المقابر الجماعية.. تروي مآسي الحرب في الرقة

الرقة
المقابر الجماعية.. تروي مآسي الحرب في الرقة
المقابر الجماعية.. تروي مآسي الحرب في الرقة
Rozana

القصص |٠٤ يوليو ٢٠١٩

بكل ما قُدِّر لها من سُبل؛ بذلت جهدها أم عبد الله (سيدة من مدينة الرقة) للوصول إلى جثة شقيقها الذي قتل أثناء المعارك في المدينة ضد تنظيم "داعش" الذي كان يسيطر على المدينة حتى تشرين الأول من 2017.

تقول أم عبد الله التي ظلت محاصرة مع شقيقها في حي البدو شمال الرقة تحت قصف الطيران والقذائف المكثف، أنها كانت تحتضن أخيها من شدة الخوف من القصف منتصف تشرين الأول 2017.

قبل مغيب الشمس بقليل؛ سقطت قذيفة هاون قربهما ما أدى لأن تتناثر شظاياها و تستقر في صدر أخيها لترديه قتيلاً على الفور؛ وتتابع حديثها لـ "روزنة": "بعدما مات أخي ساعدوني أهل الخير في دفنه بأحد البيوت العربية بحارة البدو، وتمكنت بعدها من الهرب، وفي شهر تموز 2018 عدت إلى الرقة لانتشال جثة أخي ودفنه بطريقة لائقة ليكون له قبر وشاهد".

رحلة البحث التي بدأتها السيدة انتهت بمفاجأة لم تكن متوقعة، فالمنزل الذي وصلت إليه بعد تأكيدات تلقتها حول وجود جثة شقيقها بداخله، كان عبارة عن مقبرة جماعية كبيرة حوت بداخلها على 14 قبر موزعين في أرجاء المنزل دفن فيها 30 جثة مجهولة الهوية، الأمر الذي تسبب باستحالة الكشف عن جثة شقيق السيدة؛ من قبل فريق الطب الشرعي في الرقة.

إلا أن أم عبدالله أصرت على الاستدلال على جثة شقيقها من خلال لون الثياب التي كان يرتديه؛ (ثوب بلون القهوة)، مؤكدة أيضاً على مكان دفنه.
 

وكانت صفحة لجنة إعادة الإعمار التابعة لمجلس الرقة المدني نشرت على الفيسبوك في 2 آب 2018 مقطع فيديو بعنوان "بيت المقبرة" تظهر فيه السيدة أم عبد الله وهي تبحث معهم عن جثة أخيها في البيت، ويظهر في آخر الفيديو كيف أن السيدة أم عبد الله ودعت شقيقها بحزن ومرارة عندما وضعوا جثته في سيارة الإسعاف، ولوحت بيدها باتجاه سيارة الإسعاف وهي تبكي قائلةً "مع السلامة يابا!".


اقرأ أيضاً: رغم الحرائق.. الفلاحون يواصلون توريد محاصيلهم لمراكز الاستقبال في الرقة


كثيرة هي العائلات التي لم تستطع الخروج من جحيم المعارك في الرقة وبقيت حتى النهاية، ليواجه أفرادها مآسي المقابر الجماعية في المدينة؛ بعد الكشف عنها تباعاً.

بحزنٍ ومرارة يتذكر مازن أقربائه من آل البدران في الرقة الذين قتلت منهم عائلات بأكملها جراء غارات طيران التحالف الدولي على الرقة خلال المعارك ضد تنظيم الدولة صيف عام 2017.

يروي مازن الخضر (36 عام) وهو ابن عم آل البدران لـ "روزنة" كيف قتلت طائرات التحالف 42 شخصاً من أقاربه "معظمهم نساء وأطفال"، حيث يقول: "لم يتبقى لنا أحد من أبناء عمومتنا، الحرب أخذت معظمهم، ولقد حاولوا الخروج من الرقة عندما بدأت المعركة ولكن لم يتمكنوا من ذلك، في كل مرة كانوا يحاولون الهروب كان تنظيم الدولة يمنعهم من ذلك".
 

