خلال سنوات طويلة... المنع يواجه احتفالات النوروز في سوريا

خلال سنوات طويلة... المنع يواجه احتفالات النوروز في سوريا
خلال سنوات طويلة... المنع يواجه احتفالات النوروز في سوريا
Rozana

القصص | ٢١ مارس ٢٠١٩
 
تحتفل الكثير من شعوب الارض بعيد النوروز او بداية الاعتدال الربيعي في 21 اذار من كل عام الا ان هذا اليوم مختلف لدى الأكراد فهو عيد قومي لهم، و تبدأ جذور هذا الاحتفال عند الأكراد من اسطورة كاوا الحداد الأكرادي الذي قطع رأس الملك "ضحاك"، و الذي كان يعرف بقتله خيرة شباب الأكراد، وذلك بحسب ما تقول الأسطورة.

وفي يوم مقتله كان الدور على كاوا الذي قضى عليه وأشعل النيران فوق قصره ليعلن انتهاء الظلم، و ليتخذ الأكراد هذا اليوم بداية للتقويم الأكرادي والذي يوافق هذه السنة 2720  ، أي قبل الميلاد بما يقارب الـ 700 عام .

في سوريا كان الاحتفال بالنوروز ممنوعا ولا يسمح لأحد بالاحتفال جهرا، حيث كان الأكراد يتخذون من الغرف الكبيرة في القرى مكانا لاحتفالهم، وعلى إثر ضغوط محلية وشعبية؛ فضلا عن الأزمات التي كانت تحصل في هذا اليوم بسبب تمسك الأكراد بعيدهم، أصدر حافظ الأسد مرسوما عام 1988، جعل من هذا اليوم عيداً للأم كعطلة رسمية في البلاد، إلا أن المضايقات تجاه الأكراد لم تتوقف من قبل الأجهزة الأمنية التي كانت تستخدم شتى الوسائل لمنع هذه الاحتفالات.

البعد القومي لـ "نوروز الأكراد"

في عام 2009 سُجل عيد النوروز على القائمة النموذجية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، وفي 2010 أعلنت الامم المتحدة يوم 21 آذار يوما دوليا للنوروز بقرارها رقم 253-64 بعد أن تقدمت عدة دول بهذا الطلب.

لدى الأكراد اختلاف جذري في معاني نوروز عن بقية الشعوب المحتفلة به، فمع تواجد الربيع والازهار في إحتفالات الجميع إلا أن الأكراد يعتبرونه عيدا قوميا كذلك؛ بحسب د. علي ميراني، الحائز على شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث.

يقول  ميراني في حديث خاص لـ "روزنة" : "نوروز هي بداية الربيع للعديد من الشعوب الشرقية مثل الأكراد الأفغان البلوش...الخ، و هي تعني في اللغة الأكرادية اليوم الجديد أي يوم انقضاء الشتاء القاسي وبدء الربيع بأجوائه الجميلة، لكن ما يميز يوم 21 آذار أي نوروز عند الأكراد أنه يأخذ بعدا قوميا مهما، وهذا الأمر غير موجود عند الشعوب الأخرى ".

اقرأ أيضاً:في يوم اللغة الأم العالمي: هل تحرر الأكراد من قيد النظام السوري؟

و من اختلافات النوروز عند الأكراد هي إشعال ليلة 21 آذار النيران على سفح الجبال أو في الساحات والتجمع حولها؛ و الغناء والدبكات، حيث ذهب البعض إلى تفسير النيران في الارتباط بالديانة الزرادشتية؛ إلا أن هذا غير مؤكد؛ رغم أن أغلب أصول الأكراد، تأتي من هذه الديانة.

ويبين الدكتور علي ميراني سبب إشعال النيران ليلة النوروز قائلا : " 21 آذار  مرتبط بأسطورة قديمة تتحدث عن شاب كوردي اسمه "كاوا" الحداد انتقم من ملك ظالم اسمه" ازدهاك"، كان يقتل الشباب الأكراد بدم بارد إلى أن إنتقم كاوا منه؛ فكانت إشارة نصره أن يشعل النيران من فوق الجبل؛ وهذا هو سبب إشعال الأكراد نيران نوروز في كل عام في رمزية مهمة إلى أنهم سيدحرون أي قوة ظالمة تريد طمس هويتهم القومية؛ تماما كما فعل كاوا حداد مع طاغية ذاك العصر".

