من إدلب إلى حماة... رحلة 3 أيام من أجل 80 دولار!

من إدلب إلى حماة... رحلة 3 أيام من أجل 80 دولار!
من إدلب إلى حماة... رحلة 3 أيام من أجل 80 دولار!
Rozana

القصص | ٠٢ أبريل ٢٠١٩
 
بدأت معاناة موظفي القطاع العام في سوريا تتفاقم بصورة كبيرة؛ بعد اندلاع الثورة السورية وتحولها إلى حرب دامية دمرت ‏قطاعات الإنتاج وهبطت بقيمة الليرة السورية إلى مستويات قياسية أدت إلى ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية أمام مرتبات الموظفين.

إلا أن الأمر لم يقف عند قلة مرتب الموظفين وحسب؛ فبعد سيطرة قوات المعارضة على مدينة إدلب أصبح على الموظف تحمل مشقة السفر إلى محافظة حلب ثم الى محافظة حماة، ليجلب راتبه الذي يتبخر نصفه، بين المواصلات ودفع الأتاوات والضرائب لحواجز النظام المنتشرة على الطريق هناك.

يتوجه "عبدالرحيم" (اسم مستعار) 46 عام من ريف إدلب، منذ بزوغ الفجر إلى وسط مدينة سلقين "في ريف إدلب الغربي"، للالتحاق بزملائه لتقاضي راتبه المعلق منذ ثلاثة أشهر.

25 موظف في الباص..

يقول "عبدالرحيم" لـ روزنة: "مع حلول الشهر الثالث يجب علي أن أذهب لأستلم راتبي من محافظة حماة، وباعتبار المواصلات تكون جائرة جداً علينا فكان الحل الوحيد هو الذهاب بـ الباص، رغم كبر سنه وضعف قدرته على مجاراة سيارات النقل الخاصة لكن أجرته المعقولة نوعاً ما؛ تضطرنا إلى الذهاب به، فأجرة سيارات النقل تتجاوز الـ70 ألف ليرة سورية ذهاباً وإيابا، بينما الباص تكون أجرة النقل خلاله 40 ألف ليرة ذهاباً وإيابا".

ويتابع القول "مع إطلالة الفجر نتجه للتجمع وسط المدينة فالباص لا يستطيع الدخول إلى الأحياء لجمع الموظفين، ينطلق الباص حين وصول الركاب الذي يبلغ عددهم اكثر من 25 موظفا وموظفة، تراهم يحملون حقيبة صغيرة قد تظن أنهم مسافرين دون عودة، لكن سرعان ما تكتشف أنهم يضعون بداخلها قوت سفرهم إضافةً إلى غطاءً لهم كي لا يشعروا بالبرد أثناء السفر على اعتبار أنه لا يوجد تكييف ضمن الباص".

و تغيب الإحصائية الدقيقة لعدد الموظفين التابعين للدوائر العامة التي تسيطر عليها حكومة النظام؛ القاطنين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية، حيث يضطر بعض الموظفين كـ المعلمين؛ لجلب وثيقة "قائم على رأس عمله"، كي يحصل على راتبه، بينما لا يحتاج موظفي قطاعات الكهرباء و الخدمات و المياه؛ أو القطاعات الطبية إلى دوام رسمي، و ذلك لعدم وجود مبان خاصة لهم؛ بعد سيطرة قوات المعارضة على كامل محافظة إدلب و أجزاء من ريف حماة.

هذا ويلتزم النظام السوري بدفع المستحقات الشهرية لموظفي الدولة، حتى وإن كانوا خارج أماكن سيطرته أو ليسوا على رأس عملهم، من أجل تثبيت شرعيته لدى هيئة الأمم المتحدة.

رحلة الحواجز!

يمر الموظف في رحلته الشاقة أثناء جلب الراتب بعدد هائل من الحواجز قد يفوق عددها الـ"70" حاجزا، فيتنقل بين حواجز هيئة تحرير الشام ومن ثم قوات "درع الفرات" إلى أن يصل إلى حواجز قوات سوريا الديمقراطية "قسد"؛ وختاماً تأتي حواجز قوات النظام السوري، حيث يلفت عبدالرحيم خلال حديثه إلى أن بداية طريقهم من محافظة إدلب إلى ريف محافظة حلب تكون حواجز هيئة تحرير الشام التي وضعت حديثاً، و التي تكتفي بسؤالهم عن الجهة التي أتوا منها وكذلك الجهة التي يقصدونها، إضافة إلى التدقيق على اللباس الشرعي الخاص بالنساء أحياناً.

وعند مدينة عفرين "في ريف حلب" يستوقفهم الحاجز الذي يتبع لـ قوات "درع الفرات"، و الذي يأخذ من سائق الباص مبلغ ألف ليرة عن كل شخص، فضلا عن الانتظار لمدة ساعتين "على أقل تقدير" من أجل الحصول على إذن الخروج من مدينة عفرين.