ويضيف مازن أنه و في منتصف شهر تموز 2017 نزحت العائلة داخل مدينة الرقة لشدة القصف، القسم الأول من الأسرة اتجه لحي نزلة شحاذة، وقسم آخر نزح إلى حارة السخاني في شارع المعتز، وفي إحدى الليالي المرعبة قصفت طائرات التحالف المنزل الذي كانت العائلة تختبئ فيه بحي نزلة شحاذة، فقتلت المجموعة الأولى من الأسرة والبالغ عددهم عشرة أشخاص، ويتابع: " لقد كان القصف عشوائياً وتسبب بمقتل الآلاف من الأهالي والنساء والأطفال، وفي 20 آب 2017 قصفت مقاتلات التحالف حارة السخاني، ما أدى لمقتل ما تبقى من آل البدران في الرقة".

ويستطرد "بعد خروج التنظيم وسيطرة الأكراد على الرقة، عدنا لانتشال جثثهم من تحت الأنقاض، وقمنا بدفنهم في مقبرة تل البيعة، وأثناء البحث عنهم تحت الركام وجدنا هاتف محمول لإحدى فتيات العائلة فيه مقطع "فيديو" صورته بنفسها خلال فترة الحصار يظهر كيف تعد نساء العائلة الخبز على التنور بطريقة بدائية لسد جوعهم".

وكانت منظمة العفو الدولية نشرت مقطع الفيديو الذي يوثق مأساة آل البدران في حزيران من العام الماضي، وذكرت المنظمة في تقرير صدر عنها في نيسان الماضي أن 1600 مدني قتلوا بشكل مباشر جراء غارات طيران التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة على الرقة خلال معارك السيطرة على المدينة، وطالبت المنظمة بتوقف التحالف عن الإنكار الذي استمر ما يقرب من السنتين بشأن أعداد القتلى الهائلة في صفوف المدنيين، والدمار الكبير الذي ألحقه بمدينة الرقة.

اكتشاف المزيد من المقابر الجماعية

رغم مرور أكثر من عام ونصف على نهاية الحرب وخروج تنظيم داعش من الرقة، لا تزال المقابر الجماعية تكتشف تباعاَ في المدينة وريفها، وبلغ عددها 16 مقبرة جماعية انتشلت منها أكثر من 4500 جثة بحسب فريق الاستجابة الأولية الذي يتولى مهمة انتشال الجثث ودفنها.

وفي أرض معسكر الطلائع الواقع جنوبي نهر الفرات، والذي يبعد عن مركز مدينة الرقة 3 كيلومتر باتجاه الجنوب عُثر على مقبرة جماعية تحتوي على رفات مدنيين وصحفيين ونشطاء أعدمهم التنظيم الإرهابي، بحسب ما قال ياسر الخميس قائد فريق الاستجابة الأولية.
 
 
وبدأ فريق الاستجابة الأولية في العاشر من الشهر الفائت بالعمل على انتشال الجثث من مقبرة معسكر الطلائع الجماعية، وقال الخميس حول ذلك لـ "روزنة" إن المقبرة التي يعملون على انتشال الجثث منها حالياً لها طابع مختلف عن المقابر الأخرى، فهي عبارة عن حُفر، وكل حفرة تحتوي على أكثر من 10 جثث.

وأضاف الخميس "غالبية الجثث التي تم انتشالها من المقابر الجماعية في الرقة "مجهولة الهوية"، ونحو ألف من أصل 4500 تعود لمسلحين من تنظيم (داعش)، ويتم اكتشاف ذلك من خلال لباسهم أو وجود معدات عسكرية أو وثائق تثبت هويتهم، ونقوم بدفن جميع الجثث التي لا يعرف ذويها في مقبرة تل البيعة ومقبرة أخرى قرب جبال الشامية في قرية الكسرات جنوبي الرقة".

وبسطت قوات سوريا الديمقراطية سيطرتها الكاملة على مدينة الرقة في الـ 17 من تشرين الأول 2017 بعد معارك طاحنة مع تنظيم داعش استمرت قرابة 100 يوم، وتشكلت المقابر الجماعية في المدينة خلال تلك المعارك، حيث لم يكن باستطاعة الأهالي دفن ذويهم الذين قتلوا جراء القصف والمعارك بين الطرفين في مقبرتي المدينة الأساسيتين بسبب الاشتباكات والغارات العنيفة، ودفنت الجثث في الحدائق العامة والمنتزهات والملاعب والبيوت.

