حيل سورية للتغلب على الواقع الاقتصادي المخنوق

حيل سورية للتغلب على الواقع الاقتصادي المخنوق
حيل سورية للتغلب على الواقع الاقتصادي المخنوق
القصص | ٢٢ يناير ٢٠٢٠

"بدنا نعيش" عبارة رفعها متظاهرون في السويداء خلال الأسبوع الفائت، لخّصت آلام ملايين القاطنين في المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري، حيث لا يبدو أن معيشة المواطنين باتت ممكنة في الوقت الحالي مع ارتفاع الأسعار ووصولها إلى حد لا يمكن حتى لأبناء الطبقة المتوسطة التمتّع بوجبات ثلاث كافية.

 
معظم المواد الغذائية.. منسية
 
منذ 5 أشهر، لم تُسمع كلمة (لحمة) في منزل أبو وائل، فالرجل الذي يعمل معلماً، ألغى من قاموسه اللحمة بعدما تجاوزت حاجز الـ10 آلاف ليرة للكيلو الواحد، كما ألغى مواداً غذائية كثيرة يقول أنها لم تعد لازمة.
 
يمر أبو وائل، المقيم في حلب، من جانب القصاب في حيّه، يقرر أخيراً أن ينسى قائمة الأكلات الملغية، ويدخل ليشتري لحماً، لكنه تدارك الموقف واكتفى بـ شحم الخاروف الذي يبلغ سعر الكيلو منه 5 آلاف ليرة سورية.
 
تضيق الظروف ليست مقتصرة على أبو وائل، إذ يقول محمد الحموي، وهو شاب سوري مقيم في ريف حماة لـ"روزنة" إن الطبخ لم يعد بتلك الكلمة السهلة، أصبح شيء صعب للغاية، وخصوصاً عندما يرتبط بالزيت النباتي الذي يصل سعره لـ1500 ليرة سورية لليتر، ثم يرتبط بالشي الأهم وهو الغاز المنزلي قليل التوفر في المنازل، والحاضر حراً، بسعر يصل إلى 10 آلاف ليرة سورية.
 
تزداد قائمة الأغذية التي ينساها المواطن السوري يوماً بعد يوم، كالفلافل التي وصل سعر السندويشة منها إلى 400 ليرة سورية، والمقالي التي تحتاج إلى الزيت والغاز وبطاطا يصل سعر الكيلو منها إلى 400 ليرة، وباذنجان يصل سعره إلى 500 ليرة.
 
وفي سندويش الفلافل والمقالي ستحتاج العائلة المكونة من 5 أشخاص إلى أكثر من ألفي ليرة سورية فقط في موعد وجبة واحدة.
 
"الحشائش والبقوليات هي أكثر ما يتم الاعتماد عليها حالياً مع ارتفاع الأسعار الجنوبي" بحسب ما قالت منى السيد المقيمة في دمشق لـ"روزنة"، وتضيف، أن "معظم الناس أصبحت تستهلك المواد الغذائية المنخفضة السعر مقارنة مع غيرها، كالبرغل والملفوف والعدس والسلق وغيرها من الخضروات الورقية".
 
ويبلغ سعر كيلو البرغل في دمشق 500 ليرة، في حين تجاوز سعر كيلو الأرز الألف ليرة سورية، أما الزهرة فيبلغ سعر الكيلو منها 150 ليرة، والملفوف 200 ليرة، كما يبلغ سعر حزمة السبانخ أو السلق او الخبيزة 30 ليرة، بحسب ما قالت منى السيد لـ"روزنة".
 
في حين تجاوز سعر اللحوم الحمراء الـ 15 ألف ليرة، أما زيت القلي "النباتي" أصبح سعره 1300 ليرة، وغيرها الكثير من المواد التي ارتفع ثمنها وأصبح من غير الممكن شراؤها بالنسبة لفئة لا بأس بها من السوريين.
 
