زواج القاصرات..طمعٌ بالمهر وهروبٌ من مواجهة المراهقة

زواج القاصرات..طمعٌ بالمهر وهروبٌ من مواجهة المراهقة
القصص ١٠ أغسطس ٢٠١٨ |إيمان حمراوي

 عادت مريم ذات الـ 12 عاماً بعد ثمانية أشهر من زواجها مكسورة القلب إلى منزل أهلها، بعد أن توفي زوجها خلال معارك دارت غرب مدينة حلب، لتتزوج مجدداً في ذات العام تحت ضغط مارسه أهلها.

 

 تعد الحرب التي تشهدها سوريا منذ سنوات، عاملاً رئيسياً من عوامل زيادة نسب الزواج المبكر لدى السوريات  ليكون شاهدًا على سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تمارس في حق المرأة السورية، وخاصة اللاجئات منهن.
 
وتروي شقيقة مريم، "فاطمة" (اسم مستعار) 17 عاماً، لـ "روزنة" قصة زواج أختها، "نزحت عائلتي من مدينة حلب إلى مدينة الأتارب نتيجة القصف، ليُعجب جيراننا بأختي و يطلبوها للزواج بابنهم ذي الـ 25 عاماً، وبعد زواجهما بأشهر، حلت المصيبة بوفاته".
 
وتضيف "فاطمة"، وهي أم لطفلين، وكانت نفسها تزوجت بسن الـ 13 بسبب الحرب والنزوح، "بعد وفاة زوج أختي، ما لبث أهلي أن زوجوها مرة جديدة، لكن هذه المرة لابن خالتي".
 


الحب .. عامل يدفع الأهالي لتزويج الفتاة!
 
وتقول الأخصّائية النفسية والتربوية السورية الأردنية "رزان عبيد" لروزنة، إن اللاجئ يخاف على أبنائه - وخاصة الإناث - بسبب اختلاف الثقافات في بلد اللجوء، مضيفة أن "الضغوط المادية" المرافقة للجوء، أحد الأسباب المهمة الأهالي لتزويج بناتهم بهدف تخفيف الأعباء المادية.
 
كذلك تساهم الثقافة الاجتماعية السورية وخاصة في الأرياف، المتمثلة بملازمة الشاب والده في عمله، ما يُؤمّن له الدخل الكافي لبناء أسرة بعمر صغير نسبياً مقارنة مع شباب المدينة، بزيادة نسبة زواج القاصرات، حسب عبيد.
 
ولا تختلف قصة "ليلى" المقيمة في مدينة غازي عنتاب التركية عن الكثير من مثيلاتها السوريات اللواتي اضطرتهن ظروف غاية في القسوة، والأعراف الاجتماعية، للزواج مبكراً، حيث تزوجت في عامها الـ 13 من شاب يكبرها بـ 10 سنوات، في زواج استمر لمدة عام واحد فقط.
 
وتضيف "ليلى" التي تطلقت من زوجها بعد إنجابها طفلاً منه، لروزنة، أنها لا تعرف السبب الحقيقي وراء طلاقهما، لكن طليقها أبدى مراراً عدم رضاه عن تصرفاتها، كما غادر إلى سوريا دون علمها، خوفاً من أن تشتكي عليه إلى السلطات التركية لكونها قاصر، على حد قولها.
 
من جهتها تقول أسيل 25 عاماً، وهي معلمة في مدينة غازي عنتاب لراديو روزنة، "إن الأهل يزوّجون بناتهن أحياناً للتخلص من عبئهنّ، وعبء مراقبتهن، خوفاً عليهنّ من الشباب في عمر المراهقة".
 
وتضيف "أسيل"، يتم تزويج الفتاة ممّن تحب أثناء دراستها، خوفاً من أي تصرّف طائش لها، كأن تهرب مع الشاب مثلاً، موضحة أن، "السبب الأزلي للزواج المبكر هو الفقر، الذي يدفع الأهالي لتزويج بناتهن أو بيعهن مقابل مبلغ مادي عبر زجهن داخل مؤسسة الزواج".

