“حكومة الإنقاذ” الذراع السياسية للنصرة تُحكم سيطرتها على إدلب

“حكومة الإنقاذ” الذراع السياسية للنصرة تُحكم سيطرتها على إدلب
daraj

القصص ١٧ فبراير ٢٠١٩ |تيم غوراني

انتهت المعارك التي اندلعت مع بداية العالم الحالي بين الجبهة الوطنية للتحرير وهيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً)، بعد اقتتال دام 9 أيام، أفضى إلى سيطرة الهيئة على مناطق محافظة إدلب بالكامل، ووضعها تحت تصرف حكومة الإنقاذ، التي تتبع بشكل مباشر للفصيل ذاته.

 
وعلى رغم الأعداد الكبيرة ومناطق انتشار قوات الجبهة الوطنية، إلا أنها سقطت عسكرياً تحت ضربات النصرة بشكل لم يكن متوقعاً. ووقعت اتفاقاً في نهاية المطاف ينص على أن تتسلم الأمور المدنية لحكومة الإنقاذ، إضافة إلى تسليم السلاح الثقيل لدى “أحرار الشام”، إحدى فصائل الجبهة الوطنية، إلى جهة ثالثة، وبالتأكيد السيطرة المطلقة على الأوتوستراد الدولي حلب – دمشق، وحلب – اللاذقية.
 
بعيداً من الأسباب والتداعيات التي أدت إلى سقوط الجبهة الوطنية أمام الهيئة، فهي اليوم باتت تسيطر وتُحكم السيطرة من دون أي منازع أو منافس، الأمر الذي يجعل إدلب تتلون باللون الأسود، فهيئة تحرير الشام هي من الفصائل المصنفة إرهابية، ما قد يجعل إدلب محط أنظار روسيا، التي تنتظر هفوة من حليفها التركي، لتقوّض اتفاق سوتشي المبرم بينهما بخصوص إدلب.
 
ما إن سيطرت حكومة الإنقاذ على إدلب، حتى بدأت تصدر تعليمات وتعاميم وقوانين خاصة بها، وتفرضها على المواطنين في إدلب، فلم ينجُ أي قطاع تعليمي أو خدمي، حتى بدا عليه التغير مباشرة.
 
إغلاق الجامعات الخاصة و75 ألف دولار لترخيص العمل
 
أرسلت وزارة التعليم العالي التابعة لحكومة الإنقاذ بياناً إلى الجامعات الخاصة، يفيد بإيقاف عملها، وذلك لأنها غير مرخصة لديهم وأنها لا تضم كادراً أكاديمياً ومعدات تعليمية.
 
وأفاد محمد عبد الهادي وهو طالب في الجامعة الدولية للإنقاذ والتي يشملها التعميم، بأنه تم إيقاف عمل الجامعة مع العلم أن الجامعة مستوفية الشروط المطلوبة التي وضعها مجلس التعليم العالي في حكومة الإنقاذ، ولكن لا نعلم سبب الإصرار على إيقاف عمل الجامعة، على رغم أن لجنة من الحكومة جاءت وقيّمت عمل الجامعة وأقرت بأنها تستوفي الشروط التي يطالبون بها.
 
يضيف محمد لـ”درج”: “المعدات المخبرية الموجودة في جامعتنا، هناك الكثير منها لا يتوفر حتى في جامعة إدلب التابعة لحكومة الإنقاذ وعلى رغم ذلك تم إيقاف عمل الجامعة”.
 
ونظم طلاب الجامعة وقفة احتجاجية في مدينة معرة النعمان طالبت التعليم العالي بالنظر جدياً بالأمر، وتم رفع لافتات مناهضة، كان أبرزها “إن أردت أن تهدم بلداً فابدأ بالعلم”.
 
 
ويوضح محمد أن الترخيص الذي تطلبه حكومة الإنقاذ يكلف مبلغ 75 ألف دولار، يتم جمعه من الطلاب حتماً، وذلك لأن الجامعة التي ندرس فيها غير ربحية فبعدما كانت رسوم التسجيل 350 دولاراً، ربما اليوم قد تصل إلى 1000 دولار، وهذا مبلغ كبير جداً لكل عام دراسي، بخاصة في حالتنا في الوقت الراهن.
 
