني يساعد القوات الأميركية على الخروج من سوريا بشكل تدريجي.

وتابع بقوله: "إن حدث ذلك، فالأمر لن يكون بجديد على ساحة الصراع السورية، فهناك مجموعات كبيرة تقاتل إلى جانب النظام السوري، مثل الميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية والباكستانية التي تتبع إيران".

اقرأ أيضاً:قوات أممية على الحدود السورية-التركية تمنع عملية شرق الفرات!

من جانبه استبعد الكاتب والباحث السياسي؛ د.مأمون سيد عيسى بأن تتولى "بلاك ووتر" حماية المنطقة والتي ستكون هي ضمن نطاق المنطقة الآمنة المعتزم إنشاءها بحسب التصريحات الأميركية والتركية، فيما توقع في الوقت نفسه أن تكون للمنطقة إدارة مشتركة بين الأميركان والأتراك؛ إلى أن يتم تسليم المدن والبلدات هناك؛ لإدارات محلية تكون نواة لنظام سياسي لسوريا القادمة؛ وفق تعبيره.

واعتبر سيد عيسى خلال حديثه لـ "راديو روزنة" بأن الصورة لازالت ضبابية حول الوضع في شرق الفرات، عازياً ذلك إلى التوصل لتفاهم حول خطوط عريضة فقط بين واشنطن وأنقرة.

ورأى الباحث السياسي أن الانسحاب الأميركي من منبج ومن مناطق شرق الفرات هو أمر ضروري؛ بحسب وصفه، حيث اعتبره يهيئ الأرضية لحل أميركي-تركي لمشكلة سيطرة القوات الكردية على مناطق تهدد الأمن التركي، ليكون ذلك الحل المأمول بديلاً عن قيام تركيا بعمل عسكري قد يحمل معه إنفجار المنطقة.

وأُسست شركة "بلاك ووتر" في عام 1997، وحصلت على ملايين الدولارات من الحكومة الأمريكية لقاء الخدمات التي قدمها أفرادها على الأرض في العراق وأفغانستان، وأثارت الانتهاكات وجرائم الحرب التي ارتكبها أفراد الشركة، بما في ذلك قتل 17 مدنيا بريئا وسط بغداد عام 2007، جدلا اجتماعيا في الولايات المتحدة بخصوص استخدام الحكومة للشركات الأمنية الخاصة.

وأشارت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى وجود صلات بين مؤسس شركة "بلاك ووتر" إريك برنس؛ وبين مسؤولين في إدارة ترامب.

إذ استثمر برنس مبلغ 250 ألف دولار في حملة الرئيس الانتخابية، مضيفة أن أحد المسؤولين في البيت الأبيض اقترح في صيف 2017 استبدال العسكريين الأمريكيين في أفغانستان بعناصر شركة "أكاديمي" (تسمية جديدة لـ"بلاك ووتر")، غير أن ترامب ومستشاريه العسكريين لم يوافقوا على هذه الخطة آنذاك.

صراع روسي-أميركي جديد…

وقد يزيد اعتماد الإدارة الأميركية على عناصر مسلحة مأجورة من احتدام حدة الصراع الروسي-الأميركي في سوريا، فضلا عن الأزمة التي خلقها إعلان الانسحاب الأميركي من سوريا، حيث اختلفت المصالح وبرزت المطامع في فرض السيطرة على شرق الفرات، ولتكثر الخيارات المفروضة لخلق سيناريوهات جديدة لمستقبل المنطقة.

الكاتب السياسي؛ سيروان قجو اعتبر خلال حديثه لـ"روزنة" أن استقدام قوات من "بلاك ووتر" قد يؤدي إلى إضافة تعقيد جديد على المشهد المعُقد شرق الفرات.

مضيفاً حول ذلك: "هناك أطراف، كتركيا وروسيا وإيران، ستستمر في الاحتجاج على ذلك التواجد العسكري الأمريكي، حتى وإن كان على شكل قوات تابعة لشركة خاصة، لكن بالمحصلة التوصل إلى اتفاق حول "منطقة آمنة" في شمال سوريا؛ من شأنه أن يعكس موقف اللاعبين الأساسيين من أي تواجد عسكري لأمريكا في المستقبل".

قد يهمك:"تحرير الشام" تسيطر على اتفاق سوتشي.. ما موقف المعارضة؟

بدوره تحدث الباحث السياسي؛ د.مأمون سيد عيسى بأن الانسحاب الأمريكي هو أمر ضروري لحل المشاكل والعقبات الموجودة في مناطق النفوذ الثلاث الروسية والتركية و الأميركية، قبل الدخول في حل سياسي سيتم العمل عليه بعد إقرار دستور جديد وإتمام اللجنة الدستورية لعملها؛ حسب تعبيره.