ويضيف ميراني حول بُعد يوم نوروز القومي للكرد أن جمعيات وتنظيمات تأسست كانت كذلك سببا في تقوية البعد القومي في هذا اليوم: "في التاريخ الحديث كان تنظيم " خويبون" الذي تأسس عام 1927 هو من جعل هذا اليوم رمزا قوميا؛ إلى جانب رموز كوردية اخرى توحد الأكراد،, كما أن الشاعر "بيرميرده "من  مدينة السليمانية كان يصعد الجبل ويشعل النيران حتى يعيد جمالية هذا الرمز المقدس إلى الأكراد".

أجواء نوروز في سوريا

في سوريا بشكل عام وفي مناطق الجزيرة خصوصا نكهة مختلفة للاحتفال بالنوروز، فلا جبال يصعدها أهالي هذه المناطق، حيث تكون حقول القمح في قراهم ملجأ لهم للاحتفال والخروج إلى الطبيعة، فأغلب العوائل تجتمع في أحضان الطبيعة لينصبوا خيامهم ويعدوا العدة لتجهيز الشواء، بينما يتجمهر الشبان والشابات عند مسارح الغناء  والتمثيل، مرتدين أزياء الأكراد التقليدية، من السراويل الفضفاضة والعمامات الملونة للشبان، و الفساتين المزركشة بألوان الربيع للنساء، ويكون في أغلب الأحيان التجمع لأهالي المدينة الواحدة في قرية محددة.
 
 

 
بدرية أحمد (65 عام) وهي من أهالي القامشلي، تقول لـ "روزنة": "نحتفل في كل عام بعيدنا، أعوام قليلة هي التي لم نخرج بها للطبيعة؛ أتذكرها جيدا في العام الذي قصفت حلبجة بالغاز لم نخرج ورفعنا الأعلام السوداء  فوق بيوتنا، وكذلك في عام 2004 عندما قتل النظام السوري أكثر من 30 شابا كرديا في القامشلي".
وتضيف السيدة أحمد "إن أجمل الأيام لنا هي 21 آذار، فالاجتماع والخروج إلى الطبيعة ناهيك عن الفخر انني كردية فهذا اليوم هو هويتنا نحتفل ونرقص ونعلي راياتنا الخاصة".

تعود بدرية بالزمن إلى الوراء وتستذكر أيام طفولتها مع هذا العيد فتقول "أتذكر أن جدي وأبي كانوا يعقدون النوروز ليلا في غرفة جدي الكبيرة، كانت هناك صور خاصة  لأشخاص يعلقونها ويأتي المنشدون لينشدوا الأغاني القومية، و كذلك كان هناك أناس يتحدثون عن الأكراد وعن ثورتهم في العالم".

قد يهمك:أطفال الحسكة ضحية صراع الهويات في شرق سوريا

وكذلك يستذكر السيد خليل حسين خلال حديثه لـ "روزنة" بعض الذكريات من احتفالات نوروز فيقول" في الثمانينات كنا نخرج للاحتفال إلى الطبيعة؛ حيث الفرق والمسارح".

و يضيف خليل قائلا :" في عام 1986 منع النظام السوري في مدينة دمشق الاحتفال بعيد نوروز، إلا أن أهالي الأحياء الأكرادية  تحدوا السلطات وخرجوا مشياً على الأقدام باتجاه مكان الاحتفال المقرر، وعندما رفضوا الرجوع، تم إطلاق الرصاص الحي عليهم، وعلى أثرها اُستُشهِد سليمان آدي، فامتنع الطلاب الكٌرد الذهاب للمدارس لاسيما في مدينة القامشلي؛ حيث كانوا يقومون بزيارة ضريح الشهيد سليمان، فاضطر النظام لإعلان يوم 21 آذار كعطلة رسمية باسم عيد الأم، من أجل تخفيف الاحتقان الكُردي خشية تصاعد وتيرة الفعل والتمرد".

ويختم خليل حديثه لـ "روزنة" قائلا : "في كل عيد هناك معتقلون، سواء كانوا المشرفون على المسارح أو الممثلون أو المغنون، و أعضاء الاحزاب السياسية، فمثلا أتذكر أن أشخاصا مثل عيسى حسو وفارس عنز كانوا دوما معتقلون إما قبل العيد أو بعده".

المنع هي سمة السلطات الحاكمة في سوريا!

على مر الزمان كان نوروز هو الدافع القومي المطلق لدى الأكراد، فكان شعور كل كردي بالتوحد يأتي من خلال إشعال النيران في تلك الليلة، والتوقيت نفسه لذلك كانت هذه الليلة محاربة من كل من استلم السلطة في مناطق تواجد الأكراد والمسماة "كوردستان".