في المقابل، يرى براء علاوي وهو طالب في جامعة إدلب التابعة لحكومة الإنقاذ أن الخطوة التي قام التعليم العالي بها هي في الطريق الصحيح، مبرراً تصرفها بقوله “آن الأوان لكي تكون هناك جهة واحدة تعنى بأمر التعليم، كفانا تشرذماً على الأقل من الناحية التعليمة، كان هناك أكثر من جهة تتسلط على التعليم في إدلب، فمناهج نظام الأسد ما زالت تُدرس إلى اليوم في بعض مدارسها”.
 
“الباصات الخضر أخرجت الثوار والنشطاء من دارة عزة ولكن بتوقيع من جاءوا لنصرتنا، هيئتنا ألا تعرفها؟”
 
اقرأ أيضاً: إدلب.. لباس النساء وقوانين "تحرير الشام" الخانقة!


70 دولاراً لترسيم السيارة الإجباري في إدلب
 
لم يقف الأمر عند التعليم فها هي حكومة الإنقاذ تتجه إلى الحياة الاجتماعية وتبدأ سن القوانين. التقت “درج” مع الأربعيني غياث الفوزي الذي يعمل سائق حافلة لنقل الركاب في إدلب، وأفاد بأنه تم منع العمل عن السيارات التي تعمل في النقل العام من قبل حكومة الإنقاذ، وذلك بسبب عدم تسجيلها لدى مديرية المرور التابعة لها. واشترطت الحكومة على الجميع تسجيل السيارات، الأمر الذي يكلف مبلغ 35 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 70 دولاراً، ويمكنك بعدها الحصول على تأشيرة عمل. وأوضح أن الأمر لم يتوقف عند سيارات النقل بل انتقل إلى السيارات الموجودة في إدلب، إذ لا يسمح لها بالمرور على حواجز هيئة تحرير الشام، ما لم تكن تحمل اللوحات والأوراق المخصصة بهم.

يقول غياث: “يدعون أن سبب الأمر هو التنظيم ومحاولته منع سرقة السيارات، ولكن للأسف إلى اليوم لم تقم الهيئة بإرجاع أي سيارة مسروقة، على العكس، قامت بحجز الكثير من السيارات، فيما لم يستطع أصحاب سيارات مسروقة من استردادها. إنها عملية لجمع المال من جيب الشعب لا أكثر”.

ضرائب ورسوم كثيرة و”الإنقاذ” ترد: “هي اختيارية وبالكاد التكلفة المطلوبة
 
يملك زاهر النجار متجراً لبيع الألبسة في سوق مدينة إدلب، وتحدث لـ”درج” عن قيام مجموعات تتبع لحكومة الإنقاذ تعمل تحت اسم الجباية، بالتردد الدائم إلى أسواق إدلب لجمع الضرائب من الناس، كل بحسب عمله، فهي تقوم بجمع مبلغ ما بين 5 إلى 30 دولاراً من كل دكان ومتجر في المدينة، “في كل مرة تكون الحجة مختلفة، ولكن في أغلب الأحيان يقولون الموشح ذاته، أن الضريبة هي لحماية الأسواق من السرقة وللنظافة وغيرها من الخدمات التي نكاد لا نراها”.
 
إضافة إلى ذلك، تقوم اللجنة ذاتها بفرض المخالفات على المحال التجارية التي تضع منتجاتها على الأرصفة، أو تلك التي لم تغطِ صور النساء من على ملابسها، أو أن “المانوكان” عارض الملابس يوحي بشيء من الفتنة بحسب وصفهم.
 
من جهة أخرى، تحدثت “درج” مع محمد الأحمد معاون وزير الاقتصاد في حكومة الإنقاذ، والذي أوضح طبيعة وأسباب الضرائب والرسوم التي يقومون بجبايتها، “بداية نحن لا نفرض ضرائب، إنما هناك بعض الرسوم على مجموعة خدمات فرضت نتيجة الواقع الحالي، مثل رسوم ترسيم السيارات في المناطق المحررة، مقابل تنميرها وفتح إضبارة لها، وطباعة لوحات وفحصها فنياً، ما ينعكس بصراحة على ضبط الأمن أكثر، أما عن رسوم النظافة فهي عبارة في بعض المناطق ورسم اختياري لا يتجاوز 500 ليرة سورية شهريا”.
 