البحث عن الأقارب في المقابر الجماعية..

قبل أن تبدأ معركة الرقة قرر زكريا شيخاني (37 عام) النزوح مع زوجته وأولاده إلى مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، وطلب من والده وشقيقته أن يذهبوا معه إلا أنهم رفضوا الخروج من بيوتهم وأصروا على البقاء.

 يشير شيخاني خلال حديثه إلى راديو روزنة عن محاولاته العديدة التي لم تفلح باقناع عائلته للخروج من المدينة؛ حيث يقول: "حاولت إخراجهم معي ولكن لم يقتنعوا، كانوا يعتقدون أن الرقة سيتم تسليمها بدون حرب، الكثير من الأهالي كان لديهم هذا الاعتقاد بأن تنظيم الدولة لن يتمكن من مقاومة التحالف الدولي وسينسحب، وتولد لديهم هذا الاعتقاد عندما بدأ التنظيم بإخراج عائلاته إلى دير الزور".
 
                   خريطة تفاعلية للمقابر الجماعية في الرقة

ويتابع: "بسبب انسحابات عائلات أفراد التنظيم؛ تشكلت القناعة لدى عائلتي بالبقاء لأن المدينة تبدو وكأنه سيتم تسليمها دون حرب، لكن للأسف حدث ما لم يكن بحسبانهم وقتلوا في غارة جوية لطيران التحالف الدولي في بداية شهر آب 2017".

ويضيف شيخاني "علمت (بمقتلهم) عندما كنت نازحاً من خلال منشور لإحدى الصفحات الإخبارية على "فيسبوك" أن أبي وشقيقتي وطفلتها الصغيرة قتلوا جراء قصف الطيران الأميركي، وبعد سيطرة "قسد" على الرقة عدت للبحث عن جثثهم تحت الأنقاض ولكن لم أجدها".

 إلا أن تكثيف بحثه بين المقابر الجماعية، استطاع العثور على جثثهم في مقبرة منتزه "البانوراما" الجماعية، ليقوم بدفنهم في مقبرة تل البيعة إلى جانب والدته، ويختم حديثه بالتنويه إلى القصص المأساوية الكثيرة في الرقة لعائلات لم تستطع إيجاد جثث ذويها لغاية اليوم.

لا تزال جثة نورا الحسين (85 عام) مدفونة حتى اليوم في حديقة باب بغداد شرقي مركز مدينة الرقة، يرفض أبناؤها استخراج جثتها من القبر كي لا ينتهكون حرمة قبر والدتهم، وفق قولهم.

وتروي أم ياسر (وهي الابنة الكبرى لـ نورا الحسين) كيف قتلت والدتها في الـ 12 حزيران 2017؛ عندما أصابتها شظية قذيفة مدفعية في عنقها، ما أدى لمقتلها على الفور، وتضيف قائلة لـ "روزنة": "بسبب شدة القصف والاشتباكات دفنا أمي على عجل في حديقة باب بغداد المقابلة لمنزلنا، كانوا أخوتي يحفرون القبر تحت القصف، وفي تلك الحديقة اعتادت أمي على التنزه طيلة سنوات عمرها التي عاشتها، وشاءت الأقدار أخيراً أن تكون هذه الحديقة مثواها الأخير".
 

بينما يتحدث الشاب وابصة الشيخ (25 عام) عن قصة معاناة عائلته في البحث عن جثتي كل من شقيقه ووالده؛ الذين حوصروا في الرقة صيف عام 2017، ولم يتمكنوا من اللحاق بباقي العائلة التي نزحت إلى منبج بريف حلب الشرقي.