ويستطرد سيد عيسى حول رؤيته لمسائل حل العقبات في مناطق الصراع على النفوذ في سوريا؛ بقوله: "العقبات والمشاكل في المناطق الثلاثة التي يجري حلها بالتوازي في تلك المناطق؛ هي تواجد الميليشيات الكردية في شرق الفرات وتهديدها للأمن القومي التركي، ومشكلة سيطرة هيئة تحرير الشام في ادلب وريف حلب الغربي؛ وعدم انصياع الفصائل للتوحد والذي أجبر تركيا أن تكلف الهيئة بجمع القوى العسكرية في قوة واحدة؛ والإدارات المدنية في حكومة الإنقاذ؛ كي تنحل الهيئة لاحقا ومعها حكومة الإنقاذ؛ أما في مناطق النظام فيتم نزع مخالب إيران وهي ميليشيات شيعية وقوات إيرانية وقوات النظام الموالية لإيران؛ كما حصل في سهل الغاب وريف حماة الشمالي البارحة".

وليس ببعيد عن قوات "بلاك ووتر" الأميركية، فقد أفادت مصادر ديبلوماسية خاصة لـ "راديو روزنة"؛ مطلع الشهر الجاري، عن مساع روسية لشغل الفراغ الذي ستتركه واشنطن بعد انسحاب القوات الأميركية من سوريا.

وقد تشي هذه الخطوة فيما لو تمت من غير معوقات بأن تدفع موسكو لتعزيز نفوذها العسكري في منطقة شرق الفرات؛ الأمر الذي يمكن أن يعود بملف قوات " جيش فاغنر" الروسية إلى الواجهة من جديد.   

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال في مؤتمره الصحافي السنوي حول نشاط "جيش فاغنر" خارج الحدود؛ بأنه لا يمكن لهم حظر الشركات الأمنية الخاصة الروسية، متذرعاً بأن ثمة مليون شخص يعملون فيها؛ بحسب ما نقلته صحيفة الشرق الأوسط.

مافيا روسيّة مقابل الأميركية!

و قوات "جيش فاغنر" هي شركة أمنية روسية خاصة؛ يديرها ديمتري اوتكين، ويلقب باسم "فاغنر" وقد خدم سابقا في القوات الخاصة التابعة لوكالة الاستخبارات في وزارة الدفاع الروسية، وأحيل للتقاعد برتبة رائد، بينما يقف وراء تشكيلها ضابط سابق في الاستخبارات الروسية يدعى ديمتري أوتكينوكان.

ورغم أن الكرملين ينفي أي علاقة للسلطات الروسية بهذه القوات، لكن الضابط سبق أن استُقبل مع نائبه آندريه تروشيف في كانون الأول عام 2016 في الكرملين، وظهر على شاشات التلفزيون خلال حفل خاص لتكريم "أبطال" سوريا عبر تقليدهما أوسمة تثميناً لجهودهما في "تحرير" مدينة تدمر من سيطرة تنظيم "داعش"، كما التقطت صورة لهما مع بوتين.

اقرأ أيضاً:هل يكون التوتر التركي-الأميركي سيد الموقف حول سوريا؟

الكاتب المختص في الشؤون الروسية؛ طه عبد الواحد، قال في حديث لـ "راديو روزنة" أن الكرملين لن يعلن على الإطلاق بأن مقاتلي فاغنر هم قوة عسكرية تستفيد منها موسكو في تدخلها العسكري بسوريا؛ رغم أن هذا ما يجري فعليا على الأرض.

معتبراً بأن أي استخدام لهذه المجموعة سيبقى محاطا بسرية مطلقة، عازياً ذلك إلى  القوانين الروسية التي تحظر نشاط المؤسسات العسكرية وتعاقب عليه بالسجن لعدة سنوات.

ولفت عبد الواحد إلى أن الدور الذي قد تلعبه "فاغنر" سيكون في إطار أي تحركات للنظام السوري، مستشهداً بتحقيقات الصحف الروسية التي كشفت بأن مقاتلي "فاغنر" لعبوا الدور الأهم في "انتصارات" القوات البرية للنظام السوري مدعومة بغطاء جوي من قاعدة حميميم.

منوهاً بأنه في حال قررت قوات النظام بالتنسيق مع موسكو ملء الفراغ بعد الانسحاب الأميركي؛ فقوات "فاغنر" سيكونون في واجهة هذه التحركات، خصوصاً و أن تقارير صحافية كشفت أن قوات فاغنر يقومون بمهمة استعادة السيطرة على الحقول النفطية وحمايتها مقابل حصة من الإنتاج؛ وكذلك الأمر ينطبق على أي مناطق في سوريا تتمتع بأهمية اقتصادية.

اقرأ المزيد