نحو مجتمع أفضل.. لنقبل بالاختلاف!

نحو مجتمع أفضل.. لنقبل بالاختلاف!
نحو مجتمع أفضل.. لنقبل بالاختلاف!
أسلوب حياة | ٢١ فبراير ٢٠٢٠

كيف ينبغي للتنوع الاجتماعي أن يجعل الأفراد يؤمنون بضرورة وجود اختلاف في وجهات النظر، وكيف سيدفعهم هذا الاعتقاد إلى تغيير سلوكهم ومنهجياتهم، لاعتماد مقاربات أفضل تضمن لهم وللمجتمع العيش الرغيد والتنمية المستدامة.

 

بعد عقود من الأبحاث التي أجراها علماء التنظيم الاجتماعي وعلماء النفس وخبراء الاقتصاد والمتخصصون في الدراسات السكانية، توصّل الباحثون مؤخراً إلى نتيجة مبهرة مفادها أن المجتمعات المتنوعة والتي يختلف أفرادها عن بعضهم البعض في بلد المنشأ والمستويات العلمية، الأصول والأعراق وحتى في الإيديولوجيات السياسية، هي مجتمعات أكثر قدرة على الابتكار من التجمّعات البشرية المتجانسة. فالتنوع الذي يغذي تلك المجتمعات يجعل الأفراد أكثر إبداعاً وأكثر اجتهاداً.

إن المؤسسات والكيانات المجتمعية التي تضم أشخاصاً بخبرات مختلفة، تكون أكثر فاعلية عند مجابهة المشاكل المعقدة، وأكثر قدرة على إيجاد الحلول ومعالجة القضايا المصيرية مقارنة بالكيانات المتجانسة. ويمكن تعميم فكرة التنوع ذاتها للمؤسسة الواحدة إلى تنوع البنية المجتمعية ككل وهذا ما أكدته العديد من الدراسات العلمية الحديثة وبصورة قطعية.

لا تقتصر أهمية التنوع على تلك المعارف أو تلك التجارب الحياتية التي سيتشاركها فيما بينهم الأفراد القادمون من خلفيات ثقافية مختلفة، بل أيضاً على التفاعل الحاصل بينهم والذي سيجعل كل فرد منهم أكثر استعداداً لترقب وجهات النظر الأخرى وأكثر جاهزية لتقبلها، وسيدفع التنوع أفراد المجتمع جميعاً للعمل بجد وبذل جهود أكبر للتوصل بالإجماع إلى حلول توافقية للمشكلات والتهديدات التي قد تواجههم.

العديد من الشركات الكبرى وانطلاقاً من معرفتها بالأهمية القصوى للتنوع والاختلاف، تنفق مليارات الدولارات سنوياً لتشجيع التنوع الوظيفي في مختلف الأقسام والأفرع وحتى على مستوى المجالس الإدارية العليا، وكل ذلك لضمان الاستمرارية ولتعزيز القدرة على إيجاد الحلول المبتكرة وبالتالي تحقيق الأرباح المستدامة. وأفضل مثال على ذلك هو شركات التكنولوجيا الكبرى التي تشغل مقراتها الرئيسية وادي السيليكون في كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية.

لدعم التفكير الحر.. والمزيد من الابتكار!

 

في حقيقة الأمر، في حال رغبت بتكوين فرق أو منظمات قادرة على الابتكار ستحتاج حتماً إلى التنوع، إذ يعزز الاختلاف جانب الإبداع لدى الأشخاص، ويشجعهم على التشاركية المعرفية وتبني وجهات نظر تجديدية واعتماد مقاربات حديثة. الأمر الذي سيدعم حتماً مسائل اتخاذ القرار ومعالجة المشكلات، وسيسهم في تمكين البنية المؤسساتية للكيانات المجتمعية مما يدفع إلى دعم الاكتشافات الحرة والابتكارات الثورية.

تتغير طريقة تفكير المرء عند تعامله مع أشخاص مختلفين عنه، وهذا الكلام ليس مجرد ادعاءات واهية، بل هو نتاج عقود من أبحاث قادها رواد التنظيم الاجتماعي وعلماء الدراسات السكانية. وتعد الولايات المتحدة الأمريكية التجسيد الفعلي لثمرة التنوع الاجتماعي. فالولايات المتحدة بلد قائم على المهاجرين والتنوع، وبلد يعرف كيف يستثمر الاختلاف بالشكل الأمثل وإلى حدوده القصوى.

اقرأ أيضاً: البدايات الفاشلة.. طريقك نحو النجاح

 

وقد توصل الباحثون إلى نتيجة مهمة للغاية مفادها وجود تناسب طردي بين التنوع العرقي والاهتمام المجتمعي بالابتكار، وهذا سيؤدي بدوره إلى تعزيز الأداء الكلي للمجتمعات وسيضمن تحقيق مستويات التنمية المطلوبة والعيش الرغيد لجميع الأفراد.

