هل تحارب الولايات المتحدة "تحرير الشام" بعد "داعش"؟

mashreghnews

تحليل سياسي ٢٠ نوفمبر ٢٠١٨ |روزنة - مالك الحافظ
شارفت معركة انهاء تنظيم داعش في سوريا على الاقتراب، حيث يضيق الخناق على أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم "داعش"، في مقر إقامته داخل سوريا قرب الحدود مع العراق، وذلك مع تحول المعارك بين مسلحي التنظيم الإرهابي وقوات سوريا الديمقراطية إلى حرب شوارع.
 
وتعتبر منطقة هجين (ريف محافظة دير الزور) معقلا رئيسيا لمن تبقى من مسلحي "داعش" في سوريا، وتدعم الولايات المتحدة؛ قوات سوريا الديمقراطية في إطار حرب واشنطن ضمن تحالف دولي للقضاء على تنظيم "داعش" في سوريا، بعد أن سيطر التنظيم على مناطق شاسعة شمال شرقي سوريا على مدار 5 سنوات، قبل أن يتم طرده منها، لا سيما مدينة الرقة، التي كانت تعتبر معقلا رئيسيا للتنظيم وطرد منها في تشرين الأول من العام الفائت.
 
ولا تعتبر واشنطن تنظيم "داعش"؛ التنظيم الإرهابي الوحيد في سوريا، بل تضيف إلى جانبه هيئة تحرير الشام "جبهة النصرة سابقاً"، حيث أدرجت الولايات المتحدة جبهة "النصرة" على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية منذ شهر كانون الأول من عام 2012.
 
وكررت الولايات المتحدة وضع جبهة النصرة على قائمة الإرهاب في شهر حزيران الماضي، بعد تغيير اسم الجبهة إلى "هيئة تحرير الشام".
 
لماذا لم تحارب واشنطن "جبهة النصرة"؟
 
حول ذلك يؤكد الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية "حسن أبو هنية" أن استراتيجية الولايات المتحدة في سوريا تركزت في أحد مهامها باستخدام هيئة تحرير الشام "جبهة النصرة سابقاً" في مواجهة تنظيم "داعش".

وقال أبو هنية في حديث خاص لراديو روزنة أن الولايات المتحدة لديها استراتيجية خاصة تسميها بمكافحة التمرد وتتعامل مع هذه الحركات في المنطقة على أساس مقاربة "ديفيد بتريوس" قائد القوات الأمريكية إبان الحرب الأمريكية على العراق عام 2003
.
وتستند مكافحة التمرد الأمريكية على نسج روابط مع مقاتلين محليين أكثر اعتدالا، من أجل استخدام هذه الحركات ضد بعضها بمعنى أن واشنطن لا تريد محاربة الجميع، وإنما مواجهة التنظيم الجهادي الأشد خطورة.

ووفق أبو هنية فإن الاستراتيجية الأمريكية تبنت بأن الخطر الأساسي على مصالحها في سوريا والعراق هو تنظيم داعش وهو القوة الأكبر التي ينبغي مواجهتها، "بالتالي أصبحت هزيمة تنظيم الدولة مع أوباما، ثم مع ترامب استراتيجية أساسية، وأصبح التعامل مع النصرة واستخدامها بمواجهة داعش ".

اقرأ أيضاً..ما هو مستقبل إتفاق إدلب بوجود "هيئة تحرير الشام"؟

وانفرط العقد بين تنظيمي "القاعدة" و"الدولة الاسلامية في العراق" مع اندلاع الصراع في سوريا عام 2011، عندما قرر أبو بكر البغدادي الذي يقود تنظيم الدولة منذ عام 2010، بتوسيع نشاطه ليشمل الأراضي السورية، فأرسل عددا من مقاتليه لإقامة موطئ قدم لهم هناك.
 
في بداية الأمر رحب أيمن الظواهري الذي ورث قيادة تنظيم "القاعدة" بدخول "تنظيم الدولة" معترك القتال ضد النظام في سوريا، إلا أن الزعيم الجديد كان يحبذ الاحتفاظ بـ "جبهة النصرة" (فرع "القاعدة" في سوريا)، ككيان مستقل بقيادة سورية منفصلة عن التنظيم القادم من العراق.
 
غير أن قيادة "الدولة الاسلامية" رأت أن التنظيم الذي يقوده الظواهري أفرط في التركيز على القتال في سوريا وتجاهل العراق، وظل الخلاف قائما بين القيادتين حتى عام 2013 حين أصدر الظواهري أمره للبغدادي بالامتثال، غير أن الأخير رفض وأعلن من جانب واحد وضع جبهة النصرة تحت قيادته العراقية.
 