اقرأ أيضاً:وفد من حكومة الإنقاذ يهدد طلاب جامعة حلب الحرة بالترحيل بالباصات الخضر

ويضيف عبدالرحيم: "بعد خروجنا من مدينة عفرين نصل أولى حواجز مدينة منبج؛ التابعة لـ "قسد"، حيث يتم تحويلنا الى ساحة كبيرة تسمى ساحة (الترفيق)، ويتم إنزال جميع الركاب والسائقين مع أغراضهم واصطفافهم ضمن سياج حديدي ضيق؛ وأخذ الهويات الشخصية من أجل ما يسمى بـ (التفييش)، وبعدها نعود إلى الباص حتى تتجمع 50 سيارة يسمح لنا بالانطلاق، وغالباً نبقى بالباص مدة تتجاوز الـ 8 ساعات حتى يتم تجميع السيارات ليصبح عددهم 50 وأحياناً ليلة بأكملها؛ قبل المسير بدقائق يأتي موظف الترفيق للسائقين ويأخذ منهم ضريبة مالية بقيمة 2000 ليرة على الراكب الواحد، ومن ثم يأتي جابي البلدية ويأخذ مبلغ 500 ليرة على الشخص الواحد من السائقين أيضاً بضريبة تسمى (دعم البلدية)".

ماذا عن حواجز النظام؟

وأما عن الحواجز التي تنصبها القوات التابعة للنظام؛ يلفت "عبد الرحيم" أنه وبعد انتهائهم من حواجز "قسد" تأتي حواجز قوات النظام التي تزيد عن "50" حاجز، والتي تنقسم إلى حواجز صغيرة متعددة؛ و أربعة حواجز رئيسية؛ أولها يكون حاجز يسمى بـ "كابر صغير".

ويتحدث عن معاناة الموظفين على ذلك بالحاجز بالقول: "يتم إنزال جميع الركاب والسائقين في ساحة كبيرة وأخذ الهويات وتفتيش دقيق للأغراض، نبقى في تلك الساحة ما يزيد عن 5 ساعات متواصلة حتى يتم الإنتهاء من رتل السيارات والباصات القادم من عفرين والمكون من 50 سيارة وباص؛ وبعد أكثر من 2 كم يأتي حاجز "الجوية" نبقى ضمن الباص مدة تتجاوز الثلاثة ساعات؛ حتى يقوم السائق أخذ الهويات من أجل "التفييش" إضافة إلى دفع مبلغ وقدره ألفي ليرة على الراكب الواحد".

ويتابع وصف المعاناة "بين تلك الحواجز- هناك حواجز صغيرة- يزيد عددها عن" 30 " حاجز تستوقفنا لتأخذ من السائق 500 ليرة على كل شخص، حتى نصل حاجز يسمى "حاجز خناصر"؛ يتم إنزال الركاب وإدخالهم إلى غرفة صغيرة؛ ليتم التفييش بما يسمى "تفييش رباعي" أي (فرع الأمن العسكري والجوي والسياسي وفرع فلسطين)، لنصل بعدها إلى أبواب مدينة حلب حيث تكون الساعة قد تجاوزت الثانية عشر ليلاً مما يجبرنا النوم ضمن الباص حتى بزوغ الفجر لنعاود الانطلاق مجدداً".

قد يهمك:ادلب: المؤتمر السوري العام للثورة.. حيثيات اطلاقه وأبرز مخرجاته

ويكمل "عبدالرحيم" حديثه لـ روزنة: "نخرج من أطراف مدينة حلب متجهين إلى محافظة حماة، يستوقفنا أكثر من عشرين حاجز يكتفون بالتدقيق على أسماء الركاب، حتى نصل إلى حاجز قرب مدينة حماة وهو حاجز كبير جداً، يتم تسجيل أسماء الركاب على كمبيوتر محمول و إعطاء رقم لكل شخص من أجل التدقيق به عند العودة، و نبقى على الحاجز مايقارب الـ3 ساعات تقريباً حتى يأمر الضابط المسؤول عن الحاجز بالمسير".

معاناة الرحلة الطويلة لا تنتهي عند وصول الموظفين من إدلب إلى أبواب مدينة حماة؛ حيث يعتبر "عبد الرحيم" أن لحظات التوتر والرعب التي عايشوها على طريق الحواجز الطويل لا تنتهي، فهناك رعب أكبر ينتظرهم في مدينة حماة.

فبعد دخولهم مدينة حماة لا يُسمح للباص الذي نقلهم طيلة طريقهم من إدلب؛ بالدخول إلى المدينة، ما يضطرهم إلى التنقل بـ مركبات النقل الداخلي أو سيارات الأجرة الخاصة؛ كي يصلوا إلى المراكز المعتمدة من قبل "دوائر الدولة" لاستلام الراتب.

