ختام وخطيئة الحصول على الجنسية اللبنانية

باريس
ختام وخطيئة الحصول على الجنسية اللبنانية
ختام وخطيئة الحصول على الجنسية اللبنانية
Rozana

القصص |١٤ فبراير ٢٠١٩

تجلس ختام في منزلها الصغير محتارة بين أن تحزم حقائبها أو تجد طريقة سحرية توصلها إلى طوق نجاتها للبقاء في السويد، بعدما صدر قرار دائرة الهجرة بترحيلها وابنتها إلى لبنان.


هاجرت ختام مرتين، كانت الأولى باتجاه الخليج العربي، والثانية نحو أوروبا، وفي كلتا الوجهتين كان دافعها هو البحث عن حياة أفضل كامرأة مستقلة.
 تقول ختام: "كنت بحاجة إلى أن أجد نفسي و أن أواجه خياراتي في الحياة وطموحاتي، وأن أعيش أهم تحدٍ كسيدة آنذاك، وهو أن أسس لنفسي المجال العملي".

هجرتها الأولى كانت باتجاه دولة الإمارات مع بداية القرن الواحد والعشرين، لتلتحق باحدى فرص العمل هناك في المجال الاعلامي، حيث جذبها التنوع الثقافي المنسجم مع طبيعة المجتمع العربي الموجود هناك.

ورغم مرور 14 عاماً، على وجود ختام في الإمارات وعملها في واحدة من أهم الوسائل الإعلامية، لكن رحلة البحث عن الذات لم تنته.

في مجتمعاتنا دوماً هناك من يحاربك كامرأة، وسواء في سوريا أو في الإمارات فالمجتمع العربي يعطي مساحات أكبر ليتمادى الرجل، ولكن ختام تصر على أن "الكثير من النساء وصلن الى نجاحات كبرى بجدارة ومن يستخدم طرائق أخرى للوصول لن يتمكن من المحافظة على نجاحه".

و تصر في حديثها على أن المرأة قادرة على النجاح على رغم كل الصعوبات: "كنت في آخر السنوات السيدة الوحيدة التي تشرف على الملف السياسي في الجرائد الإعلامية الإماراتية".

هذا النجاح لم يكن محض مصادفة، بل مجهود بذل على مدار السنين وتقول ختام، "المرأة أيضاً للأسف تغار من نجاح المرأة، إحدى الزميلات كتبت فيني تقرير للاجهزة الامنية بسبب اجتهادي، لكن الحمد لله آنذاك كان هناك من تفهم الوضع".

في الإمارات كانت المحاربة في العمل مختلفة، مدير التحرير عندما رفضت أن أذهب معه لشرب فنجان القهوة- استعارة عن التحرش- رفض أن يضيف يزيد لي راتبي.

اقرأ ايضاً:قصة سوزان: 4 هجرات وموت معلن

ثلاث نساء في مركب واحد يتحدين البحر

يُتهم بعض السوريين المهاجرين الآتين من الدول العربية بقنص فرص اللاجئين القاطنين في مخيمات اللجوء الحدودية في لبنان والأردن وتركيا. 

لكن ختام تقول: "الحرب دمرت كل ما نملك في سوريا، لم يعد لدينا شيء نعود إليه، لا يوجد وطن نعود إليه، حالنا كبقية السوريين".
خيار السفر لم يكن بالسهل، صور الغرقى وبكاء المهاجرين لم يجافِ عيون ختام لأيام طويلة: "كانت ابنتي ترى كم كنت مضطربة بسبب خوفي من أن يتحول قراري إلى كارثة".

وجاءت جملة "ماما انتي ليش خايفة الله معانا وانا معك" من ابنة ختام البالغة من العمر سبع سنوات لإنهاء الحيرة، بخاصة أن المخاوف من مخاطر الرحلة وفرص النجاة كانت محط نقاش النساء الثلاث بشكل يومي. 

