"بيت الحكايا" في السويداء… لقصص الحرب وجه آخر

السويداء
"بيت الحكايا" في السويداء… لقصص الحرب وجه آخر
"بيت الحكايا" في السويداء… لقصص الحرب وجه آخر
rozana

القصص | ٠٤ فبراير ٢٠٢٠
أميرة سلام| 

"ادخلوا بهدوء، بعد قليل ستبدأ حكايا الأطفال الجميلة"
 
تحت تلك العبارة، التي تُجانِب مدخل "بيت الحكايا"، تبدأ جولي بسرد قصتها مع الطبيعة، بتعابير طفولية حرة، تمسك دفترها الخاص ببيت الحكايا وتنغمس في سرد قصصي عفوي، يختلف عن النمط المدرسي الذي اعتادت عليه.

 
هنا تكمن ميزة بيت الحكايا، بتركيزه على الجانب الذاتي، وتعزيز جرأة الطفل في التعبير عما يجول في مخيلته، بعيداً عن ضوابط بناء القصة وقواعدها المدرسية، والتي وإن كانت تنمّي أسس تكوين القصة لدى الطفل، لكن يصعب على المدرسة إيجاد الوقت الكافي للاستماع مطولاً لكل طفلٍ على حدة.
 
من هنا تأتي فكرة "البيت"، الذي انطلق في الشهر السادس من عام 2018، في مدينة شهبا في محافظة السويداء، بمبادرة من المعلمتين منتهى ناصيف وسهام عامر، اللتان رأتا في الأطفال "الأمل الوحيد بتغيير المجتمع" لـ “كون الكبار فقدوا قدرتهم على تغيير شيء في هذا المجتمع"، بحسب قولهما.
 
بدأت الفكرة في زمن الحرب، في الوقت الذي كان يبحث فيه كثيرون عن طوق نجاة بالهجرة خارج البلاد، فكرت المعلمتان في أطفال بلدتهما وفي سبيل للتخفيف من آثار الصراع عليهم، فكانت البداية مع عدد قليل وصل لاحقاً إلى ثلاثين طفلاً، من عمر الست سنوات إلى أربعة عشر سنة، مقسمين إلى مجموعات حسب أعمارهم.

بيت دافئ

 
شكّل البيت منذ بدايته حيزاً خاصاً أكثر حميمية، يتيح للطفل التعبير عن شخصيته وقدراته، وتنمية مهاراته التواصلية مع باقي أصدقائه.
 
تقول سهام: "أردنا، أنا وصديقتي منتهى، أن نقدم شيئاً يبعد للطفل عن الواقع الصعب الذي يعيشه، واستلهمنا ذلك من فكرة كانت تستهوينا منذ طفولتنا، وبقيت ترافقنا كوننا أصبحنا مدرسات للمرحلة الابتدائية وعلى تماس مباشر ودائم مع الأطفال".
 
الدخول إلى بيت الحكايا يشبه الدخول إلى بيت العائلة الدافئ، حيث يستقبلك المكان بألفته وروح الطفولة العابقة فيه، هنا طفل يرسم، وهنا طفل يحاول كتابة قصة تدور في ذهنه، وهناك طفل مشغول بتزيين لوحة للمكان.
 
وفي زاوية أخرى مجموعة من الأطفال الذين يجلسون حول شمعة أو أكثر يتهامسون حول قصصهم التي يريدون قراءتها، أو يجرون حديثٍ ما في ما بينهم.
 
يقول حيدر: "أحب بيت الحكايا لأنني تعلمت فيه كتابة القصة، وتعرفت فيه على أصدقاء جدد"، في حين لا تحب ضحى كتابة القصة وإنما يعجبها التمثيل أكثر كما تقول، وهو من النشاطات المتاحة أيضاً أمام الطفل في بيت الحكايا.
 
تشرح منتهى: "يمكن للطفل المشاركة في إحدى المجالات الثلاث، فن الحكاية، وكتابة القصة، والمسرح بشقيه مسرح العرائس أو المسرح العادي، ما يفتح الأفق أمام الأطفال للتعبير عن مواهبهم كما يحلو لهم".
 
ويتميز المكان بموجوداته البسيطة المصنوعة بأيدي الأطفال أنفسهم، بما تيسر لهم من موادٍ يمكن إحضارها من المنزل وإعادة تدويرها، وهو ما يضفي المزيد من البساطة والعفوية على المكان.
 
