للأسف..

للأسف..
للأسف..
القصص | ١٣ يوليو ٢٠١٣

مقالات الرأي | خرج السوريون منذ حوالي 28 شهراً للمطالبة بالحرية التي لم يعرفوها في حياتهم، ولاسيما أن الغالبية الغالبة من الشباب السوريين الذين خرجوا إلى الشوارع والساحات هاتفين للحرية والكرامة هم من "أبناء" البعث، أي ممن ولدوا ونشأوا في ظل الحكم البعثي الذي دشن نفسه حاكماً في 1963، ثم اقتفى أثر الأحزاب الشيوعية في المنظومة الاشتراكية الصديقة، فأعلن نفسه وصياً فعلياً على السوريين (ووصياً نظرياً على الأمة العربية ذات الرسالة الخالدة)، وصادر حتى حرية الطفل والمراهق السوريين في عدم الانتساب إلى طلائع البعث وشبيبة البعث. هتف السوريون للحرية التي كانت في مخيلتهم صوتاً ساحراً يسمعونه من المستقبل، نداء غامضاً ينجذبون إليه دون أن يدركوا ملامحه بدقة. كانت الحرية بالنسبة إليهم غاية تتحدد بالسلب، فهم يعرفون ما لا يريدون أكثر من معرفتهم ما يريدون. هم لا يريدون هذا النظام، هذه هي الحقيقة الثابتة في أذهانهم. كانت الحرية تعني بالنسبة إليهم "إسقاط النظام"، هكذا ببساطة ودون شرح.

كان الهتاف الأول الذي خرج من حناجر السوريين في البادرة الأولى لانتفاضتهم "الشعب السوري ما بينذل". وكان السوري الذي لا يملك سيطرة على حياته، ولا يملك رداً لشبكة العلاقات الفاسدة التي تمتص دمه، ولا للألغام الكثيرة والمتنوعة المحتملة دائماً في مسارات حياته اليومية، يرى في الذل رديفاً للنظام ويرى في "إسقاط النظام" طريقاً إلى كرامة منشودة.

على مدى سنوات الاستقرار والأمن والأمان التي طالما تغنى بها السوريون، كانت أجهزة النظام وتوابعها من تشكيلات عنفية غير رسمية، قد وفرت بالفعل الأمان للسوريين من أشكال الإجرام "العادي" ومن أصناف المخاطر الجرمية والاعتداءات "الشعبية" التي يمكن أن يتعرض لها المواطن (نستخدم هذا المصطلح مجازاً)، واحتكرت هذه الأجهزة لنفسها الحق في أن تكون مصدر الخطر الوحيد ومصدر الخوف الأول. نجح النظام السوري، بعد أن وطد لنفسه عقب انتصاره الساحق على حركة الإخوان المسلمين في مطلع 1982، وما رافق ذلك وتلاه من قمع معمم لكل مظاهر الحياة السياسية المستقلة في سوريا، نجح في تأميم الخطر والخوف اللذان باتا مركزيين كالسياسة والاقتصاد في دولة البعث. الجهة  الوحيدة التي يحق لها أن تخيف المواطن وتشكل خطراً دائماً على حقوقه، بما في ذلك الحق في الحياة، هي السلطة المستبدة باستطالاتها الرسمية وغير الرسمية.

كان ثمة أمان عام في سوريا ولكن لم يكن لمواطن أن يأمن على نفسه إذا خرج من البيت أن يعود. يقضي المواطن السوري حياته وهو على حافة هذه الهاوية، لا يحميه منها قانون ولا دستور. لا يعرف المواطن السوري حين يضع قدمه على الأرض أو حين يتكلم أو يلتفت أو يبتسم أو يكشر، هل تجاوز خطاً أحمر ما لجهة ما (وما أكثر الجهات التي تتفرع كأذرع الاخطبوط وتلتقي في جسد واحد جامع لكل السلطات، مانع لكل أصناف المعارضات) وهل عليه بالتالي أن ينتظر ردعاً ما. الأمان العام وانعدام الأمان الشخصي هي السمة المميزة للنظام المستبد على الطريقة البعثية الأسدية. أثبت الواقع السوري أن الأمان العام القائم على قوة السلطة وضعف المجتمع هو أمان مهزوز مهما بدا راسخاً، لأنه قائم على إذلال المواطن وحرمانه حرياته.
لا غرابة إذن أن تتكثف كل مطالب المتظاهرين السوريين بمطلب واحد هو إسقاط النظام. وأن تزهر الحرية والكرامة بكل هذا البهاء على ألسنة ملايين المحتجين.

لكن اليوم وبعد أن علا صوت السلاح على صوت الهتافات، بصرف النظر عن الشروط التي أودت بنا إلى هذه الحال، يخبو صوت الحرية، وتبدو الكرامة أبعد عن السوريين الذين باتوا، للأسف، منشغلين بصون حياتهم من القتل والجوع وعوامل الطبيعة عن أي شيء آخر.

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة وإنما تعكس وجهة نظر كاتبها.