تزوجت ختام من رجل لبناني في دبي، لكن الزواج لم يستمر وطلبت الطلاق بعد أن أنجبت منه ابنتها والتي تبلغ من العمر نحو 8 سنوات، وتقيم معها اليوم في السويد.

تقول ختام:"يمكن الزواج و الطلاق علمني كتير امور و ساعدني نفهم الحياة أكثر، ابدا ...ابدا ما كان عندي مشكلة بموضوع الطلاق.. ويقولو مطلقة شو يعني؟".

 من جرّب ركوب البحر ليس كمن سمع عنه

ركوب البحر ليس كمن يسمع به، تقول: "كنت أكتب الكثير من الأخبار عن البحر والرعب، لكن ما عشته من لحظات خوف فاق توقعاتي، الموج كان عالياً وكنت اتمسك بالبلم كالاطفال ارقب والدتي وابنتي طوال الوقت".

الرحلة التي استغرقت نحو 3 ساعات استعادت فيها ختام محطات حياتها، وصرخات اللاجئين عبر البحر الذين تابعت قصصهم.

سمعت ختام الكثير عن قصص المهربين، اخوتها الشبان سبقوها إلى السويد وتعرضوا أثناء رحلتهم إلى أوروبا إلى النصب والاحتيال، تقول:"كنت حذرة جداً من الغرباء، كنا نقابل سائقي التكسي يدعونا الواحد منهم إلى أن نستقل معه السيارة لنصل إلى ألمانيا، كانوا جزءاً من شبكات لتجارة الأعضاء والبشر".

"لم ننجح في المرة الأولى، كان المخطط أن يأتي اخوتي إلى تركيا ونعود معهم بالسيارة عبر البر، كنت أعتقد أن الخطة محكمة ولذلك قررت خوض التجربة و انا مطمئنة، لكن لظروف خاصة فشلت الخطة الاولى".

انتظرت ختام وقتا لا بأس به، حتى أنها فكرت بالعودة إلى الإمارات. 

ولكن الرحلة الثانية تيسرت بطريقة لا يمكن تصديقها:"بعدما اتفقت مع المهرب خفت وتراجعت، في ذلك النهار كان من المفترض أن يصعد 45 شخصاً إلى البلم،  رفضت الخروج معهم، ولكن لا أعلم ما الذي حدث فجأة، تراجع عدد كبير منهم من الذهاب والسفر، وبقي منهم 28 شخص فقط"، وكانت اللحظة المناسبة التي استغلتها ختام.
 

حققت شبكات تهريب البشر كما نقلت بعض المصادر، أرباحاً تصل إلى 6 مليارات دولار عام 2015، لكن تلك الأرباح تراجعت بمقدار الثلث في 2016 عقب اتفاق أوروبا وتركيا للهجرة، وفق إحصاءات منظمة "يوروبول".

وكشف وزير الداخلية النمساوي وولفغانغ سوبوتكا عام 2016 أن بلاده فككت عصابة تركية لتهريب البشر نجحت في تهريب نحو عشرة آلاف شخص إلى غرب أوروبا أثناء السنوات العشر الماضية.

وبين الوزير النمساوي أن المهربين المذكورين استخدموا في عملياتهم طريقاً يبدأ من إسطنبول ويمر بالجبل الأسود ومنه إلى فيينا عبر دول البلقان، في حين يبدأ الطريق الثاني بحراً من تركيا إلى اليونان ويتواصل من الأخيرة إلى غرب أوروبا.

وذكر الوزير أن ثمة طريقاً ثالثاً للمهربين يبدأ من إسطنبول إلى مدينة لفيف في أوكرانيا ومنها إلى العاصمة النمساوية، مشيراً إلى أن الوجهات التي قصدها المهاجرون شملت ألمانيا وإيطاليا وسويسرا وفرنسا والسويد.

الطرقات احتفظت بدم اللاجئين:

تحفظ ذاكرة ختام الكثير من التفاصيل، تقول: "كان هناك دم على الطرقات وألعاب أطفال مرمية، وأحياناً كنا نجد بعض الأغراض الشخصية كأحذية مثلاً، وكان الطريق انعكاساً لحجم المعاناة التي عاشها الناس خلال عبورهم".