لا يعتمد بيت الحكايا على أي تمويل من الخارج، إنما يقوم على مجهود خاص من فريق العمل، بالإضافة إلى قسط رمزي يأخذونه من أهالي الأطفال، يدفعون منه إيجار المكان ونفقات المواد التي يحتاجونها للعمل.
 

"لا نستطيع تغيير الواقع، ولكن..."

 
يجد الأطفال في بيت الحكايا مكاناً يجمعون فيه بين التسلية وبين تنمية مواهبهم ومهاراتهم الاجتماعية في التواصل مع الآخرين، بعيداً عن وسائل التكنولوجيا الحديثة.
 
تقول والدة إحدى الأطفال: "بيت الحكايا جعل من طفلتي أكثر جرأة، وأكثر تواصلاً وانفتاحاً على الآخرين، كما أصبحت مخيلتها منفتحة لأي شيء يصادفها"، مضيفة: "الجو الذي يتيحه من حوار وأسئلة وحميمية خلق في داخلها مكاناً واسعاً للإصغاء، ما ينطوي عليه بيت الحكايا فتح أمام طفلتي دروباً من المتعة والفرح والدهشة".
 
في إحدى الجلسات، يبدأ الأطفال في الحديث عما شاهدوه من أحداثٍ لفتت انتباههم في طريق مجيئهم إلى بيت الحكايا، وهو ما يجعل الأطفال يتقنون التعبير عن واقعهم الملموس واليومي بشكل أكبر.
 
من هنا، تقول منتهى: "نسعى للفت نظر الطفل إلى الأشياء الجميلة، التي يصادفها في الشارع، فلا يقتصر تركيزه على وجود الازدحام والفوضى، بل يتعدى ذلك إلى التفاصيل الجميلة كوجود الشجرة في الشارع أو محل مليء بالألوان أو عصفور يحط على حافة البناء".
 
في السياق نفسه، تضيف سهام قائلة: "لا نستطيع أن نغير الواقع الذي يعيش فيه الأطفال، ولكن بإمكاننا أن نقوي من ثقتهم في معايشته وتجاوز صعوباته".
 
وتعطي سهام مثالاً عن ذلك بالقول: "بعد الهجوم الإرهابي لداعش على المنطقة الشرقية في محافظة السويداء العام الفائت، جاء إلينا أربعة أطفال ممن عايشوا تفاصيل الهجوم وقسوته، وكانوا في وضعٍ نفسي مقلق، فاستقبلناهم في بيت الحكايا وأتحنا لهما الحديث والاندماج في جو البيت ونشاطاته، لنتفاجأ بعدها بتغيرٍ إيجابي طرأ على شخصيتهم وتوازنهم النفسي".
 

إعجاب وقبول

 
توّج بيت الحكايا نشاطاته بأمسية قصصية على مسرح المركز الثقافي في مدينة شهبا، قام خلالها الأطفال المشاركين بقراءة قصصهم، التي ألفوها خلال فترة وجودهم في المكان، كما أدى بعضهم عرضاً لمسرح الدمى في منتدى جذور الثقافي في مدينة السويداء، فيما لاقت الفعاليتان نجاحاً ملفتاً بين الحضور من الأطفال والكبار على السواء.
 
ما لاقته تلك النشاطات من إعجاب بين الأهالي، زاد من الإقبال على المشاركة في نشاطات بيت الحكايا، ليزداد عدد الأطفال بشكل ملحوظ وتتنوع فئاتهم العمرية.
 
بالإضافة إلى تلك النشاطات، تسعى المشرفتان على البيت إلى طباعة كتاب يحوي مجموعة من قصص الأطفال التي قاموا بتأليفها، وهي خطوة عدا عن أثرها الإيجابي في نفوس أصحاب القصص، فهي تساعد في أن تصل الأخيرة إلى داخل كل بيت، وإلى عدد أكبر من الأطفال.

تم إنجاز هذه المادة في إطار برنامج التدريب، الذي ينظمه مكتب العلاقات الخارجية في "الجامعة الأمريكية في بيروت" بالتعاون مع "مؤسسة دعم الإعلام الدولي".

اضغط هنا للمزيد من المعلومات حول البرنامج.