سوريا...الزواج بسن مبكر زلغوطة للعريس والضحية قاصرات

سوريا...الزواج بسن مبكر زلغوطة للعريس والضحية قاصرات
سوريا...الزواج بسن مبكر زلغوطة للعريس والضحية قاصرات
القصص |٢٤ أبريل ٢٠١٩

"أصبحت أرملة في سن الـ14" هكذا تبدأ سيدرا حديثها لـ"روزنة"، متمنية العودة إلى مقاعد الدراسة.

 
اعتقل والد سيدرا البالغة من العمر 16 سنة، حين كانت في العاشرة، تقول لـ"روزنة":  "عائلتي مؤلفة من ثمانية أشخاص، وأنا أكبر إخوتي، لم يبق لنا معيل بعد غياب والدي، وأجبرتني الظروف على الزواج من شاب بعمر 18 سنة، ليكون معيلاً لنا".
 
تضيف سيدرا، "بعد أربع شهور من زواجي، توفي زوجي في القصف"، بحرقة قلب "انحرمت من زوجي وبابا  بأول عمري، حياتي تدمّرت".
 
وتتابع "المجتمع يظلمني لأنني أرملة، يحسب عليّ جميع تحركاتي، فلا أستطيع أن أعمل شيئاً، أتمنى أن أعمل أو أذهب إلى المدرسة مثل كل البنات، لكنني لا أستطيع بسبب المجتمع، ولا أحد يشعر بي".
 
 
سيدرا خلال حديثها مع روزنة
 
لا تعتبر ظاهرة الزواج في سن مبكرة حديثة النشوء في المجتمع السوري، لكن ظروف الحرب في السنوات الماضية أدت إلى تزايدها بين الشباب يوماً بعد يوم، في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.
 
وأعلنت وداد بابكر المسؤولة عن برنامج مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي في صندوق الأمم المتحدة للسكان، الشهر الماضي، عن ارتفاع نسبة الزواج المبكر إلى 46 في المئة خلال فترة الحرب في سوريا، وبخاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية".
 
وأوضحت بابكر، أنه وفق الدراسات التي أجراها صندوق الأمم المتحدة  في العديد من المناطق السورية، تبيّن أنّ معدّل ارتفاع الزواج المبكر عاد للارتفاع رغم انخفاضه قبل عام 2011، حيث كان حينها يبلغ 13 في المئة، ليصل إلى 46 في المئة في الوقت الراهن، بحسب ما نشرت صحيفة الوطن المحلية في 11 من آذار الجاري.

ويؤكد المسؤول التربوي فواز أصلان لـ"روزنة" أن "الظاهرة ترتفع بنسبة 30 في المئة، مقارنة مع ما قبل الـ2011، وهو ما يعتبره البعض أزمة جديدة تضاف إلى أزمات سوريا خلال سنوات الحرب، تنتج عنها في كثير من الأحيان حالات تفكك أسري، وضياع المؤسسة الأسرية، إضافة إلى ما هو أهم، زواج القاصرات".
 
يسمح القانون السوري قبل التعديلات الصادرة بتاريخ 1953 بزواج الفتاة الصغيرة بعمر 17 وللشاب بعمر 18، وفي حال ادعى المراهق البلوغ بعد إكمال سن الـ15، أو ادّعت الفتاة ذلك بعد سن الـ13، وطلبا الزواج، يأذن القاضي لهما بعد التحقق من صحة ادعاءاتهما وقدرتهما الجسدية على الزواج، بشرط موافقة الوالدين.
 
ومع اتساع المناطق التي سيطرت عليها المعارضة، بدأ الأهالي يعمدون إلى عقد القران عند المأذون الشرعي، وتوثيق قيوده في دوائر مؤسسات المعارضة المدنية إن وجدت.
 
و يمكن للراغبين في تسجيل عقود زواجهم في المحاكم المدنية للنظام السوري من ذلك سواء شخصياً أو عبر مكاتب لتسيير معاملات الأهالي في مناطق المعارضة.
 
