التثقيف في سجون النظام.. قصصٌ لم تحكى بعد

التثقيف في سجون النظام.. قصصٌ لم تحكى بعد
التثقيف في سجون النظام.. قصصٌ لم تحكى بعد
raseef22

تحقيقات | ٢٦ يناير ٢٠١٩

أحمد نذير|

أعلن النظام السوري، أواخر العام الماضي، افتتاح مركز ثقافي في سجن عدرا، في خطوة اعتبرها معتقلون سابقون، محاولة جديدة من محاولات النظام لتلميع صورة سجونه أمام العالم، وبخاصة بعد الكشف عن عمليات تعذيب وتصفية بحق المعتقلين، خلال السنوات الأخيرة.


وتقول هدى (ناشطة في المجتمع المدني) وكانت معتقلة في سجن عدرا قبيل افتتاح النظام للمركز الثقافي داخل السجن في تشرين ثاني 2018، لـ روزنة إن "إدارة السجن تحرم المعتقلين السياسيين، من الكتب و الدفاتر والأقلام".

وتروي هدى لمراسل روزنة في دمشق آرام حبيب، قصةً حصلت معها داخل السجن، حين طلبت من خطيبها (سمير) أن يحضر لها قلماً إلى السجن، وأوصته بأن يخفيه جيداً، وبالفعل استطاع (سمير) إيصال قلمٍ إلى هدى، ولكن بعد أيام قليلة داهم عناصر السجن قسم المعتقلين السياسيين بحثاً عن الأقلام والدفاتر، وصادروها.

ولفتت إلى "أنها ومجموعة من الناشطات نظَّمن حلقات توعية داخل السجن عبر  مناقشة مواضيع سياسية وفكرية واجتماعية" موضحةً "كنا نبحث عن أماكن للجلوس مُتخفين فيها بعيداً من كاميرات المراقبة داخل السجن، وعندما كشف أمرنا تم تحويلنا إلى السجون الانفرادية".

ويختلف وضع المعتقلين في سجن عدرا، مقارنة بالمعتقلين في سجون الفروع الأمنية، إذ يصف المعتقلون السياسيون سجن عدرا بأنه "جنة السجون السورية"، من حيث الحقوق (على قلتها)، التي يتمتع بها المعتقلون داخله.
 

قرابة 81652 سورياً مختفون قسرياً لدى النظام السوري وحده منذ آذار 2011، حتى حزيران 2018 في حين بلغ عدد الضحايا الذين قتلوا بسبب التعذيب في سجون النظام، قرابة 13066 في المدة ذاتها.
"الشبكة السورية لحقوق الإنسان"

 

عامر خليل، (اسم مستعار)، اعتقل في فرع المخابرات الجوية في حلب أشهراً عدة، في 2013، على خلفية مشاركته بالنشاط السلمي المعارض للنظام السوري، قال لـ "روزنة" إن "المعتقل لا يرى الورقة والقلم إلَا مرتين خلال اعتقاله.. الأولى حين يطلب منه ملء نشرة عن تفاصيل حول حياته وأهله وأصدقائه، وذلك عقب دخوله المعتقل مباشرةً".

والمرة الثانية، في غرفة التحقيق، حين يطلب منه كتابة اعترافاته، التي أدلى بها تحت التعذيب، والتوقيع عليها بالبصمة.

"الاتصال الشخصي ممنوع نهائياً، فيلجأ المعتقلون إلى تبادل الحديث همساً"، وتتمحور المواضيع المطروحة غالباً حول أسئلة منها.. متى سنخرج؟ وهل سنخرج بالفعل من هنا؟ ماذا يحصل خارج المعتقل؟، وما هي تطورات الأوضاع في سوريا؟"، يقول عامر.

إقرأ أيضاً: شمال سوريا.. أمل السوريين بالعودة أم مشروع حرب اقتصادية!

