الطقوس الرمضانية حلم السوري المفقود في زمن الحرب!

الطقوس الرمضانية حلم السوري المفقود في زمن الحرب!
الطقوس الرمضانية حلم السوري المفقود في زمن الحرب!
rozana

القصص |٠٧ مايو ٢٠١٩

تنعدم الطقوس الرمضانية في معظم المحافظات السورية، لأسباب عدة، أبرزها فقدان الأجواء العائلية، إما بسبب القصف والمعارك، أو نتيجة الاغتراب هرباً من الحرب، أو بسبب النزوح،  فضلاً عن ارتفاع ملحوظ في الأسعار، ساهم في انخفاض الحركة الشرائية.

 
دمشق.. لمة العائلة في رمضان على الواتس آب
 
في دمشق تغيرت أجواء شهر رمضان عما مضى، وخاصة فيما يتعلق بالأجواء العائلية، إذ نزح واغترب من كل عائلة ما لا يقل عن فرد واحد، ليعيش من تبقى في سوريا وحيداً على الذكريات، أو مجتمعاً مع أقاربه على وسائل التواصل الاجتماعي في الانترنت.
 
في حي الزاهرة في دمشق يجلس أبو عدنان الستيني إلى جانب زوجته على مائدة الطعام، بانتظار أذان المغرب للبدء بتناول طعام الإفطار.
 
ما إن يسمعا صوت الأذان حتى يتناول أبو عدنان كأساً من المياه الباردة، فيما تضع زوجته نظارتها على عينيها متفحصة جوالها قائلةً: "لي ثلاثة أولاد كنا ننتظر الإفطار لنجتمع، الآن جميعهم مجتمعون هنا،ممسكة بيدها الجوال، من هنا أسمع صوتهم وأرى صورهم، نجتمع على الواتساب، ليصبح طقس رمضان مجموعة من الصور والتسجيلات الصوتية التي نتناقلها بين بعضنا".
 
 
عند سؤال "روزنة" أبو عدنان ما الذي تغير بين رمضان هذا العام والأعوام السابقة، يفكر قليلاً ويقول: "الوحدة، فرمضان هذا العام والعام الفائت، كان مليئاً بالوحدة، الوحدة تزداد في هذا الشهر الكريم".
 
يتابع أبو عدنان "ربما أراد الله أن نشعر بصعوبة الوحدة، لذلك حتى إذا أردنا أن نتواصل على الجوال جميعاً، يكون هناك اختلافاً في التوقيت، فأولادي في فرنسا يفطرون بعدنا بنحو ثلاث ساعات، اختلفت أنماط حياتنا وتفاعلنا مع الشهر الكريم، لم يبق من طقوس رمضان إلا الذكريات التي تعيش في رؤوسنا ونحن إليها".
 

 
رغم الهدوء النسبي الذي تعيشه العاصمة دمشق بسبب  انتهاء العمليات العسكرية في محيطها، إلا أن غلاء الأسعار يلتهم جيوب القاطنين فيها.
 
العديد من الأصناف الأساسية كانت حاضرة على موائد السوريين في دمشق سابقاً، أما اليوم اللحوم غابت عن معظم الموائد بعدما وصل سعر الكيلو إلى 8000 ليرة، بزيادة ألفي ليرة عن الأسبوع الماضي الذي سبق رمضان.
 
وشهدت أسواق العاصمة حركة تسوق متواضعة بحسب عدد من التجار الذين التقت بهم "روزنة"، حيث اشتكى التجار من ضعف الحركة الشرائية مقارنة مع أيام رمضان خلال السنوات الماضية
 
عماد يعمل في أحد أسواق البزورية التي يقصدها القاطنين في العاصمة للتسوق لموائد رمضان قال لـ"روزنة": حركة السوق الخفيفة التي تشهدها الأسواق لم يأت علينا مثلها منذ أكثر  من خمسة وعشرين عاماً، منذ أيام الثمانينات".
 
وأضاف، " لكن الفرق بين الزمن الحالي وتلك المرحلة أنه كان هنالك العديد من المنتجات مفقودة نتيجة الحصار في تلك الفترة، الآن معظم المنتجات متوفرة ولكن النقود هي التي فقدت من جيوب الناس، معظم الناس تعاين المتنتجات وتفاضل بينها وتأخذ الضرورية منها بسبب ضيق الحال"
 
غياب الزينة عن الشوارع الدمشقية
 
في حارات دمشق القديمة غابت الزينة عن معظم الشوارع، كما غابت عادة  الدمشقيين في كتابة اللافتات التي ترحب برمضان وتتمنى صياماً مقبولاً.
 
لم تزين الحارات في هذا العام كما المعتاد، بسبب عدم القدرة الاقتصادية للأهالي وامتلاء قلوب الناس بالمآسي، بحسب الناس الذين التقى بهم "روزنة".