اقرأ أيضاً: في تركيا سعر العروس السورية 1200 دولار!
 
القاصر لا تصلح أن تكون أماً و لا زوجة
 
أمّا عن "الحالة النفسية" للقاصرات، تقول الأخصائية "عبيد"، إن إنشاء الأسرة يحتاج إلى نضج نفسي، مترافق مع نمو جسدي "فيزيولوجي"، ونمو الفكر والشخصية معاً عند سنٍ مناسب.  
 
وتساءلت عبيد، أنه كيف لطفلة ما زال اهتمامها في اللعب واللهو، وجسدها لم ينضج بعد، بأن تنشئ أسرة وتصبح مسؤولة عن أطفال وهي مازالت بحاجة لمن يرعاها ويعلمها الخبرات الحياتية المناسبة، على حد تعبيرها.
 
وتوضح الاخصائية، "ستجد الطفلة نفسها تحت ضغط المسؤولية التي لم تكن مستعدة لها، مما سيحولها لإنسانة متوترة لا تحسن التصرف مع الزوج أو الأطفال، الأمر الذي سينتج عنه أسرة مضطربة.
 
وبحسب "عبيد" فإن نسبة زواج القاصرات السوريات في الأردن مع بداية الثورة السورية كانت أكثر، بالمقارنة مع الوقت الراهن، وذلك نتيجة لحملات التوعية المكثّفة، لافتةً أنّ السن القانوني للزواج في الأردن بعمر الـ 18.
 
 
القانون التركي يُجرم زواج القاصرات.
 
يقول المحامي "حسام سرحان" عضو مجلس الإدارة في تجمع المحامين السوريين في تركيا لـ "روزنة"، إن القانون التركي حدّد سن الزواج للذكر والأنثى، ببلوغ الـ 18 عاماً، وترك مجالاً لقبول تسجيل زواج الأنثى دون السن القانوني لكن ضمن قيود محدّدة.
 
ويختصر "سرحان" هذه القيود التي نص عليه االقانون التركي، بإجازة الزواج لمن بلغت الـ 17 شرط موافقة أحد الوالدين، ولمن أتمت الـ 16 ولم تبلغ الـ 17 شريطةَ موافقة كلا الوالدين والقاضي الذي يتعين عليه تحديد ما إذا كانت القاصر قادرة على تحمّل أعباء الزواج.
 
وفي حال كان الزواج من أنثى لم تبلغ السن القانوني و لم تحقق الشروط السابقة، بالتالي يعتبر حينها القانون التركي ذلك الفعل "اعتداء جنسياً" على قاصر، وعقوبته السجن من 3 إلى 20 عاماً.

قد يهمك: ما هي طريقة تثبيت الزواج للأجانب في تركيا؟

العقاب بالسجن يطال كل من ساهم بزواج القاصر في تركيا
 
وأشار "سرحان" إلى رواج "الزواج العرفي"، أي الزواج خارج إطار القانون التركي، وخارج الجهة التي تنظّم الزواج وهي "مكتب الزواج في البلدية" ضمن المجتمع السوري بتركيا، وذلك عبر محامي أو شيخ، مؤكداً، أن تركيا تعاقب منظّم العقد والشهود وولي الأمر والزوج، في تلك الحالة.
 
وقد تبلغ عقوبة منظّم عقد الزواج وولي الأمر والشهود إلى ستة أشهر، حسب قوله.
 
وأصدرت محكمة جنايات تركية في شهر حزيران الفائت حكماً بالسجن لمدة 19 عاماً و9 أشهر على شاب سوري يبلغ من العمر 27 عاماً  في مدينة أضنة، بتهمة الاعتداء الجنسي بحق أطفال، وحجز حرية الغير، بسبب زواجه من طفلة يبلغ عمرها 14 عاماً.
 
