في عفرين.. مزارات وخفايا وأساطير

في عفرين.. مزارات وخفايا وأساطير
تحقيقات ١٩ أكتوبر ٢٠١٦ |محمد بلو

يعتقد جميل خليل، أنه بعد زيارة مزار "أصلان دادا" قرب قرية جولاقا بريف عفرين، رزقه الله بصبي كما تمنى، لذا سمى ابنه باسم صاحب المزار.

مزار يحقق الأماني!

المزارات في عفرين شمالي حلب كثيرة، تكتسب صفة القدسية لدى العديد من أهالي المنطقة، فيزورونها متبرّكين بها ويطلبون ممن يرقد فيها، أمنيات يبتغون تحقيقها في حياتهم. فيما يرى آخرون، أن هذه الطقوس خرافية! 

يقول جميل: "مثل الكثير من الناس التي تزور المزارات أنا أيضاً قصدت المزار ليرزقني الله بصبي بعد أربع بنات، وفعلاً بعد زيارتنا رزقنا الله بصبي وأسميناه (أصلان) على اسم (الشهيد) المدفون بالمزار والذي يعني أسد الله، ولأجل ذلك قدمنا ثلاثة أضاحي كرمى لصاحب المزار ولاستجابة الله لدعائنا".

ويضيف جميل أنه يتوجب زيارة المزار في هذه الأثناء أيضاً، والدعاء لأجل عودة الهدوء إلى سوريا ولأنها بحاجة للدعاء.

أشهر المزارات

مزار "محمد علي" أحد أهم المزارات الموجودة في عفرين، يقع قرب قرية كوران التابعة لناحية راجو في واد تملأه الأشجار الحرجية، ويحتوي المزار على قبر مزين بأقمشة خضراء ويجاوره مسجد صغير مخصص للصلاة. 

التقينا بالشابة العشرينية سهام حسن، فما هي أسباب زيارتها؟ تجيب: "أتيت إلى المزار لأجل الصلاة فيه وأرتاح نفسياً وجسدياً وفكرياً، لأن المزار هو بيت الله، وهنا ألقى الراحة والطمأنينة وكذلك أتيت لأطلب من ربي أن يعود شقيقي بسلام حيث التحق بوحدات الحماية الكردية".

المزارات عبارة عن خرافة!

كان يتواجد في مزار "محمد علي"، أناس آخرون، بينهم الشاب حسين علي، الذي يصطاد العصافير ببندقية الخردق، بين أشجار المزار، رغم علمه أن التقاليد تحرم عليه صيد الطيور هناك بسبب قدسية المكان.

يتحدث حسين كدليل سياحي في المنطقة، مؤكداً لروزنة عدم قناعته بهذه "الخرافات"، حسب وصفه!

"يتألف المزار من غرفتين إحداهن يتواجد فيها قبر صاحب المزار، وفي الأخرى مسجد صغير للصلاة وتلاوة القرآن، ويعتبر الناس هذا المكان مقدساً ويأتون إليه من كل القرى، بغايات معينة، ويقدمون فيه الأضاحي لإبعاد المصائب والأمراض عن أنفسهم، كما يفضلون دفن موتاهم في المزار بحكم قدسية المكان"، يقول حسين.

ويضيف: "يقوم الناس هنا بتعليق أربطة خضراء على نوافذ مبنى المزار لأجل جلب الحظ أو لفك عقدة مستعصية في حياتهم. وكشاب كنت في السابق أؤمن بهذه الأمور، ولكن لا أعتقد بصحتها الآن ويمكنني اعتبارها خرافات!".

أين تتواجد المزارات عادة؟

تتواجد المزارات حول بعض قرى عفرين، أغلبها تقع قرب منابع المياه أو على قمم التلال أو بين الأشجار، ويعتقد أن هذه المزارات أو المواقع الأثرية تعود لمراحل التنسّك، مع وصول الديانة المسيحية إلى المنطقة حيث كانت تحكم حينها الدولة البيزنطية والتي اعتنقت المسيحية تقريبا في عام 343 ميلادية، فمنذ تلك الحقبة التاريخية أضفى عليها الناس صفةَ القدسية، مستغلينها في تحقيق ما يصبون إليها من رغبات.

يعتقد الباحث والدكتور محمد عبدو علي، أن المزارات أو المواقع الأثرية أماكن لتعبد أناس آخرين منذ فترة ظهور التنسك، والتي اتسمت بظاهرة التعبد على المرتفعات والأشجار والأعمدة الحجرية وحتى على الصخور.