لا مشكلة في الزواج من قاصر طالما أحله الشرع
 
لا يرى إبراهيم مشكلة في زواجه من فتاة قاصر طالما أن زواجه مثبت شرعاً، وقال في حديثه لـ"روزنة": "من يريد تعقيد الأمور بالنسبة إلى الزواج، فأعتقد أنها مشكلته".
تزوّج إبراهيم  – اسم مستعار – وهو البالغ من العمر 20 سنة قبل سنتين، من سيدة سورية نزحت مع عائلتها من ريف حماة تصغره بأربع سنوات.
 
والد الفتاة أخبر "روزنة" أنه وافق على هذا الزواج تحت ضغط الحالة الماديّة المتدهورة للعائلة، حيث انتقلت للعيش مع إبراهيم في غرفة صغيرة ضمن منزل عائلته.
 
يقول عبد الكريم المحمود وهو أحد وجهاء قرية حورته في ريف حماة لـ"روزنة"، إن المناطق التي شهدت نزوحاً سكانياً، انتشرت فيها ظاهرة الزواج المبكّر، كريفي حماة وإدلب، إذ يضطر الأب إلى تزويج ابنته في سن مبكّرة تحت وقع الظروف الصعبة.
 
ظاهرة الزواج المبكر لم تكن منتشرة بشكل كبير في ريفي حماة وإدلب قبل عام 2011 مقارنة مع السنوات الأخيرة خلال الحرب.
 
وهو ما يعلّق عليه المحامي عبد الرحمن الحاج بقوله لـ"روزنة" إن "الزواج أصبح ميّسراً بشكل كبير عمّا كان عليه قبل الثورة السورية، بسبب غياب المعاملات والدوائر الرسمية، حيث أصبح بإمكان الشاب أن يتزوج في عمر صغير طالما ادّعى أنه يستطيع الإنجاب والقيام بأعباء الأسرة".

 
اقرأ أيضاً: الزواج برجل أصغر سناً... حب أم ظروف عائلية؟
 
ويردف الحاج: "أيضاً تغيب المنظّمات التي تُعنى بالمجتمع، وتوعيته، إذ لا يوجد من ينصح الشباب بمخاطر الزواج المبكّر، وتحديداً الفتيات القاصرات، ومخاطر بناء أسرة على أساسات غير متينة، بعضها ينهار وينتهي بالطلاق ببساطة".
 
وأوضح المركز السوري في تقرير له في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2018، أنه ازدادت ظاهرة تزويج القاصرات لحاملي السلاح لقدرتهم على الإعالة والحماية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، وذلك بسبب الحصار الاقتصادي وتعرض المناطق للقصف، حيث تعطلت الأعمال وتوقفت المدارس أو دمرت، وازداد الفقر.
 
وأصدر رئيس النظام السوري بشار الأسد القانون 4 لعام 2019 القاضي بتعديل بعض مواد قانون الأحوال الشخصية.
 
وسمح القانون بزواج الفتى أو الفتاة بعد بلوغهما الثامنة عشرة. وفي حين ادعى المراهق أو المراهقة البلوغ بعد إكمال الخامسة عشرة وطلبا الزواج يأذن به القاضي إذا تبيّن له صدق كلامهما واحتمال جسميهما، ومعرفتهما بالحقوق الزوجية.
 
زوجة أم عاملة من دون أجر

وعلى رغم وضوح أسباب الزواج في حالات كثيرة، إلا أن بعضها يتعدّى مفهوم الزواج التقليدي، لتصبح معه الزوجة يداً عاملة إضافية ومن دون أجر.
 
وذكر المكتب المركزي للإحصاء في دمشق في تقرير إحصائي لعام 2007، أنه عدد العاملات السوريات في قطاع الزراعة والحراج بلغ حوالى 23 ألف عاملة، كثالث قطاع يستقطب السوريات، بعد قطاعي الخدمات والصناعة.
 
محمد زاكي الخطيب، مختار في بلدة تلمنس يقول: "تلمنس منطقة ريفية، ومعظم الشباب فيها غير متعلمين، الأمر الذي يدفع الأهالي إلى تزويج أولادهم الشباب في سن مبكرة، لتكون الزوجة عوناً لهم في العمل الزراعي".
 
لكن مختار سلقين يضيف "توفر الزوجة عليهم أجرة عامل مُستأجر، فيما يكون السكن في منزل العائلة" وبالتالي لا تكلفة بهذا الخصوص.