 
غالباً ما يفضح الحمل، حالات زواج القاصرات
 
وتكتشف الحكومة التركية في معظم الأوقات، المخالفين للقانون والمتزوجين عرفياً عندما تحدث ولادة في أحد المشافي خاصة كانت أو للدولة، من خلال الأوراق الثبوتية للزوجة، التي يتبيّن فيها أن الأم دون سن الـ 18.
 
ويخاطر الوالدين، بتعريض المولود للحجز من قبل السلطات المختصة، وعدم تسليمه للأم، بل إلى أهل الزوج أو الزوجة أو لأي أحد يثبت قرابته، حسب "سرحان"، الذي استشهد بحادثة حقيقة، شابهت تفاصيلها ما حذرَ منه.
 
وقام تجمع المحامين الأحرار، بندوات منتظمة حذّروا خلالها السوريين بالالتزام بالقوانين التركية، وواجب احترامها.
 
 
اقرأ أيضاًعقوبة الزواج العرفي في سوريا ..السجن
  
 
أمراض وتشوهات يسببها الزواج المبكر للأم والجنين
 
من جهته يؤكد الطبيب السوري "مصطفى لولك" إن الزواج المبكر يتسبب بأمراض وأعراض جسدية كثيرة، منها فقر الدم، واضطرابات في الرحم، وارتفاع نسبة الإجهاض، وسوء نمو الجنين أو وفاته".
 
وعزا الطبيب السوري أسباب ذلك في حديث مع "روزنة"، لـ "عدم اكتمال نمو رحم الأم بشكل كامل"، مشيراً إلى أن الحمل الطبيعي "يحدث بعد سن الـ 18".
 
وشدد "لولك" على أن عدم لجوء الحامل القاصر لمراجعة المشافي العامة ينبع من خوفها من الملاحقة القانونية، مما يدفع بها إلى أيادي وعمليات العيادات غير النظامية التي تُقام في المنازل، والتي تغيب فيها المراقبة والعناية اللازمة لجسم الأم والجنين، قبل وبعد الولادة".
 
وقد يحرم الطفل المولود لأم قاصر في عيادات خاصة غير نظامية، من الحصول على حقه في اللقاحات الأساسية التي تقيه من الأمراض.
 
وتنص المادة 16 من قانون الأحوال الشخصية السوري أنه، "تكمل أهلية الزواج في الفتى بتمام الثامنة عشرة وفي الفتاة بتمام السابعة عشرة من العمر، في حين نصت المادة 18 من ذات القانون على بعض الاستثناءات التي يُسمح فيها الزواج لمن هم أصغر من الأعمار السابقة بشروط.
 
يشار إلى أن أغلبية حالات الزواج التي تمت بعد 2011 وبخاصة خارج سوريا، لم توثق في المحاكم الشرعية السورية، لا سيما وأن سفارات النظام السوري وبخاصة في الدول التي يكثر فيها السوريون مثل تركيا، لا تملك الصلاحية بإتمام عقود الزواج.
 
وفي العاشر من حزيران الماضي صدر القانون 24 في سوريا الذي عدّل قانون العقوبات وشدّد من عقوبة إبرام عقد الزواج خارج الأطر الرسمية التي يجب أن تجري في المحكمة الشرعية، وطالت العقوبة أيضاً الزوجين وممثليهم الشهود.
 
وقالت مصادر قضائية لصحيفة الوطن المقربة من النظام السوري في وقت سابق أن 70 بالمئة من السوريين يتزوجون عرفياً، أي خارج المحكمة، قبل تثبيت الزواج في المحكمة المختصة.
 
ويعاقب القرار بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وبغرامة مالية من 50 إلى 100 ألف ليرة سورية على كل من يعقد زواج قاصر بكر خارج المحكمة المختصة دون موافقة من له الولاية عليها في حين يعاقب بالغرامة من 25 إلى 50 ألف كل من يعقد زواج قاصر خارج المحكمة بموافقة الولي.