وللحديث عن الوضع الثقافي في سجون النظام السوري الخاصة بمعتقلي الرأي والسياسيين، قبل انطلاق الثورة السورية، أي قبل عام 2011، التقت روزنة، ديب قات (معتقل سابق في سجن صيدنايا).

ولفت قات، إلى أنه قبل عام 1980، كان النظام السوري يسمح للمعتقلين سواءّ في السجون العادية أو العسكرية، بمتابعة دراستهم داخل السجن، وحتى التسجيل في الجامعات، والخروج لتقديم الامتحانات.

(ديب قات -معتقل سياسي سابق)

أما بعد عام 1980، وبالتزامن مع نشاط الإخوان المسلمين، منع النظام متابعة الدراسة في السجون، وبخاصة المعتقلين في السجون العسكرية، ومعظمهم معتقلون سياسيون.

وتابع أن "سجون الفروع الأمنية منعت فيها كذلك الجرائد والمجلات إلا في حالات خاصة"، ويروي قات حادثةً حصلت في فرع فلسطين التابع للأمن العسكري في دمشق عام 1988، إذ نظم معتقلون لبنانيون هناك تمرداً داخل السجن، وحصلوا نتيجته على امتيازات منها ثقافية، ولكنها لم تدم طويلاً.

أما عن سجن تدمر، فأشار قات، إلى أن "الامتيازات الثقافية المقدمة كانت تختلف بحسب القوى التي ينتمي إليها المعتقلون، أي بحسب التهم والتنظيمات، مثلاً كان النظام يفرض عزلةً ثقافيةً أشد على المعتقلين المنتسبين لحزب الإخوان المسلمين مقارنة بالمعتقلين المنتسبين لأحزاب منها العمل الشيوعي مثلاً".

وكانت الكتب (التي يسمح بها النظام) في سجن تدمر محصورة بعناوين تتعلق بحزب البعث، وبتجريم حزب الإخوان المسلمين.

وفي سجن صيدنايا، فالأمر مختلف تماماً، مع فروقات بحسب انتماءات المعتقلين، إذ كان هناك مكتبةً داخل السجن، لكنَ نوعية الكتب كانت "تافهة" بحسب وصفه، في حين كان يتاح لمعتقلين جلب كتب من خارج السجن.

قد يهمك: القانون رقم 10 يثير جدلاً بين مصادرة الأملاك وإعادة الإعمار

وأوضح قات، أنه ورفاقه المعتقلين، من (حزب العمل الشيوعي)، خصصوا جزءاً من ميزانيتهم المالية لدفع تكاليف إحضار كتب من خارج السجن، إذ كانت تصلهم الكتب إما من مكاتبهم الخاصة في منازلهم، أو من معارض الكتب، التي كانت تقام في دمشق.

وتابع، أن المكتبة الخاصة بجناحهم في سجن صيدناياً، ضمَّت أمهات الكتب، ووصلت أبعادها إلى ارتفاع 4 أمتار وطول 12 متراً، إذ تصلهم إلى داخل السجن مجلات ونشرات سرية ربما لا يتاح لمن هم خارج السجن الاطلاع عليها، على حد قوله.

كما كانت تقام ندوات حوارية، ومناظرات شعرية، واحتفالات بأعياد مثل النوروز (عيد الربيع لدى الأكراد)، وهذا مقتصر بالطبع على قوى معتقلة دون أخرى.

ولفت إلى أنه في الوقت نفسه، كان معتقلو الحركات الإسلامية في سجن صيدنايا شبه معزولين عن العالم الخارجي، ولا يسمح لهم النظام بأي نشاط ثقافي، في وقت كنا نمرر لهم كتباً بشكل سري عبر مناور السجن (أي عبر فتحات الإضاءة والتنفس بين المهاجع).

أعدت منظمة العفو الدولية، العام الماضي، تقريراً حمل عنوان "المسلخ البشري" ويكشف عن عمليات إعدام جماعية يقوم بها النظام السوري بشكل ممنهج في سجن صيدنايا، بريف دمشق، منذ 2011.
 