اقرأ أيضاً:  "سامحهم هالشهر"...سوريون يدعون للتنازل عن الإيجارات في رمضان

كما  يغيب المسحراتي عن العديد من الحارات في  مناطق باب الجابية وباب مصلى، بحجة عدم الحصول على موافقات من وزارة الأوقاف، إذ تشترط وزارة الأوقاف على مسحراتي رمضان الحصول على موافقة منها، حيث يتم رفع الأسماء للمفارز الأمنية المسؤولة في تلك الأحياء، حيث بدأت هذه الظاهرة بالانقراض في العديد من الأحياء الدمشقية.
 
الغائب الأكبر عن طقوس رمضان هذا العام هي التبرعات التي يقدمها الميسورون وبعض الجمعيات الخيرية إلى المحتاجين، حيث امتنعت العديد من الجمعيات عن تقديم معونات رمضان للمحتاجين بسبب عدم وجود ميزانية كافية، في حين اقتصرت بعض الجمعيات على إقامة موائد إفطار مخصصة لعدد محدد وليس للعامة كما كان الحال في السنوات السابقة.
 
كذلك في طرطوس
 
لا وجود للطقوس الرمضانية المعتادة في أسواق محافظة طرطوس هذا العام، إذ يلاحظ غياب الزينة والاحتفالات والخيم الرمضانية على الكورنيش البحري، في ظل ارتفاع الأسعار للضعف وغياب تام للرقابة الحكومية من قبل النظام على التجار، بحسب كرم شاهين مراسل روزنة في طرطوس.
 
تنظر "فاطمة" إلى شهر رمضان على أنه شهر المسؤوليات الكثيرة ومتطلبات العائلة التي لا تنتهي، تقول لـ"روزنة": "أنا ربة منزل وأم لثلاثة صبية أكبرهم يساعدني في تأمين مصروف البيت بعد إصابة زوجي بشلل منذ ثلاث سنوات".
 
وتضيف قائلة: "أصبحت أحمل هم الشهر الفضيل وكيفية تلبية جميع متطلبات العائلة في ظل الغلاء الجنوني الذي يضرب الأسواق في رمضان، كل شيء يزيد ضعف ثمنه لا بل أكثر حتى على مستوى الكروسان المفضل كوجبة سحور لأولادي، والذي أصبح ثمن القطعة منه 200 ليرة، بينما كان يباع العام الماضي بـ 100 ليرة، وقبل أعوام بعشر ليرات".
 
 بعض التجار يرى أن ارتفاع أسعار صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي يساهم في غلاء أسعار المواد في الأسواق، لكن الأهالي يقولون أن التجار يستغلون هذا الأمر لمضاعفة الأسعار.
 
يقول أبو محمد صاحب أحد محال الخضار لـ"روزنة" : "المواصلات ونقل الخضار لمسافات طويلة ودفع إيجار الشحن والجمارك تساهم في رفع الأسعار خاصة في رمضان حيث يزيد الطلب على المواد وليس بيد البائع سداد كل تلك الفواتير دائماَ (فالحال على قدها)".
 
يؤكد علي صاحب أحد المطاعم لـ"روزنة": أن "هناك شح واضح في استثمار أي مشروع رمضاني هذه السنة، حيث  كانت الخيم الرمضانية تمتد سنوياً على طول الكورنيش البحري، وكنا نشهد منافسة في تقديم كل ماهو جديد فيها من عروض ومسابقات كل في ظل الأزمة،  لكننا الآن نشهد أزمة من نوع آخر ".
 
أهالي الرقة يستقبلون رمضان بذكريات الحرب والفقد
 
تستذكر الحاجة أم ساجد بحسرة ولوعة أيام شهر رمضان ما قبل الحرب، حينما كانت تجلس هي وزوجها وأبناؤها الثلاثة وزوجاتهم وابنتها وأحفادها على سفرة واحدة في فناء البيت العربي الواسع، قرب شجرة الليمون ينتظرون صوت مؤذن جامع حي الثكنة بمدينة الرقة لتناول الإفطار.
 
           
اليوم لم يتبقَ أحد يشارك الحاجة أم ساجد ،61 سنة، الإفطار في رمضان، سوى ابنتها شهد، 25 سنة، أبناؤها فروا من الرقة إلى تركيا وأوروبا بعد سيطرة تنظيم داعش على المدينة بداية عام 2014، وزوجها قتل في غارة جوية لطيران التحالف الدولي خلال حملة انتزاع السيطرة على مدينة الرقة من تنظيم داعش عام 2017.
 
وتقول أم ساجد لـ"روزنة": "فرحة رمضان هي جمعة العائلة على سفرة الفطور عند الغروب، نحن حُرمنا من هذه الجمعة، وكثير من العائلات بالرقة حُرموا مثلنا، هناك من سافر وهاجر، وهناك من قتل بالقصف والطيران والألغام، وبيوت كانت عامرة أصبحت كومة ركام".
 
ولشهر رمضان طقوس دينية واجتماعية خاصة عند أهالي الرقة، يقول فواز الرومي ،38 سنة ، "إن قراءة القرآن وصلاة التراويح والصدقات هي أهم العبادات التي يواظب عليها كل عام، والتراحم بين الأهالي والجيران هو من طقوس رمضان الجميلة، حيث ترسل الأم ابنها حاملاً "سكبة" للجيران، فيعود محملاً بطبق شهي آخر منهم".
 