وأشارت بابكر المسؤولة في الأمم المتحدة، إلى أن ارتفاع معدل الزواج المبكر خلال الحرب يعود لأسباب اقتصادية، حيث تعاني العديد من الأسر من مشاكل اقتصادية، فتلجأ إلى تزويج بناتها بسن مبكر، إضافة إلى الموضوع الأمني والحماية، حيث أن بعض العائلات تزوج بناتها لتأمين الحماية لها خوفاً من تعرضها للاعتداء القائم على العنف الجسدي.

التعليم ليس شرطاً للزواج

ينتشر زواج القاصرين في المناطق الريفية أكثر منه في المدن نتيجة اتجاه أهل الريف إلى العمل في الأراضي الزراعية أكثر من الاهتمام بقطاعات أخرى كقطاع التعليم أو قطاع الصناعة.
 
يعلّق الباحث في قضايا المجتمع عبدلله وحيد: "اتجاه التعليم مختلف تماماً عن اتجاه الزواج المبكّر، فإذا تمكّن الشاب من اختيار التعليم والجامعة لن يكون في الغالب اهتمام الزواج في هذه المرحلة من أولوياته، أما إذا انقطع عن التعليم، فسيفكّر في ذلك، وخصوصاً في المجتمعات الريفية التي ينتشر فيها الزواج في أعمار صغيرة".
 
في ظل غياب التعليم بصورة واسعة وتحديداً بالنسبة إلى الجامعيين، وعدم قدرة الكثير من الشباب على استكمال تعليمهم، اتّجه البعض منهم إلى مهن وأعمال مختلفة بدل الدراسة.
 
يقول أحمد، وهو في الـ22 سنة مقيم في مدينة الباب "الكثير من الشباب الجامعيين لا يجدون عملاً هنا، والبعض توقف عن التعلّم واتجه إلى مهن وأعمال أخرى ربما تضمن مستقبله أكثر".
 
لأحمد صديق بعمر الـ18 سنة، كان يخطط للدراسة لكنه تزوّج من إحدى قريباته، كما جرت العادة في تلك المناطق، وبدأ العمل في إحدى ورش البناء.
 
يؤكد محمد زاكي الخطيب، وهو مختار في بلدة تلمنس جنوب إدلب، لـ"روزنة" في ما يخص المناطق الريفية "غالباً ما يتزوج الشاب من إحدى قريباته، "ابنة عمه، أو ابنه خاله" وفقاً للعادات والتقاليد التي تقول إن "على البنت ألا تخرج عن العائلة". ويعتبر "زواج الأقارب" سبباً مهماً في الزواج المبكر.
 
تقول سلوى زيدان من مدينة معرة النعمان جنوب إدلب لـ"روزنة"، "إن زواج الأقارب في المدينة أقل منه في الأرياف، وإن وُجد زواج الأقارب فإنه لا يشترط الزواج بعمر مبكر، إذ يمكن للشاب أن ينتظر الفتاة ريثما تكمل تعليمها مثلاً".
 
اقرأ أيضاً: زواج القاصرات... طمعٌ بالمهر وهروبٌ من مواجهة المراهقة
 
سابقاً، كان ثمة مسؤوليات كثيرة يلتزم بها الشاب قبل دخوله قفص الزوجية، أهمها أداء الخدمة العسكرية، والحصول على عمل مناسب ثم توفير بيئة مناسبة للزواج، فيما اختلفت في الوقت الحالي هذه المعايير.
 
يقول أبو جابر، وهو أحد المواطنين في ريف حماة "لم أتزوّج إلا في عمر الـ30 سنة عندما أنهيت الخدمة العسكرية، وأسّست عملاً ومنزلاً وتمكّنت من جمع مبلغ صغير للزواج، أما الآن، فترى الشاب لم يبلغ من العمر 20 سنة، وليس لديه مستلزمات حياة أساسية ومع ذلك يبحث عن زوجة، والسبب في ذلك هو حاجة العائلات إلى تزويج فتياتهن".

الحاج عبدالكريم المحمود، أحد وجهاء قرية حورته في ريف حماة الغربي يؤكد أن ثمة أهالي يزوّجون بناتهم بـ"بمئتي ألف ليرة سورية، أي 400 دولار" لأجل ما سمّاه "تسريع المهمة وتسهيلها على الشباب".
 

