في يوم الحداد السنوي..الشركس يتخوفون من ضياع قوميتهم في بلدان اللجوء

في يوم الحداد السنوي..الشركس يتخوفون من ضياع قوميتهم في بلدان اللجوء
القصص ٢١ مايو ٢٠١٩

في 21 آيار من عام 1864 أعلنت القوات الروسية نهاية العمليات العسكرية في القوقاز لتنتهي معها 101 عام من الحرب دافع فيها الشركس عن وطنهم، و لتبدأ من بعدها قصة من أكبر مأسي الإنسانية هجر فيها أكثر من مليوني شركسي قضا ربعهم في دروب التهجير.


بدأت الحرب بين الشركس و الامبراطورية الروسية  في عام 1763 و انتهت عام 1864، أمضت خلالها القوات الشركسية أكثر من مئة عام في حرب دفاع عن أراضيها الاصلية، حينها هاجمت القوات الروسية بمشاركة القوات القزقية الأراضي الشركسية من أربعة محاور.

تذكر كتب المؤرخين أنه وبعد الهزيمة التي لحقت بالشركس و بدلاً عن الاستسلام رمى بعض المقاتلين أنفسهم من الجبال العالية.

و الشركس هم من الشعوب التي كانت تستوطن شمال القفقاس مابين بحر قزوين والبحر الأسود، وبعد الحرب عملت السلطات الروسية على تغيير ديمغرافي في المنطقة، وهجر أكثر من 90 بالمئة إلى البلقان و الأراضي العثمانية.

و قدر الدكتور محي الدين قندور في كتابه "دراسة في الحروب القفقاسية الروسية" أن نحو مليوني شخص هُجر نحو الدولة العثمانية آنذاك، وأن نحو نصف مليون شركسي قضوا على طريق الهجرة حيث غرقت سفنهم في البحر الأسود، فيما تشتت وجود الآخرين بسبب الهزيمة في الحرب و رحلات التبشير الدينية الاسلامية.
 

                                                                          صورة من مسير اليوم في مدينة نالتشك 

لماذا كان اللجوء لأوروبا وليس للجمهوريات الشركسية في شمال القوقاز؟

في  بدايات الحراك الثوري داخل البلاد اتجه السوريون الشركس نحو الجمهوريات الشركسية وخصوصا جمهورية كبردينو- بلقاريا، حيث بدأت حينها جمعية برت في عام 2012 والتي مقرها مدينة نالتشك بإصدار دعوات للراغبين بالعودة، وقدمت لهم الدعم المادي والمعنوي.

وقدمت لهذه المجوعة من العائدين التي لم تتجاوز ال 1500 شخص، المساعدة في تعبئة طلبات التقديم على الإقامة وغيرها من المعاملات الحكومية، وبعدها قامت جمعية برت بالتنسيق مع رئيس الجمهورية ارسين قانوقة أنذاك ومع الجمعية الشركسية العالمية في مدينة نالتشك واستقبلوا  ضمن فنادق المدينة لمدة ستة أشهر مدفوعة التكالبف، ومن ثم تم توزيع المنازل عن طريق القرعة على بعض العائدين، وكانت من تبرع بعض النشطاء و المقتدرين الشراكسة هناك.

هاجر (يحيى، أ) وهو شاب سوري من أصول شركسية إلى المانيا، ويقول:" زار دمشق وفد برلماني من الجمهوريات الشركسية في عهد رئيس روسيا الاتحادية ديمتري مدفيدف، ولكن مع الأسف المتنفذين في المجتمع الشركسي و الجمعية الشركسية الأم في دمشق لعبوا دوراً سلبياً في تلك الزيارة، ولم ينقلوا رغبة شريحة كبيرة من الشراكسة الراغبين بالخروج من لهيب الحرب السورية لوطنهم الام في شمال القوفاز، لذلك لم تقر حينها الحكومة الروسية بحق الشراكس الموجودين في سوريا بالعودة. ولم يكن هناك دور على الصعيد الحكومي للجمهوريات الشركسية التابعة للفدرالية الروسية للمساعدة في أي تسهيلات أو اجراءات تساعد العائدين، بل اقتصرت جميع المساعدات على المجتمع المحلي في الجمهوريات وعلى الناشطين الشراكسة  والجمعيات غير الحكومية مثل جمعية برت، التي بدأت بمساعدة العائدين وتلتها جمعية جوك،  دون أن يمنحوا صفة اللاجئين". 

ومع استمرار الكارثة السورية ودخولها في العام الخامس، لم تعد الجمعيات ولا النشطاء الشراكسة قادرين على تحمل تداعيات هذه الكارثة المتسارعة، وأتيحت في عام 2015 الفرصة للسورين وبينهم الشراكسة فرصة اللجوء إلى أوروبا.

الدنمارك كانت خيار (نارت، ك)، يوضح سبب هجرته إليها:"الواقع في هذه الجمهوريات ليس بأفضل حال، قررت اللجوء إلى الدنمارك لاتمكن من بناء مستقبل جديد بعد خساراتي في سوريا لعملي وحياتي".

ويوافق يحيى وجهة النظر هذه قائلاً: "إن وجود برامج حكومية في الدول الاوربية التي تقدم مساعدات للاجئين، وتتيح لهم الفرصة ليتعلموا اللغة وتساعدهم في إيجاد فرص عمل تمكنهم من الاستقرار والاندماج لعب دوراً مهماُ في جذب الباحثين عن مكان آمن لهم مقارنة مع روسيا الاتحادية، والتي لا تتوفر فيها مثل هذه البرامج فضلاً،عن أنها تعاني أصلاً من مشاكل اقتصادية وضعف فرص العمل عموماً وخصوصاً في جمهوريات شمال القوقاز".