وعن حادثة غريبة حصلت في سجن صيدنايا، قال قات، حصل أن تمرّد معتقلو حزب العمل الشيوعي، فقررت إدارة السجن معاقبتهم من خلال توزيعهم على أجنحة معتقلي الإخوان المسلمين.

وأوصت إدارة السجن معتقلي الإخوان بالتنكيل بمعتقلي العمل الشيوعي، على اعتبار أن الطرفين يفرقهما اختلاف سياسي حاد، وهنا حصلت مفارقة، إذ بغض النظر عن الاختلاف السياسي بين الإخوان والعمل الشيوعي، اندمج المعتقلون اجتماعياً ونظموا ندوات حوارية مشتركة.

وعن المعتقلين القادمين الجدد إلى صيدنايا، قال قات، إن المعتقلين الإسلاميين المنقولين من سجن تدمر إلى سجن صيدنايا، يكونون منقطعين بشكل كامل عن العالم الخارجي، وفي سجن صيدنايا يمكن لهم ردم الهوة الزمنية عبر قراءة المجلات، والجرائد بشكل سري بالطبع.

وختاماً مع المعتقل السابق ديب قات، قال إن "النظام السوري ينظر إلى المعارض السياسي على أنه ليس مواطناً على الإطلاق".

قد يهمك: زواجك بمجهول الهوية.. جيلٌ بلا نسب!

الطبيب والكاتب السوري والمعتقل السياسي السابق راتب شعبو، قال لـ روزنة، إن "الشروط التثقيفية تختلف تماماً باختلاف السجون في سوريا، أي بين سجون الأفرع الأمنية، وسجني تدمر وصيدنايا وسجن عدرا، الذي يمكن وصفه بالمكان الذهبي للمعتقل السياسي".

(راتب شعبو -معتقل سياسي سابق)
 
في سجن تدمر، كان النظام يمنع كل شيء يساعد المعتقل على تمضية الوقت بطريقة يتخللها ولو بعض الفائدة والمتعة، في محاولة لقتل إحساس المعتقل بنفسه وقيمته، قال شعبو.

وأضاف "كنا نتبادل شفوياً روايات وقصص قرأناها سابقاً، ونكتب على أوراق علب السجائر القصديرية بالإبرة، بشكل لا تظهر فيه الكتابة إلا حين إمالة الورقة".

كما كنا نكتب على أوراق علب السجائر بعبوة معجون الأسنان المعدنية، وحاولت بهذه الطريقة تعلم اللغة التركية من صديق معتقل، لكن رئيس مفرزة السجن كشف الأمر، وخاطبني حينها قائلاً "نحنا جايبينك لهون لتنسى اللي تعلمته مو لتتعلم شيء جديد".

سجن تدمر، (250 كم شمال شرق دمشق)، استخدم لاعتقال عشرات آلاف المعتقلين السياسيين، وشهد مجازر وتصفيات بحق المعتقلين، يصفه مصطفى خليفة في رواية (القوقعة) "في السجن الصحراوي، سيتساوى لديك الموت والحياة، وفي لحظات يصبح الموت أمنية".
 

وحول التبادل الثقافي بين المعتقلين قال شعبو، إن "التثاقف بين المعتقلين داخل السجن له طابع أيديولوجي"، موضحاً أن "معتقلين كثر يدخلون السجن بأعمار صغيرة ويتشربون أفكار معتقلين آخرين مؤدلجين، وهذا النوع من التثقيف له جانب سلبي نسبياً".

وعلى رغم محاولات النظام السوري التعتيم على ما يحصل داخل سجونه، غير أن معتقلين سياسيين سابقين كثر، نقلوا صوراً عن واقع السجون عبر روايات منها "القوقعة" لـ مصطفى خليفة، و"ماذا وراء هذه الجدران" لـ راتب شعبو، وعبر معارض للفن التشكيلي، فضلاً عن شهادات لمعتقلين سابقين، وبخاصة بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011، وما تبعها من اعتقالات طاولت عشرات آلاف المعارضين.