وأكد محمد الشيخ وهو أحد المدنيين في ريف حماة، أن بعض أهالي المنطقة يطلبون لتزويج بناتهم مهوراً قليلة من الشاب تبلغ أحياناً 150 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 300 دولار لتسهيل الزواج في ظل الوضع المعيشي الصعب، بينما تطلب بعض العائلات مهوراً مرتفعة تصل إلى ألف أو ألفي دولار لضمان مستقبل الفتاة كما يقولون.
 
قد يهمك: انتحار قاصرات في ريف إدلب يثير الشكوك حول زواجهن المبكر
 
رفض أن يطلقها فحاولت الانتحار

مريم _اسم مستعار_  ذات الـ 13 ربيعاً، لم تكن تعرف من حياتها شيئاً إلا اللعب وبعض مشاهد القصف، إذ توفيت أختها إثر قصف على قلعة المضيق شمال حماة.

عرض زوج الأخت المتوفاة على الأهل الزواج من مريم حينها، ووافقت كي تعتني بأولاد أختها  دون أن تعلم شيئاً عن الزواج، لتفاجأ بالحياة الزوجية، فالحياة ليست كما علمها والداها.
 
بعد زواجها مات أحد أولاد أختها بقصف على قلعة المضيق، وتضررت رجلاها بالقصف أيضاً، وبسبب معاملة زوجها السيئة طلبت الطلاق مرات عدة من دون فائدة، ورفض الأهل أن تعود إليهم ابنتهم الصغيرة مطلقة، لكونها هي من وافق على الزواج وكان اختيارها رغم صغر سنها، ما يزيد من معاناتها يومياً من دون وجود حل سوى محاولة الانتحار أكثر من مرة.
 
وارتفع معدل زواج القاصرات من 7 إلى 30 في المئة عام 2015 في سوريا بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من سبع سنوات، بحسب المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية.
 
مطلقات صغيرات

يقول الخطيب، تعليقاً على أسباب ازدياد حالات الطلاق "السبب هو عدم نضوج الزوجين لصغر عمريهما، وغياب الوعي وتحمل المسؤولية".
 
يوافق على هذا الرأي أيضاً محمد يحيى اليونس مختار القطاع التاسع في مدينة الباب، ويقول إن أحد الشباب في ريف مدينة الباب يبلغ من العمر 18 سنة، تزوّج فتاة في الـ14 سنة، وأقام في منزل عائلته، لكن زواجهما لم يستمر أكثر من شهر ونصف الشهر، معتبراً أن السبب في الطلاق هو "عدم وعي الزوجين".
 
يقول الخبير التربوي فوّاز أصلان من سراقب: "الشاب في هذا العمر لا يكون مستقراً لا نفسياً ولا عاطفياً، ولا يفكر في أبعاد الزواج ومسؤوليته، والإنسان عندما لا يكون مستقراً عاطفياً قد يكتشف بعد سنوات بأن زوجته ليست المرأة التي كان يحلم بها، وقد يحب مرة أخرى، وتتعقد حياته ويحصل الطلاق".

ويؤكد أحد المخاتير في بلدة سلقين – فضل عدم ذكر اسمه - رأي المختص الاجتماعي، "الزواج المبكر يحوّل الشاب بعد سنوات من زواجه إلى شاب غير أخلاقي، مدمن على المخدرات من خمر أو مشروب غالباً، وتكون نهايته في معظم الأحيان الطلاق والزواج من امرأة ثانية، ويعيش تجربته الخاصة، فتكون العائلة هي المسؤولة عن دمار الشاب والفتاة".

وقال محمود المعراوي القاضي الشرعي الأول في دمشق، إن نسبة زواج القاصرات ارتفع إلى 13 في المئة خلال سنوات الحرب، بعد أن كانت لا تتجاوز 3 في المئة قبل 2011، لافتاً أن معظمها عقود عرفية، بحسب ما نشرت صحيفة الوطن في 18 آذار الجاري.
 
وأوضح المعراوي أن زواج القاصرات في دمشق ارتفع من أكثر من 24 ألف في عام 2017، إلى 28 ألف في العام الماضي، مشيراً إلى ارتفاع حالات الطلاق أيضاً والتي بلغت نسبتها 31 في المئة.