 
ويتابع فواز "من الأكلات التي لا يمكن الاستغناء عنها في رمضان هي "المعروك" بطبيعة الحال، حيث تجد الازدحام الكبير أمام أفران بيع المعروك قبيل أذان المغرب، كذلك العصائر الشعبية مثل العرقسوس والتمر الهندي وقمر الدين تكون حاضرة بقوة على المائدة الرمضانية".
 
ورغم الدمار الكبير الذي حل بمدينة الرقة بعد طرد تنظيم داعش منها، يتوفر في  أسواق المدينة كل شيء من المواد الغذائية والبضائع، مع ارتفاع بالأسعار بسبب عدم استقرار سعر صرف الدولار الأميركي أمام الليرة السورية،  بحسب ما أفاد "روزنة" مسعود شعيب ،55 سنة،  وهو تاجر مواد غذائية من الرقة.

 يشير شعيب إلى أن الإقبال على شراء حاجيات شهر رمضان من الأهالي ليس كما كان في السنوات السابقة، ويرجع ذلك إلى ضعف القدرة الشرائية لدى نسبة كبيرة من أهالي الرقة نتيجة البطالة وعدم توفر فرص العمل.
 
 
ويقول مسعود شعيب: "الضرائب الجمركية الباهظة التي تفرضها علينا الإدارة الذاتية تسببت أيضاً بارتفاع الأسعار، الأمر الذي أثّر سلباً على المستهلك أكثر من التاجر، وبالنسبة للمواد الغذائية فهي متوفرة بالسوق بكثرة، وغالبيتها تستورد اليوم من كردستان العراق، وقسم آخر من تركيا عن طريق مناطق سيطرة الجيش الحر، وقليلة جداً البضائع التي تأتي من مناطق سيطرة النظام السوري".
 
المعاناة نفسها في القامشلي
 
تشهد أسواق مدينة القامشلي إقبالاً لافتاً على شراء احتياجات و مستلزمات شهر رمضان، في ظل  ارتفاع الأسعار وعدم وجود الرقابة،  مايزيد من معاناة السوريين في هذا الشهر وخاصة أولئك الذين لا يملكون القدرة الشرائية  .
 
 ايفان حسين ، من أهالي مدينة القامشلي يقول لـ"روزنة" : " بأن هناك ارتفاعاً في أسعار المواد الغذائية، وفي أغلب الأحيان لا يمكن تأمين كامل هذه الاحتياجات لدى أغلب شرائح المجتمع  بسبب الراتب القليل الذي يتقاضاه الموظف الحكومي ".
 
وتابع: "التجار دائماً وقبل كل مناسبة يحتكرون السوق ويرفعون الأسعار بحجة ارتفاع أسعار الدولار ويتطلب من الجهات المسؤولة ضبط الأسعار وتوحيدها".
 
 
عبد الرؤوف موسى العزو صاحب محل مواد غذائية أوضح لـ"روزنة":  " أن ارتفاع أسعار البضائع مرتبط بارتفاع سعر الدولار الأمريكي ، لأن المواد الغذائية التي تأتي الى القامشلي بالدولار".
 
وأشار إلى أن "أجور النقل باهظة الثمن، إضافة إلى الضرائب التي تفرضها الجهات المسؤولة على البضائع، لذلك نكون مجبورين في تحديد أسعار عالية،  ورغم ذلك هناك إقبال على شراء المواد من قبل الأهالي تحضيراً للشهر الفضيل ".
 
في حلب كيف تغيّرت المائدة الرمضانية؟
 
خلال سنوات الماضية تغيّرت المائدة الرمضانية في حلب، إذ كانت تتمتع بتنوع المأكولات الشهية، ومختلف أنواع العصائر، كما يتم تبادل الوجبات "السكب" بين الجيران ما يزيدها غنى، الأمر الامر الذي اختلف حاليأً وأضحت المائدة تحتوي على ما يسد رمق العيش فقط، بسبب ارتفاع الأسعار.
 
عبدالهادي أبو قاسم أحد أبناء ريف حلب الجنوبي قال لـ"روزنة"، إن الموائد الرمضانية اختلفت كثيراً عن سابقها، إذ كانت موائدنا تحتوي على  الكثير من المأكولات والمشروبات الشهية، وبخاصة  التبولة والتمر هندي والسوس والجلاب بشكل دائم".
 
أيضاً تتميز الأجواء الرمضانية الحلبية بزيارة الأهل والأقارب في المدينة والأحياء المجاورة، كما اعتاد المتخاصمون على الصلح مع قدوم رمضان، وتكثر الدعوات للإفطار في المساجد في شهر رمضان، فتجد على المائدة الكبير والصغير، القريب والغريب.
 
أما في السنوات الماضية فتغيرت بعض العادات، بعد أن أصبحت الأحوال  المادية سيئة بعض الشيء بفعل القصف والتهجير.
 
 
 شارك في التقرير كلاً من : كرم شاهين، عبد الله الخلف، مهند البكور، حسن حسين، كرم منصور، إيمان حمراوي