التنوع المعرفي.. والخبرات الحياتية!

 

يعد مفهوم "تنوع المعلومات" بمنزلة حجر الأساس لفهم التأثير الإيجابي للتنوع. حيث يتشارك الأفراد معلومات وآراء ووجهات نظر مختلفة عندما يجتمعون معاً ضمن فريق عمل واحد لحل قضية معينة. ويتجلى هذا الأمر عند التطرق إلى تنوع الاختصاصات لدى الأشخاص العاملين ضمن مؤسسة أو شركة ما. وينطبق المنطق ذاته على التنوع الاجتماعي.

فالأشخاص المختلفون في الأعراق والأجناس والتصنيفات الأخرى، يستحضرون معلومات متنوعة وتجارب حياتية فريدة سيوظفونها حتماً عند أداء المهام الموكلة إليهم في مجتمعاتهم.

سيكولوجيا الاختلاف المبدع!

 

تفسر التجارب المجتمعية والدراسات الإحصائية نتائجها حول تفوّق التنوع العرقي بالقول، إن تواجدنا بصحبة أشخاص يشبهوننا سيجعلنا نفترض أننا نمتلك المعلومات والخبرات المتقاربة نفسها، وأننا سنتشاطر وجهات النظر ذاتها. سيحرم هذا التقدير الخاطئ فرصة المعالجة الأمثل لحل المشكلات، وسيُعد المسؤول الأول عن إعاقة قدرات الإبداع والابتكار.

بالمقابل، عندما نسمع رأياً مخالفاً من شخص يختلف عنا، فإن ذلك يدفعنا للتفكير به ملياً. ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يمكننا القول بأننا سنكون متأهبين للعمل بجد أكبر حين يكون الاختلاف صادراً عن شخص مختلف عنا اجتماعياً. وعليه، يحفزنا التنوع إلى بذل جهد معرفي أكبر، وبأشكال لا يحققها التجانس.

التنوع.. وجهود البحث العلمي!

 

يبدو أيضاً أن التنوع يقودنا لأبحاث علمية ذات جودة أعلى بكثير. كما جاء في تجربة ريتشارد فريمان، الأستاذ في جامعة هارفارد، والذي قام بفحص الهوية العرقية لمؤلفي نحو 1.5 مليون ورقة علمية تم نشرها في الفترة الممتدة بين عامي 1985 و2008. استخدم الباحث شبكة طومسون رويترز للعلوم، وهي قاعدة بيانات شاملة تحوي معظم الأبحاث المنشورة.

اكتشف فريمان أن الأوراق العلمية التي شاركت في تأليفها مجموعات متنوعة عرقياً، قد تم الاقتباس منها أكثر، وحققت صدى أكبر من تلك التي شارك في تأليفها أشخاص ينتمون إلى عرق واحد. وعلاوة على ذلك، وجد أيضاً أن الأوراق الأفضل كانت مرتبطة بعدد كبير من المواقع الجغرافية المختلفة للمؤلفين. إذ إن التنوع الجغرافي والاعتماد على عدد أكبر من المراجع هو انعكاس لمزيد من التنوع الفكري.

مقاربات أفضل..

 

يشعر أعضاء المجموعات المتجانسة بثقةٍ أنهم سيتفقون مع بعضهم وبالتالي سيتوصلون إلى اتفاق ما بسهولة بالغة. لكن عندما يَلحظ أعضاء مجموعة ما أنهم يختلفون اجتماعياً فيما بينهم، فإن مقارباتهم التقليدية سوف لن تنفع وسيتوجب عليهم اعتماد مقاربات جديدة تنص على وجود اختلافات في الآراء ووجهات النظر. وسيدرك أولئك الأشخاص أنهم بحاجة إلى العمل بجهد أكبر كي يصلوا إلى إجماع حول قضية ما.

اقرأ أيضاً: لنتوقف عن القلق.. ونتخلص من مخاوفنا

 

سيساعد هذا المنطق في تعزيز الأثر الإيجابي للتنوع المجتمعي، حيث سيبذل الأفراد جهداً أكبر على الصعيدين الفكري والاجتماعي عندما يتواجدون في بيئات مختلفة عنهم. ربما لن يشعروا بالارتياح في البداية لتقديم جهد إضافي، لكن العمل الدؤوب والمجهود المقدّم سيكون الضامن حتماً لتحقيق النتائج الأفضل. وسيسهم التنوع حينها في جعل المجتمع بأكمله أكثر اجتهاداً وأكثر انفتاحاً.