يوضح الباحث: "لذلك يلاحظ أن أغلب المزارات تقع بالقرب من الأشجار المعمرة وأغلب الظن أن هؤلاء المتنسكين والمتعبدين، كانوا يُدفنون في نفس الأماكن سواء بجانب شجرة أو صخرة أو ينبوع، فأضفى عليها الناس صفة القدسية".

مزارات جديدة!

يضيف الدكتور محمد أن الذاكرة الشعبية لا تزال تنتج مزاراتٍ جديدة توفي أصحابها مؤخراً، فتحول مدفنها لمزار يرتاده الناس ويقدمون الأضاحي ويتبركون بها، كمزار الشيخ رشيد في قرية "بعدنلي" فما قصة ُالمزار الجديد؟

لا يمكن بالتحديد معرفة تاريخ كل المزارات، بحسب الباحث محمد علي، فبعضها معروف وأغلبها غير معروف وحتى أصحابها غير معروفون.

بعضهم كان من المتوكلين والدراويش مثل الشيخ رشيد الذي تحول مدفنه إلى مزار بعد وفاته مؤخراً، علماً أنه كان معروفاً ويعاني من مشاكل عصبية (ولادية)، اعتقد الناس أنه مبارك، ونسجوا حول شخصه الأساطير والروايات التي تتصف بما وراء الطبيعة.

ويؤكد الدكتور محمد علي أن بعض المزارات معروفة ومذكورة بالتاريخ مثل مزار "عبد الحنان" الواقع قرب قرية مشاليه على طريق بلدة كفرجنة بريف عفرين، وهذا المزار مذكور في كتاب "تاريخ حلب لمؤلفه "ابن الشحنة" ويوجد فيه قبر شقيق النبي داوود "يوحنا" حسب ما هو مذكور في كتب التاريخ.

إلى أي جهة تتجه القبور الموجودة في المزار؟ يجيب علي: "اتجاه القبور الموجودة في المزار (جنوبي-شمالي) وهي طريقة الدفن المعتمدة لدى أتباع الديانة اليهودية. ويعتقد أن اسم حنان أو عبد الحنان مشتق من اسم يوحنا والذي يتفرد به أهل منطقة عفرين".

وهناك أيضا مزار للصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف، ولكن لا تؤكد كتب التاريخ والمراجع، أنه وصل إلى هذه المنطقة، وكذلك الأمر بالنسبة لمزار عبد القادر كيلاني في قرية "ترنده" حيث لا يوجد مرجع يحكي عن أن الشيخ عيد القادر وصل إلى المنطقة ولكن له مزار ويرتاده الناس.

تصنيف المزارات العفرينية!

يمكن تصنيف المزارات حسب أسمائها، فمثلاً أسماء المزارات التي تنتهي بكلمة "دادا" هو لقب رجل الدين لدى الطائفة العلوية، ويوجد منها حوالي عشرة مزارات مثل أصلان دادا ويغمور دادا ، وهذا يدل على انتشار المذهب العلوي في مرحلة تاريخية معينة في منطقة جبل الأكراد (عفرين).

من الناحية الدينية يقول مدرس الشريعة الإسلامية الأستاذ مصطفى حمود: "لا يجوز شرعاً طلب أمنية من غير الله ولا تجوز الإساءة إلى هذه الأضرحة والمزارات بحجج محاربة البدع وغيرها، كونها موروث تاريخي ويجب الحفاظ عليها".

يضيف حمود "يقول النبي (ص) لأحد الصحابة: إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، في المقابل لا أريد أن يفهم أنني أدعو باسم التوحيد ومحاربة البدع إلى الإساءة إلى أولياء الله وهذه الأضرحة الصحيحة ولا يجب بتاتاً الإساءة إلى هذا الميراث لأنه يعتبر حاقة الوصل بين السابق واللاحق". 

تتنوع المزارات والمقامات والأضرحة بتنوع الأديان والمذاهب، التي دخلت إلى المنطقة، حيث تدل أسماؤها عليها، فمثلاً تلك التي تنتهي بكلمة دادا هو مزار علوي. وتتواجد مزارات خاصة بالأيزديين مثل مزار الشيخ بركات. 

ومن الملاحظ أن سكان القرى المحيطة بتلك المزارات يسمون أسماء أولادهم تيمناً بأصحابها مثل أصلان ومحمدعلي وقازقلي وعبد الحنان وعبد الرحمن وبركات وإلى ما هنالك من الأسماء الشهيرة في المنطقة.