الاندماج في أوروبا يهدد الهوية الشركسية  

يفترض يحيى أن الهوية والثقافة الشركسية تشتت ولعدة مرات بسبب الهجرات المتعددة، وأن عدداً كبيراً من الشراكسة في المهجر أضاع لغتهم الأم.

قبل بدأ موجة اللجوء إلى أوروبا توزع الشركس بعد التهجير القسري الذي تعرضوا له ما بين سوريا و الأردن و لبنان ومصر. وفي سوريا توزعو بشكل رئيسي بين دمشق و القنيطرة و حمص وحلب، كما قطن بعض منهم في  الجزيرة السورية.

ويكمن التحدي اليوم للاجئين الشركس في الانصهار ضمن المجتمعات الاوروبية وتعلم لغات البلدان الجديدة، وحسب يحيى فإن تشتت أماكن الاقامة هو أبرز هذه التحديات، حيث لم يعد استخدام اللغة الشركسية ممكناً في ظل هذا التوزع لجغرافي بين العائلات في المدن و البلدان الاوربية، وهو الامر الذي أثر على ممارسة العادات والتقاليد.

 وجود جمعيات شركسية ثقافية في بعض البلدان الاوربية مثل ألمانيا، هولندا وبلجيكا لم يمكن العديد من العائلات والشبان من التواصل بشكل مستمر و منتظم بسبب بعد المسافات وارتفاع تكاليف المواصلات.

                                                                                     صورة من لقاء برلين

يحاول اللاجؤون الشركس التجمع ضمن المدن الجديدة التي ينتقلون اليها، كما أسسوا عدداً من الجمعيات الصغيرة في هذه البلدان، يعلمون فيه الاطفال اللغة والثقافة الشركسية.ويرعى اتحاد الجمعيات الشركسية في أوروبا و الذي يتخذ من المانيا مقرا له ، لقاءاً سنوياً بين اللاجئين يقام كل عام في مدينة مختلفة حيث تتواجد هذه الجمعيات الشركسية.

 ويشير يحيى في حديثه إلى تسجيل جمعية شركسية في جنوب السويد، وقيام بعض من الشراكسة المقيمين في استوكهولم بتأسيس مجموعة سموها "أديغة ونه" حيث تجري اجراءات التسجيل القانونية لها.وتم انشاء جمعية أخرى كذلك في فنلندا.

والجدير بالذكر انه وبعد التداعيات التي مر بها الشراكسة في سوريا، ولدت في عام 2014 منظمة شركسية عالمية تدعى" المنظمة الشركسية للعودة " مقرها الرئيسي في كندا.وتهدف هذه الجمعية إلى الاهتمام بالشراكسة في كل مكان.

وعقد في مدينة نورنبرغ الالمانية أول مؤتمر دولي شركسي بمشاركة الشراكسة من الوطن الأم والمهجر في شهر ايلول من عام 2018  تحت عنوان "ماذا يربطنا"، ومن المفترض أن يعقد المؤتمر الثاني المؤتمر هذا العام في شهر تشرين الأول القادم. 

و​ يتراوح عدد الشركس في العالم من 8 -10 ملايين نسمة في العالم، أغلبيتهم في المهجر، فيما يقيم في تركيا نحو6 ملايين نسمة، أما في الوطن الأم فلم يبق منهم ما يزيد عن 500 - 600 الف نسمة.و توطنوا مع القرن التاسع عشر في سورية و الأردن ومصر و العراق.

رحلات تهجيرهم شهدت قصصاً من الموت الذي لم يدونه المؤرخون إلا القليل منهم و بعض المتعاطفين امثال الكسندر بوشكين، والذي تعاطف مع محنة الشركس و برزت قضيتهم في بعض كتاباته.

 بررت روسيا احتلالها لهذه الأراضي بتوقيع معاهدة مع العثمانيين والمعروفة باسم "كيتشوك كاينارجي" وهي معاهدة سلام بين روسيا والدولة العثمانية وقعت في 21 يوليو 1774، و نصت المادة 21 فيها على أن" القباردتان الكبرى و الصغرى وبسبب جوارهما  ، يجب أن تصبح هذه البلدان خاضعة للبلاط الإمبراطوري الروسي".

و​ يقول الصحفي مازن بيرم  في حديثه لروزنة " منذ انهيار الاتحاد السوفيتي و انفتاح الشركس المقيمين في الوطن الأم في شمال القفقاس ، بدأت الجمعيات والمؤسسات القومية بالتشكل داخل روسيا".

و حسب الصحفي مازن بيرم "الدولة الروسية لا زالت مطالبة بالاعتراف بـ التهجير الذي حصل للشركس، وهو الأمر الذي يمكن أن يساعد أحفاد اولئك الذين هُجروا بالعودة الى الوطن و يحفظ لهم حق العودة، و أن كل المحاولات للحفاظ على الهوية القومية في الشتات مصيرها للفشل، لأن القوميات الكبيرة في ظل العولمة لا تترك المجال أمام القوميات الصغيرة، ولذلك لن تقوم لهم قائمة إلا في الموطن الأصلي".

وأشار الصحفي بيرم أن روسيا لازالت لليوم تقوم بالتعتيم على مطالبات الجمعيات والحركات القومية المعنية باعادة الاعتبار لأحفاد الشركس المهجرين، و لا تبدي أي تعاطف تجاه هذه القضية.