دمار من نوع آخر… سوريون كسرت الحرب حلمهم الجامعي

دمار من نوع آخر… سوريون كسرت الحرب حلمهم الجامعي
دمار من نوع آخر… سوريون كسرت الحرب حلمهم الجامعي
القصص | ٠٦ فبراير ٢٠٢٠

 حنين السيد|

في سوريا، أن تكون طالباً جامعياً مع بداية عام 2011، وحتى عام 2013 فهذا يعني أنك على الأغلب لم تكمل دراستك الجامعية، وأنك اليوم تبلغ من العمر ما بين 26 عاماً و30 عاماً ولا تملك شهادة جامعية على الرغم من أنك درست عاماً أو اثنين أو ثلاثة أو حتى أربعة، وقد تكون حالت دون تخرجك مادة واحدة.

 
قبل اندلاع النزاع المسلح في سوريا، كان بإمكان الشباب السوري دخول أية جامعة داخل أو خارج الوطن وفق المعدل الدراسي والشروط المفروضة من الجامعة التي يود الانتساب إليها.
 
وفي الداخل، كان الطلاب يتوزعون على جامعات حلب، وحمص، ودمشق وغيرها، من دون قيود تمنعهم من الحركة بين جامعة وأخرى، ولا حتى مخاوف من اعتقال أو إجبار على الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية، لكن الوضع اختلف كلياً بعد عام 2011.
 
ومن خلال قصص أولئك الذين اضطروا لترك الدراسة بهذا الشكل يظهر أن الضرر البالغ الذي لحق بالحياة الثقافية والعلمية في سوريا لن يكون أقل دماراً على مستقبلها من ذاك الظاهر للعيان.

حواجز تفتيش وحملات اعتقال

 
"كل أحلامي تدمرت"، بهذه الجملة وصفت الطالبة السابقة في جامعة حلب آمنة عبد القادر (27 عاماً) الحرمان من دراستها الجامعية منذ عام 2013.
 
فاطمة زيدان هي الأخرى تقول: "تركت جامعتي في بداية السنة الثالثة، كان ذلك أوائل عام 2013، وكنت أدرس الفيزياء في جامعة حلب ولكن بعدما بت مطلوبة لعدة أفرع أمنية بتهمة لم أعرفها، غادرت حلب إلى قريتي في ريف إدلب الجنوبي، حيث لا وجود لعناصر قوات النظام السوري، وصرت أعمل في منظمات العمل الإنساني وفي الدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا".
 
وأجبرت الحرب الكثير من طلاب الجامعات على ترك دراستهم بعد حملات الاعتقال في حرم الجامعة وعلى الطرق المؤدية إليها، والتي تمّت بتهم مشاركتهم في التظاهرات، وتواجدهم في الشوارع والساحات العامة والجامعات والمدارس وفي كل مكان، حسب مجموعة من الشباب والشابات كنا طلبنا منهم الحديث عن أسباب انقطاع الطلاب عن الدراسة بين عامي 2011 و2013.
 
" في نهاية عام 2013، كنت مضطرة لاجتياز ثلاثين حاجز تفتيش تتبع للنظام السوري حتى أصل إلى كلية الآداب في مدينة حلب وأخوض الامتحان الذي يؤهلني للانتقال للسنة الدراسية الثالثة، إلا أنني لم أصل أبداً"، تقول سحر زعتور (26 عاماً)، وهي معتقلة سابقة لدى النظام السوري لمدة سنتين بتهمة التظاهر ضد النظام، والتي دفعت "ثمنها كبيراً" جراء ذلك، إذ جُرّدت من جميع حقوقها المدنية.
 
وكانت السنوات الطويلة من تعذّر استكمال الدراسة الجامعية كفيلة بتغيير مسار حياة طلاب كثر، فلجأ العديد منهم للبحث عن فرصة عمل مغايرة تماماً لدراسته الأساسية، فعمل في البناء والزراعة والأعمال الحرة وضمن المنظمات الإنسانية وغيرها، علماً أن الجهات المسيطرة على المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري أنشأت بعد عام 2014 جامعات تضم عدة فروع تعليمية إلا أنها بقيت من دون اعتراف رسمي في الدول الأخرى، ما قلل من رغبة الشباب بالالتحاق بها.


الهجرة لم تكن حلاً

 
"دمر الصراع في سوريا نظام التعليم العال، إذ غادر حوالي 2000 جامعي متخصص البلاد لاجئين إلى الخارج"، بحسب منظمة "مجلس الأكاديميين المعرضين للخطر" البريطانية (CARA) التي أصدرت تقريراً خاصاً بسوريا يشير إلى أن ما أضعف قطاع التعليم في سوريا هو تدمير المنشآت وانتهاك حقوق الإنسان وجمود المناهج وعسكرة الحرم الجامعي.
 
عاصم زيدان (28 عاماً) كان طالب هندسة مدنية في جامعة حلب قبل أن يعتقله النظام السوري مرات عدة خلال عام 2012 بتهمة التظاهر، يروي أن اعتقاله حدث داخل قاعة الامتحان على مرأى ومسمع من زملائه وأساتذته الذين لم يتمكنوا من مقاومة قوات الأمن السوري سوى ببضع كلمات والكثير من الدموع.
 
يقول عاصم إنه كان طالباً متفوقاً، لكن ما حصل دفعه لمغادرة الجامعة قبل تخرجه، إذ بعد خروجه من المعتقل للمرة الثانية عاد إلى قريته في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري ومن ثم هاجر إلى خارج سوريا.

لم يكن خيار الهجرة حلاً لمشكلة خسارة عاصم

 
 لدراسته الجامعية، إذ كان يصعب عليه استكمال تعليمه في بلد المهجر لتعذّر حصوله على الأوراق الثبوتية الرسمية من جامعته الأصلية في حلب، وبسبب الوضع المادي الذي يحتّم عليه البحث عن فرصة عمل لا عن دراسة، إضافة إلى موضوع اللغة إذ لا بد له من امتلاك مهارات التحدث بلغة البلد المتواجد به حتى يستطيع الالتحاق بجامعاته.
 
هذه الصعوبات وغيرها يتشاركها كثر من الشباب السوري في المهجر، فيبقى الطالب معلقاً بأمل واحد هو عودة الحياة إلى طبيعتها في بلاده ليتسنى له استكمال تعليمه.

لا إحصائيات رسمية

 
في المقابل، لا توجد إحصائيات رسمية لعدد الطلاب المنقطعين عن دراستهم الجامعية بين عامي 2011 و2013، إلا أن الشباب السوري المعارض للنظام أصبح بين شهيد ومعتقل ونازح ولاجئ، وفي جميع الأحوال كان غير قادر على إكمال دراسته الجامعية، أو حتى العمل بما تلقاه خلال سنوات جامعية عدة لم تكتمل ولم تُتوّج بشهادة.
 
خلّفت سنوات الحرب أيضاً 6.6 مليون نازح داخلي، و5.6 مليون لاجئ في جميع أنحاء العالم وفقاً لـ"المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين"، ولا يخفى على أحد أن معظمهم من الفئة الشبابية وغالبيتهم من الفئة المتعلمة التي فقدت بسبب الحرب كل مقومات التعليم، بعدما كسرت الحرب الأقلام ومزّقت الكتب. 
 
تم إنجاز هذه المادة في إطار برنامج التدريب الذي ينظمه مكتب العلاقات الخارجية في "الجامعة الأمريكية في بيروت" بالتعاون مع "مؤسسة دعم الإعلام الدولي". اضغط هنا للمزيد من المعلومات حول البرنامج.