ويكمل الأحمد حديثه مشيراً إلى أن الرسوم هي مقابل خدمات تقدم وليست كبيرة، فهي بالكاد تغطي التكلفة المطلوبة، وباستطاعة أي أحد مراجعة المالية العامة والاطلاع عليها، إضافة إلى أن خدمات المياه والنظافة مقدمة على مدار العام، وبخاصة في المدن الرئيسية، وما يشاع ليس بالغالب صحيح وبإمكان أي أحد المجيء إلينا، والتأكد من أي أمر بهذا الخصوص.
 
 
تهجير كل من يعارض أفكارنا
 
لم تقتصر الأفعال التي تقدم عليها الإنقاذ في إدلب على جمع الأموال والضرائب وحسب، بل أصدرت مذكرات تحذير لمقاتلين وناشطين ثوريين تفيد بأن عليهم مغادرة إدلب والتوجه إلى مناطق غصن الزيتون، فبعد فرض سيطرتها عسكرياً، هي لا تريد بقاء أي معارض لها، إذ إن عناصر من تحرير الشام داهموا منازل عشرة أشخاص في مدينة دارة عزة، بعد إبلاغهم بمغادرة المدينة، ومن بينهم المسؤولان عن جامعة حلب الحرة علي راجي الحلو وعبد الله راجي الحلو، ورئيس وحدة المياه في البلدة وقائد الشرطة الحرة في المدينة، إضافة إلى ناشطين ثوريين.
 
وكان رد المهجرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فكتب المحامي أحمد رشيد على حسابه في “فيسبوك”: “الباصات الخضر أخرجت الثوار والنشطاء من دارة عزة ولكن بتوقيع من جاءوا لنصرتنا، هيئتنا ألا تعرفها؟”.
 
وكتب المحامي مثنى ناصر في “تويتر”: “على غرار نظام الأسد قامت هيئة تحرير الشام الإرهابية بإصدار قرار بنفي ثوار ونشطاء مدنيين وإبعادهم من دارة عزة وذنب المبعدين أنهم من أوائل الفاعلين في الحراك الثوري والمؤسسين للمؤسسات المدنية في المنطقة”.
 
ولم تكن مدينة دارة العزة المكان الوحيد الذي تم نفي ناشطيه، إذ شهدت مدينة الأتارب حادثة مشابهة، ولكن لمقاتلين في الجيش الحر أجبرتهم الهيئة على تسليم أسلحتهم والخروج إلى مناطق غصن الزيتون.
 
قد يهمك: المرأة الصحفية السورية بين حريّة فكر مقيدة وقوانين جائرة


توقف الدعم عن 47 منشأة صحية بعد أيام من سيطرة الهيئة
 
أوقفت “منظمة الوكالة الألمانية للتعاون الدولي” الدعم عن 47 منشأة طبية تابعة لمديريات “الصحة الحرة” في إدلب، وذلك بعد أيام من سيطرة هيئة تحرير الشام على إدلب، وفي بيان باسم 42 منشأة طبية بتاريخ 15/1، أُفيد بأنها تابعة إدارياً لمديرية صحة حلب، وطالب أصحابها الجهات الدولية بعدم ربط عملهم بالتغيرات السياسية والعسكرية في إدلب، وبإعادة الدعم المقدم لتفادي وقوع كارثة إنسانية.
تغيرات كبيرة طرأت على الوضع في إدلب، بعد أيام من سيطرة الهيئة وذراعها السياسية على إدلب، الأمر الذي ينذر بمصائب قد تكون أكبر في المستقبل، كون الهيئة تصنف منظمة إرهابية، الأمر الذي سيؤدي إلى نتائج سلبية على 3 ملايين شخص يقطنون في إدلب.

تم نشر هذه المادة بموجب اتفاق الشراكة بين مؤسسة روزنة للإعلام وموقع درج.