يقول وابصة: "خرجنا على دفعتين، الأولى أنا وأخواتي وأمي، والدفعة الثانية كان من المفترض أن يلحق بنا أبي وأخي ومعهم بعض الأغراض اللازمة لرحلة النزوح، ولكن بعد خروجنا لم يتمكنوا من اللحاق بنا لأن التنظيم منعهم من الخروج، فالخروج من الرقة لمناطق سيطرة قسد كانت ممنوعة علينا، لأنها "دار كفر" كما كان عناصر التنظيم يقولون لنا، لذلك كان الناس ينزحون عن طريق التهريب".


قد يهمك: بعد توقفه لنحو عامين... مستشفى الرقة الوطني يعود للحياة مجدداً


ويتابع وابصة "بعد أن وصلنا منبج تواصل أبي وأخي معنا عبر الإنترنت، لم يكن هناك سوى بضع محلات إنترنت داخل المدينة حينها، وقالوا لنا إنهم يحاولون الخروج وسيكونون معنا خلال فترة قريبة، وبعد ذلك انقطعت الاتصالات معهم، وجاءنا الخبر أن بيتنا قصف وأبي وأخي ماتوا، وعندما عدنا إلى الرقة بحثت عن جثثهم تحت أنقاض البيت ولكن لم أجدها، وبحثنا في المقابر الجماعية وأبلغنا فريق الاستجابة الأولية بذلك؛ إلى أنه ولغاية اليوم لم نجدهم".

"16" مقبرة جماعية..

بحسب إحصائية حصلت عليها "روزنة" من فريق الاستجابة الأولية فإن الفريق أنهى استخراج الجثث من 16 مقبرة جماعية في المدينة وعلى أطرافها، ومن تحت أنقاض المباني والبيوت المدمرة.

وتقول الإحصائية إن 402 جثة تم انتشالها من مقبرة جماعية قرب صالة التاج للأفراح جنوبي الرقة، و 793 جثة من مقبرة منتزه البانوراما، وفي ساحة الجامع القديم الأثري عثر الفريق على94 جثة، وفي الحديقة البيضاء 33 جثة، وفي حديقة صغيرة في حارة النجارين شمالي الرقة انتشل الفريق 27 جثة.

 وفي فناء منزل عربي واسع في حارة البدو استخرج الفريق 41 جثة تعود لمالك المنزل فياض العكاري وعائلته وأقربائه، كذلك عثر على 5 جثث في حديقة الأطفال، وقرب باب بغداد الأثري كانت دفنت 9 جثث قام ذويهم بانتشالهم بعد الحرب لدفنهم في المقبرة الرئيسية في الرقة في منطقة تل البيعة.
 
 
وفي ملعب الرشيد وسط المدينة تم انتشال 550 جثة، بينما عثر على 35 جثة في حديقة قرب الفرن الآلي في حارة البدو، فيما اُستخرج 23 جثة في فناء منزل يعود للمواطن أحمد شهاب الذي قضى مع أسرته في قصف لطيران التحالف، وفي حديقة صغيرة في حارة البدو أيضاً انتشل الفريق 12 جثة، وبجانب مدرسة جواد أنزور اُنتشلت 19 جثة، وبالقرب من جامع بلال بن رباح في مفرق الجزرة تم استخراج 7 جثث.

وآخر المقابر الجماعية التي أنهى الفريق استخراج الجثث منها هي مقبرة البحوث الزراعية في قرية الفخيخة بريف الرقة الجنوبي، والتي تحتوي على جثث مقاتلين من تنظيم "داعش" الإرهابي و مدنيين قضوا في الحرب فضلا عن جثث مجهولة الهوية، وبلغ عدد الجثث التي استخرجت منها 637 جثة.

فيما لا يزال العمل جارياً على استخراج الجثث من مقبرة معسكر الطلائع بريف الرقة الجنوبي، في الوقت الذي انتشلت منها 132 جثة منها حتى الوقت الحالي.

 وبحسب قائد فريق الاستجابة الأولية فإنه لا يوجد عدد متوقع للجثث في هذه المقبرة؛ لكن التقديرات الأولية تشير إلى تواجد عدد جثث كبير، كذلك فإنه من المقرر أن ينتقل فريق الاستجابة بعد أن ينهي العمل في مقبرة معسكر الطلائع إلى مقبرة جماعية أخرى في حي بين الجسرين جنوبي مركز مدينة الرقة.

اقرأ المزيد