يحمل معظم اللاجئين ما تبقى من حياتهم في صورهم، يختزنون الماضي وذكرياتهم وأحباءهم فيها، لكن طرقات الهجرة سرقتها أيضاً، أثقلهم حمل هذه التركة من الذاكرة وسقطت منهم في الطرقات، تسرد ختام هذه اللحظات في لقائها:"كنت راقب بالاخبار كيف كان المهاجرون يحاولون عبور الحدود مع مقدونيا و تدور الاشتباكات مع الشرطة.

 ونحن نعبر الطريق كانت هذه التفاصيل تمر كشريط اخبار..تارة اشاهد شوف لعبة ولد واقعة عالطريق او حذاء أحدهم قد سقط منه".

لم تحمل ختام معها صوراً أو أغراضاً شخصية بل استودعتهم إحدى صديقاتها، وحملت معها فقط خاتم هدية من أحد الأشخاص كان معها بمثابة التعويذة التي تحميها في طريق السفر. 

ختام ترتكب الخطيئة 

رغم أن زواج ختام لم يدم كثيراً ، لكنها استطاعت الحصول على الجنسية اللبنانية. وخولتها هذه الجنسية، من الحصول على جواز سفر لبناني، حاولت أول الأمر من خلاله السفر بطريقة نظامية من اليونان لكنه الطلب قوبل بالرفض، و من ثم دخلت بموجبه إلى الأراضي التركية بعد وضع الفيزا على السوريين.

وفرضت تركيا تأشيرة الدخول إلى أراضيها على السوريين في بداية عام 2016، بعد أن سواء عن طريق البر أو البحر، للحد من موجات المهاجرين إلى أوروبا.

وتقول المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن 800 ألف شخص عبروا البحر إلى اليونان من تركيا عام 2015، معظمهم من السوريين

بعد رحلة طويلة وصلت ختام إلى السويد، و تقدمت بأوراقها للحصول على اللجوء مع والدتها وابنتها لكن المفاجأة الغير متوقعة كانت بانتظارهن.

تتابع ختام قصتها:"تقدمت بأوراقي و بجواز سفري السوري، ولكن عند التدقيق على البصمات اكتشفوا بصمتي بموجب جواز السفر اللبناني الذي تقدمت به إلى السويد".

لم يكن لديها الكثير من الخيارات فتقدمت بطلب للتنازل عن الجنسية اللبنانية في السفارة باستوكهولم، وبذلك وفي أقل من عام حصلت ختام على الجنسية وتنازلت عنها.
لكن إجراءات التنازل عن الجنسية بقيت عالقة بانتظار توقيع رئيس الجمهورية ميشال عون.

وبينما كانت في انتظار أوراقها، بدأت ختام البحث عن العمل في المجال الاعلامين و هي التي تمل نحو 20 عاما من الخبرة في الاذاعة والتلفزيون و الصحافة المكتوبة، و عملت بجد للوصول إلى وظيفة في نفس المجال.

 و استطاعت ختام وابنتها ماريا البدء بالعمل في مؤسسة الكومبس الإعلامية في السويد، وباتت ابنتها من أصغر المقدمات التلفزيونيات، إلا أن صدور القرار من دائرة الهجرة السويدية بترحيلها خلال فترة قصيرة كان له وقع الصاعقة عليهم.

ختام تقول لست لبنانية و لا اعرف شيئا عن لبنان و لا مستقبل لي فيها، أمي واخوتي سوريون، أنا فلسطينية - سورية.

الآن ختام تواجه تحدي الحياة في لبنان من جديد، تقول "غلطتي كانت في حصولي على الجنسية اللبنانية، طلبوا مني ان استخرج جواز سفر لبناني، لا أعلم ماذا افعل".

 "ابنتي اليوم خائفة وأنا لا أعرف مصيري".