ويردف متابعا: "في الطريق يستوقفنا عدد من الحواجز التابعة لـ اللجان الشعبية وأغلبهم من محافظة إدلب، أحدهم يحمل بين يديه لوائح كبيرة تحمل أسماء عوائل معارضة من محافظة إدلب، إذ يتعرفون على إسم العائلة (الكنية) للتأكد من عدم وجود أقرباء معارضين ضمن الحافلة، و إن تم التعرف على اسم عائلة معارضة؛ يتم أخذ صاحب الكنية إلى التحقيق الداخلي حتى يثبت أنه بريء من أفعال أقربائه".

بعد كل تلك الإجراءات الدقيقة يصل كل شخص إلى المركز المعتمد لديه لاستلام الراتب؛ وحين دخولهم إلى المركز يتم أخذ الهويات واعطائهم إلى ما يسمى بـ "الأمن الداخلي"، والذي بدوره يقوم بالتفتيش ضمن لوائح المطلوبين من التقارير المقدمة إليهم.

ويضيف في السياق ذاته؛ مكملا حديثه: "بعد استلام الراتب نقف بنتظار سيارات النقل الداخلي حتى نصل إلى الباص الذي وضع في مدخل المدينة، إلا أنه و عند وقوفنا تأتي دوريات الشرطة العسكرية للتأكد من عمر الرجال فمن كان دون سن ال43 ، يأخذونه الى شعبة التجنيد باستثناء الوحيد لوالديه".

الولاء لـ "لقمة العيش"..

طريق الإياب لا يختلف عن مشقة طريق الذهاب الممتلىء بالحواجز المتعددة الرايات، و يصف "عبد الرحيم" مدى هزالة ما كانوا يسعون إليه؛ فيقول "ليت بعد كل هذا العناء يكفيني وعائلتي هذا الراتب الهزيل الذي تبخر برحلة بائسة ومرعبة استمرت ثلاثة أيام".

و يضيف متحدثا عن طريق العودة "بعد أن ننتهي من استلام رواتبنا ونعود إلى مكان الباص نتجه في طريقنا للعودة إلى محافظة إدلب، نمر على ذات الحواجز، و نقف مدة صغيرة تتجاوز الخمس دقائق على كل حاجز للتدقيق بالأسماء مجدداً، حتى نصل إلى مدينة منبج؛ ليرافقنا عدد من عناصر الحاجز هناك، حتى نخرج من المدينة ونصل مدينة عفرين، حيث يسمح لنا بالتوقف لدقائق في إحدى الاستراحات ومن ثم ننطلق متجهين إلى مدينة سلقين بريف ادلب".

اقرأ أيضاً:إدلب.. الموسيقى في خطر.. عازفون بلا آلات وحرفيون ملاحقون (فيديو)

يقارن "عبدالرحيم" الوضع السابق للموظف بوضعه الحالي، بالقول: "هذه الشريحة من المجتمع كانت قد برمجت حياتها على أسلوب معيشي معين، ففي نهاية كل شهر لديه مبلغ محدد ينتظره، وكان يشعره بالأمان الاقتصادي ورغم كثرة شكواه حول ضعف الراتب الذي يحصل عليه؛ إلا أنه بنى كل احتياجاته على ذلك؛ أما الان في ظل هذه الحرب؛ ومع صعوبة الحصول على معاشه الشهري أصبح يتخبط فهو لن يحصل عليه إلا بعد أشهر وعليه تجاوز العشرات من الحواجز المختلفة وخلف كل سؤال يوجه إليه اتهام ضمني بالولاء للطرف الآخر وبالحقيقة الولاء للقمة عيشه فقط".

ويختم بالقول: "بالنسبة لي قد استلمت مستحقاتي عن ثلاثة شهور جمعاً يكونوا 90 ألف ليرة ما يوازي الـ 180 دولار أميركي، أدفع منهم 40 ألف ليرة أجرة المواصلات ضمن الباص، ودفعت مسبقاُ ما يقارب 5 آلاف ليرة مواصلات داخلية وطعام وشراب في الاستراحات، وخمسة الاف اخرى اتصالات وحلويات لعائلتي؛ جمعاً يكونوا 50 ألف (100دولار)، لتبقى 40 ألف (80 دولار) هي قيمة عملي لمدة 3 اشهر في إحدى مدارس مدينة سلقين".

ومن الجدير ذكره بحسب متابعين فإن التضييق الذي يفرضه النظام على الموظفين في طريق استلامهم للرواتب؛ فإنهم يعزونه لتهرب النظام من المستحقات المالية التي يحق لهم الحصول عليها في نهاية كل شهر، أما عن المناطق الخارجة عن سيطرة النظام فيعتبرون التضييق على المسافرين هو "مصدر رزق" تستغلها الحواجز في تلك المناطق؛ حالها كحال الحواجز التابعة للنظام السوري.