يقول لوند حسين الصحفي الأكرادي المقيم في ألمانيا عن احتفالات نوروز في عهد الأسد الأب: "شاركتُ لأول مرة في الاحتفال بعيد نوروز في عام 1981، وذلك بالخروج إلى الطبيعة والغناء، عندما كُنا طُلاباً في المرحلة الثانوية، لنتعرض بعدها للتحقيق من قبل إدارة المدرسة؛ والتهديد بالفصل في حال تكرار الغياب والمشاركة في أية حفلات غير رسمية".

إلا أن حسين يؤكد أن الأكراد في سوريا لم يستكينوا أبدا؛ فكانت الاحتفالات تقام في السر والعلن، وبدأت موجة الخروج العلني في بداية الثمانينات والتحدي الواضح لحكم البعث في زمن حافظ الأسد.

ويتابع بالقول: "أسسنا الفرق الفلكلورية الكُردية لتقديم الرقص الشعبي والأغاني الكُردية؛ والمسرحيات التي غلبت عليها الطابع السياسي؛ حيثُ كُنا نتشارك في كتابةِ النصوص المسرحية ونتناول فيها مُعاناة الشعب الكُردي وما يتعرض لهُ من مظالم؛ وكانَ العسس يُراقبوننا ويكتبونَ أسماءنا، لنتعرض في اليوم التالي إلى الاستدعاءات والاستجوابات من قبل ثلاثة جهات أمنية سورية (أمن الدولة، الأمن السياسي، الأمن العسكري)، نتعرض خلال التحقيق إلى الشتائم والضرب؛ إلا أنَّ ذلك لم يمنعنا من الاستمرار في تكرار النشاط والاحتفال بنوروز في السنوات التالية".

اقرأ أيضاً:هل تدعم إدارة ترامب مفاوضات سوريا الديمقراطية مع دمشق؟

و يشير لوند حسين إلى ما يجري في مدينة عفرين؛ من إساءة إلى الأكراد وتهجيرهم للعب بديموغرافية المنطقة، حيث منع مؤخراً أهالي عفرين المتبقين في مدينتهم من إقامة احتفالات عيد نوروز،  ليؤكد حكام عفرين الجدد؛ وفق وصفه "تركيا والفصائل السورية الموالية لها"، أن منع نوروز هو مستمر من حافظ الأسد إلى سيطرة الفصائل السورية الموالية لتركيا الآن في عفرين، وفق قوله.

ويضيف: "عند دخول القوات التركية ومن معها إلى عفرين، كان أول ما فعلوه هو تحطيم تمثال كاوا الحداد رمز نوروز، ومع مرور سنة على السيطرة على مدينة عفرين الكُردية، يُحاول أهالي عفرين الاحتفال بعيد نوروز وكالعادة في أجواء الطبيعة، إلا أن البيانات الصادرة من المجالس المحلية التي أسستها سُلطات الأمر الواقع هناك تتناقض مع بعضها البعض، فقد أصدرت سبعة مجالس محلية بياناً بتاريخ 15 آذار 2019 اعتبروا فيه أن يوم الخميس 21 آذار 2019 هو يوم عطلة رسمية، وأشاروا إلى حرية الاحتفال بالعيد والخروج إلى أجواء الطبيعة". 

وكذلك يتابع: "ليعقب ذاك البيان بياناً آخر صادر عن رئيس المجلس المحلي لبلدة معبطلي، يؤكد على أن يومي الأربعاء والخميس 20 – 21 آذار 2019 هو يومي دوام رسمي ويمنع الاحتفال بالعيد وبأية مظاهر (مظاهرة، مشي، حرق إطارات أو الترفيه)، وهذا البيان يحمل اسم وتوقيع رئيس مجلس بلدة معبطلي وباللغتين العربية والتركية ودون تاريخ". 

وكان عيد نوروز من بين الأعياد التي انتشرت بين مختلف الشعوب عبر طريق الحرير، حيث كان للقوافل التجارية التي استخدمت طريق الحرير (الطريق التجاري الذي ربط بين الصين وأوروبا وغرب آسيا)، دوراً كبيراً في نقل أفكار ومعتقدات وثقافات وطقوس الأديان بين أبناء الإمبراطوريات المتعاقبة، هذا ويحتفل في الوقت الحالي ما يزيد عن 300 مليون شخص بهذا العيد حول العالم حسب منظمة اليونسكو.

اقرأ المزيد