اقرأ أيضاً: هل يساعد التكافل الاجتماعي على تخطي أزمة الليرة ؟
 
فقط على الخبز
 
ماذا بقي للمواطن السوري ليأكل إذا ما ضاقت به السبل غير "الخبز"، الذي يحارب به النظام بطون الجائعين، عندما يقول لهم بأنه سلعة غذائية مدعومة.
 
أم محمد، 41 عاماً، من حلب تقول لـ"روزنة": "أعرف عائلات كثيرة تسكت جوعها بالخبز، حيث لا بديل لها عنه، فالمدخول بالكاد يكفي ثمن الخبز وإيجار منزل بدل منازلهم التي خسروها في أحيائهم المدمّرة في المناطق الشرقية".
 
يتغلّب حلبيون كثر على مرارة الخبز – كما تقول أم محمد – بدهنه بـ(مربى البندورة) لتصبح بعرف الحلبيين (سندويشة مية فرنجي)، هو السندويش الذي اعتاد الحلبيون تناوله كـ(شهوة) لا كوجبة طعام دائمة لا بديل عنها.
 
"ويعتمد آخرون على الزعتر عندما يضيفونه للخبز، أو على حبّات البندورة التي لا تكسر لهم ميزانيتهم المتهالكة" تتابع أم محمد.

قد يهمك: اعتراضاً على تردي المعيشة... متظاهرو السويداء يهتفون ضد رامي مخلوف
 
المعونات مسروقة
 
يسأل سوريون كثيرون حينها" ماذا عن المعونات التي يقدّمها "الهلال الأحمر السوري" أو الجمعيات الخيرية؟" يجيب مأمون، 30 عاماً من ريف حماة خلال حديثه لـ"روزنة": "الفساد لم يبقِ في سلل المستفيدين إلا القليل، ولم يبقَ أصلاً إلا القليل من المستفيدين، ويضطر الكثير ممن يأخذون المساعدات الغذائية لبيعها ليستفيدوا من ثمنها".
 
تضيف أم محمد "لم تعد الجمعيات الخيرية توزّع معلّبات، في وقت كانت فيه توزّعها، يبدو أن السرقة وصلت حتى إلى المساعدات".
 
وفي حزيران العام الفائت اتّهمت منظمة "هيومن رايتس ووتش" حكومة النظام السوري باستغلال المعونات الإنسانية ومساعدات إعادة الإعمار، وحذّرت الجهات الفاعلة في المجال الإنساني من خطر المشاركة في انتهاكات حقوق الإنسان.
 
وأوضحت المنظمة في تقريرها أن المنظمات الإنسانية العاملة في سوريا تُجبَر على قبول مطالب حكومة النظام خشية من فقدان قدرتها على الوصول إلى الفئات المستهدفة أو منعها من العمل.
 
الخبير والباحث الاقتصادي، يونس الكريم، تحدث لـ "روزنة" إلى أن استمرار انخفاض قيمة الليرة سيكون له وقعاً مدمراً على حياة المواطنين لما سيتسبب ذلك بانخفاض القوة الشرائية، وبهذه الحالة لن يتمكن الفرد من الحصول على السلع الأساسية، وفق قوله، وأضاف "إن استمرار الأوضاع الاقتصادية على ما هي عليه سيؤدي إلى تفشي الفساد أكثر فأكثر، وسيطرة اقتصاد الظل على حياة السوريين".
 
يشار إلى أنّ الأزمة التي تعصف بأوضاع معيشة السوريين في مناطق سيطرة النظام السوري، من أقسى الأزمات التي عايشها المواطنون في تاريخ سوريا الحديث، حيث ساهم انهيار سعر صرف الليرة السورية بشكل غير مسبوق مقابل الدولار الأميركي إلى انخفاض القوة الشرائية، وهو ما أدى بالنتيجة إلى ارتفاع قيمة المنتجات لتبدو أكبر قيمة من أن يستطيع السوريين الحصول عليها.