أيبقى الغرب أسير صورته عن الثورة السورية؟

أيبقى الغرب أسير صورته عن الثورة السورية؟
أيبقى الغرب أسير صورته عن الثورة السورية؟
القصص |٢٤ يونيو ٢٠١٣
بعد أكثر من سنتين على انطلاق الثورة السورية لم نشهد تظاهرة شعبية حقيقية في أيٍّ من المدن الغربية تندد بمجازر النظام المستمرة، وحتى تأكيدات الإدارة الأمريكية أخيراً على استخدام النظام للسلاح الكيماوي، مع خطورة هذه التأكيدات لكونها تُعدّ جريمة موصوفة ضد الإنسانية؛ حتى ذلك لم يدفع بالمواطنين الغربيين للنزول إلى الشارع مطالبةً لحكوماتهم بحماية المدنيين السوريين، أو في الحد الأدنى إبداء التعاطف الإنساني المحض مع مأساتهم المستمرة. الغاية من هذا الاستهلال ليست تحميل المواطن الغربي المسؤولية الأخلاقية، ولا الانتقاص من حسّه الإنساني، على رغم نسبية العاملين الأخيرين في كل مكان وزمان، وخضوعهما على الأرجح لاعتبارات أيديولوجية وسياسية. إذاً سنفترض وجود عائق ما، أو غالباً عوائق عدة، تمنع المواطن الغربي من إبداء التضامن المتوقع مع ضحايا الانتهاكات الفظيعة في سوريا، وفي الطليعة منها صورة الثورة السورية في الغرب واصطناعها على النحو الذي لا يثير اكتراث المواطن العادي، إن لم يدفعه إلى معاداتها. ما يلفت الانتباه أولاً غلبة الرواية التي يقدّمها يساريون ويمينيون متطرفون في الغرب، وهي رواية مسانِدة بقوة للنظام السوري، مع أن قوى اليسار واليمين المتطرف لا تملك المنابر الكبرى المؤثرة في صناعة الرأي العام الغربي. ذلك يعني غياباً متعمداً للقوى الأساسية المؤثرة في الغرب، وعدم جدية الحكومات التي أعلنت تضامنها مع الشعب السوري إذ لم تسعَ فعلاً إلى خلق رأي عام مؤيد لسياساتها تجاه الثورة، ومن المتوقع أن سلوكها هذا بقصد ترك طريق العودة مفتوحاً فيما إذا قررت تغيير موقفها من الثورة، أي أن هذه الحكومات لم تصل في تأييدها إلى الدرجة التي تحتاج فيها دعماً داخلياً، ولو كان الوضع بخلاف ذلك لرأينا صور الأطفال والنساء من ضحايا النظام تملأ الشاشات وتتصدر الصحف لتستنفر الحس الإنساني الذي لا نشك في وجوده لدى المواطن الغربي. ثمة منابر غربية شبه حكومية، أو داعمة للحكومات الحالية، لا تعير انتباهاً كافياً للحدث السوري، وقد يغيب تماماً عن نشراتها الإخبارية؛ بعضها يلطّف قدر الإمكان من هول ما يحدث فيأخذ مثلاً أول إحصائية عن عدد القتلى في الصباح ولا يكف عن تكرارها على مدار الساعة بعد أن تكون الأرقام قد تضاعفت عدة مرات. في المقابل تُفرد مساحات لم يكن يحظى بها يساريون أو يمينيون متطرفون للتعبير عن دعمهم للنظام بحجة معاداة الأصولية أو حماية الأقليات، فتهيمن هذه الرواية على أخبار القتل، ومن جهة خفية تدعم أحقية النظام بقتل أعدائه أو إبادتهم خارج أي قانون ما داموا وفق هذا التصنيف أصوليين. وكما نعلم كان بعض الحكومات الغربية سباقاً في التركيز على حماية الأقليات، ومن المؤكد أن هذا الإلحاح أدى إلى فهم المواطن الغربي الثورة على أنها أصولية إسلامية، حدث ذلك في الوقت الذي كانت فيه الثورة سلمية بالمطلق وبشعارات تنادي بالمدنية والديمقراطية. أما أن يكون شيئاً مما روّجت له الحكومات الغربية، أو روج له النظام وتلقفه بعض اليسار وأنصار معاداة الأجانب والإسلام في الغرب، أن يكون شيئاً منه قد تحقق على أرض الواقع فهذا لا يثبت صواب التوقعات بقدر ما يثبت إمكانية اصطناع التطرف عندما يتخلى الجميع عن مسؤولياتهم إزاء الضحايا. الذين خرجوا في المظاهرات لمدة أشهر لم يكونوا معادين للغرب، بخلاف إعلام النظام الذي يتهم الغرب ويؤجج مشاعر الكراهية تجاهه، وحملت المظاهرات شعارات عديدة تطالب الغرب بالتضامن والتدخل لحماية المدنيين، وسيكون مستغرباً على هذا الصعيد أن يفسح الغرب المجال واسعاً أمام العداء لأولئك المتظاهرين والتأييد لنظام يؤجج الكراهية ضده!. حتى إن تجاوزنا العوامل الأخلاقية والإنسانية ستكون النتيجة أن الغرب، بتقاعسه وتأخره إزاء السوريين، قد دفع قسماً منهم إلى تقمص الصورة التي يخشى منها؛ أي أن الغرب وقع ضحية ما يخشى منه، إلا إن كان من طرف خفي يسعى للوصول إلى هذه النتيجة. في المحصلة هناك واقع على الأرض ينبغي الاعتراف به، وهو وجود ثورة لشعب أثبت إصراراً كبيراً على المضي بها رغم وحشية النظام، وكلما بقي الغرب أسير صورته عن الثورة سيتأخر عن اللحاق بالمستجدات الميدانية، وحينها قد تتحقق أكثر مخاوفه سوءاً وتصبح هيمنة التيارات الأصولية واقعاً لا رجعة عنه. حتى الآن الصورة ليست بغاية السوء إلا في الإعلام الغربي، أما الوقائع على الأرض فلا زالت تقول للغرب ذلك المثل القديم: أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً. دعوة لا تتوسل جيوشاً وأساطيل، بل تتوسل دعماً سياسياً ومادياً جاداً فحسب. ------------------------------------------- مقالات الرأي لا تعبر عن رأي روزنة بالضرورة انما تعبر عن رأي كاتبها.