وفي مطلع عام 2014 اندلع القتال بين التنظيمين، وعلى إثره أنهى الظواهري رسميا علاقات "القاعدة" بـ "الدولة الاسلامية"، التي أعادت تسمية نفسها بـ "الدولة الاسلامية في العراق والشام" وباتت تعرف اختصارا بـ "داعش".
 
وفي كانون الثاني 2017 أعلن "أبو محمد الجولاني" تغيير اسم جبهة النصرة من "فتح الشام" إلى "تحرير الشام"، وسبق ذلك تغيير "جبهة النصرة" لاسمها إلى "فتح الشام" وإعلان فك ارتباطها بتنظيم "القاعدة" في حزيران 2016.
 
أجنحة جبهة النصرة
 
وعلى الرغم من ذلك فإن الولايات المتحدة لها مقاربة خاصة تتعامل من خلالها تجاه جبهة النصرة، حيث تقسم جبهة النصرة على اعتبار أنها ثلاث جماعات بمعنى أنها مكونة من 3 أجنحة.
 
فهناك جناح "راديكالي" مرتبط بالقاعدة، وهو مجموعة خراسان، وهذا الجناح من النصرة كانت تستهدفه واشنطن، وقضت على نسبة كبيرة منه بطائرات دون طيار، فضلا عن وجود الجناح البراغماتي بزعامة أبو محمد الجولاني، والجناح المعتدل بزعامة أبو مارية القحطاني، فكانت الولايات المتحدة تترك باقي الأجنحة وتستهدف جناح خراسان، وهو الجناح الذي شكل عنه لاحقاً جماعة "حراس الدين".
 
ويعتبر الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية خلال حديثه لروزنة أن مهاجمة النصرة ليس من أولويات واشنطن، "كانت النصرة عند مكافحة داعش قوة حقيقية، فإذا تم القضاء عليها في ذلك الحين يصبح موقف الولايات المتحدة تجاه النظام السوري ضعيفا".
 
ما هو مستقبل النصرة؟
 
ويشير أبو هنية إلى أن الولايات المتحدة عندما تبنت برنامج مساعدة القوى المعارضة المعتدلة وانفقت عليه ملايين الدولارات فإنه فشل فشلا ذريع، وذلك بحسب تعبيره يرده إلى أن واشنطن لم تجد قوى معتدلة بل أنها كانت ترى بأن المكون الأساسي الصلب القادر على القتال هو جبهة النصرة.

وقرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تموز من العام 2017، إنهاء برنامج تابع لوكالة الاستخبارات الامريكية لتسليح وتدريب فصائل المعارضة السورية، وكان البرنامج يعد بمثابة حجر أساس في سياسة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عام 2013 للضغط على الاسد من أجل التخلي عن السلطة.
 
قد يهمك..ما هي الحروب الثلاثة التي تنتظر سوريا؟

وعلى الرغم من تصنيف واشنطن للنصرة على أنها تنظيم إرهابي إلا أنها بنفس الوقت كانت تدفع النصرة باتجاه تقديم تنازلات، "لكن الجناح المتشدد وهو جماعة خراسان، كان يمانع ذلك؛ لذا كانت الطائرات الامريكية تستهدفهم ".
 
ولفت أبو هنية إلى أن الولايات المتحدة كانت تتعامل مع النصرة بدرجة براغماتية كما تتعامل مع حركة طالبان في أفغانستان، "صحيح بأنها تصنفها إرهابية، لكنها تدرك بأنه يجب أن تدخل التنظيم، وتدفع قيادات فيها الى الاعتدال وبنفس الوقت استخدامهم في مواجهة داعش".  
 
ويرى الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية أن مستقبل التنظيم سيكون رهن التوافقات الدولية، "إذا تم الاتفاق بين روسيا وتركيا في النهاية، قد يحدث صدام مع النصرة في شمال سوريا، ولكن ليس كمعركة كبرى مثل تلك التي كانت يروج لها في شهر أيلول الماضي، باستهداف كبير وواسع لجبهة النصرة في إدلب".

وكانت "هيئة تحرير الشام" قد فرضت سيطرتها على محافظة إدلب بعد انسحاب جماعة أحرار الشام منها في شهر تموز من العام الفائت.

وتوصلت تركيا وروسيا نهاية شهر أيلول الماضي إلى اتفاق لإنشاء منطقة منزوعة السلاح في إدلب يقضي بانسحاب المقاتلين "المتشددين"، إلا أن تواجد "هيئة تحرير الشام" يشكل عائقاً على استمرار الاتفاق بين الطرفين، وسط محاولات تركية لتفكيك التنظيم وإنهاء تواجده في المنطقة بشكل رسمي، ويتراوح عمق المنطقة منزوعة السلاح بين 15 و20 كيلومترا ستمتد على طول خط التماس بين مقاتلي المعارضة وقوات النظام.