لماذا يحذف يوتيوب فيديوهات سوريا؟

لماذا يحذف يوتيوب فيديوهات سوريا؟
لماذا يحذف يوتيوب فيديوهات سوريا؟
أخبار |٠٩ مارس ٢٠١٨
تستمر الحرب في سوريا بالغوص في أعماق جديدة من القسوة التي لا يمكن تصورها، ولعل معظم ما نعرفه عن مجريات الأحداث هناك، يأتي من صورٍ ومقاطع مصورة، التقطت بعدساتِ نشطاء محليين، ومواطنين صحفيين. ويواجه هؤلاء في يومنا المعاصر، معضلةً يبدو التخلصُ منها أمراً ليس سهلاً، حيثُ تحذفُ منصات كبرى كـ "يوتيوب" مقاطعهم المصورة.  
 
عمليات الحذف، الفيديوهات المستهدفة
 
وفي آخر التطورات، شنَّ نظام "الأسد" هجوماً جوياً على الغوطة الشرقية، هو الأعنف منذ بدء حصاره المفروض على المنطقة عامَ 2013، ولعل معظم ما يعرفه العالم عن مأساة هذا الجيب المحاصر، يأتي من السكان الذين يقومون بتحميل مقاطع الفيديو من المنطقة، على شبكة الإنترنت.
 
بتاريخ الـ 19 من شباط الجاري، قام "إليوت هيغينز"، مؤسس شركة "Bellingcat" (تعمل على تخزين محتويات ومواد ينتجها مواطنون صحفيون)، والمحلل الرائد في استخدام الأدلة "مفتوحة المصدر" في التحقيقات المتعلقة بمناطق الصراع، بتجميع قائمة تشغيل لمقاطع فيديو على موقع "يوتيوب"، كانت التقطت في الغوطة الشرقية ذلك اليوم.
 
أشرطة الفيديو تلك، تتيحُ مجالاً صغيراً للشك فيما يتعلق بالأهوال التي يتعرض لها السكان المدنيون في الغوطة، حيثُ تُصور قائمة التشغيل المكونة من 26 مقطعاً، جثة طفل تُحمّل في سيارة إسعاف، وأهالي يصرخون وهم يقفون بمواجهة أنقاض المباني المدمرة، بينما تبحر الطائرات الحربية في سماء المنطقة.
 
ويستضيف موقع "يوتيوب" حوالي 4 ملايين مقطع مصورٍ يتعلق بسوريا، تم تحميلها منذ 2011، حسب ما ذكرت "كيث هيات"، نائب رئيس برنامج حقوق الإنسان في "Benetech"، وهي منظمة غير ربحية تعنى بالأمور التكنولوجية.
 
إلا أن موقع "يوتيوب"، الذي يصورُ أولُ مقطعٍ نُشر عليه عام 2005، أحدَ المؤسسين الرئيسيين للشركة أمام حظيرة للفيلة في حديقة حيوان "سان دييجو"، لم يكن عازماً على أن يكون أكبر مستودعٍ في العالم لمخلفات الحرب، حسب ما ترجمت "روزنة" عن موقع "FastCompany".
 
وخلال صيف عام 2017، قدم "يوتيوب"، خوارزميةً تعمل على الإبلاغ عن مقاطع مصورة متعلقة بانتهاكات بنود الخدمة "ToS"، حيثُ كان الغرض من الخوارزمية، هو الإسراع في إزالة مقاطع الفيديو الدعائية التي نشرتها الجماعات المتطرفة كـ "داعش"، لكنها أشارت (أبلغت) في طريقها، عن وجودِ عدد كبير من المقاطع،  كان نشرها ناشطون، وأعدتها للحذف.
 
وفي غضون بضعة أيام تلت، اختفت نحو 900 قناة على موقع "يوتيوب"، مرتبطة بسوريا، بما في ذلك تلك التي يديرها "إليوت هيغينز"، أي قناة شركة "BellingCat".
 
وبعد الغضب، وتغطية إعلامية كبيرة على "نيويورك تايمز، وإنترسبت"، تمت استعادةُ العديد من المقاطع المصورة المحذوفة، بما في ذلك قناة "هيغينز"، حيثُ تباطأت وتيرة عمليات الحذف والإزالة، من قبل "يوتيوب"، في حين يؤكدُ ناشطون، إن الموقع لم يتوقف عن الحذف والإزالة، بشكل كلي.  
 
وفي الفترة ما بين أيلول، وكانون الأول، بعد أن حظيت المسألة باهتمام كبير من جانب وسائل الإعلام، أزيلت 68 قناة من موقع "يوتيوب"، كانت منظمة "BellingCat"، ومشروع "الأرشيف السوري"، يتتبعانهم، الأمر الذي قوضَ ما تعدداه 400 ألف مقطع مصور، ورفعَ عددَ القنوات المحذوفة إلى 216.
 
ولاحظ مراقبو حقوق إنسان آخرون، أن مقاطع الفيديو المتعلقة بسوريا استمرت في الزوال من الموقع حتى مطلع عام 2018.
 
وقال "شابنام مجتهدي" في كانون الثاني، المحلل القانوني والاستراتيجي في مركز العدالة والمساءلة في سوريا، "نقوم بتحميل مقاطع فيديو إلى يوتيوب، ومن ثم نعمل على استيرادها إلى نظامنا، مضيفاً، "كانت هناك أوقات أعيد فيها مراجعة الفيديو وتحليله، ثم أضغط على زر التحديث، أو أعود بعد دقيقتين، لأجد المقطع، قد حذف من المنصة".
 
منذ شهر كانون الثاني، تم استرجاع معظم القنوات المحذوفة على الموقع، باستثناء 55 قناة، حيث يقول مؤسس ومدير الأرشيف السوري "هادي الخطيب"، "هذا مجرد نصر جزئي"، ويضيف، إن ما يزيد عن 200 ألف مقطع فيديو لا يزال خارج الشبكة، وهذا الرقم، هو ما علم به الأرشيف السوري فقط.
 
نظرًا للحجم الهائل لمقاطع الفيديو ذات الصلة بسوريا والموجودة حاليًا على "يوتيوب"، وعدم إبداء المنصة استعدادها، لمشاركة معلوماتٍ حول عمليات الحذف، تم محو مقاطع مصورة، لم يحظى وجودها أو عملية حذفها، باهتمام أصحابهم، أو من لديهم القدرة على رفع قضيتهم، أمام شركة "يوتيوب".
 
ويقول "الخطيب"، "هناك العديد من القنوات التي تمت إزالتها، أكثر بكثير من العدد المعروف لدينا، لكن المشكلة هي أننا لا نعرفها"، مضيفاً أن، "بعض القنوات ستزول إلى الأبد ما لم ينشر يوتيوب تقريراً يذكر فيه جميع القنوات المحذوفة".
 
وأحد أبرز الأمثلة، هو قناة "شام نيوز"، وهو مشروع يعملُ به مواطنون صحفيون، مسؤولٌ عن تحميل 245 ألف مقطع على يوتيوب.
 
يقول "الخطيب"، إن قناة شبكة شام نيوز، حُذفت من موقع يوتيوب، واستعيدت أربع مرات على الأقل بعد أن قدمَ نشطاء الشبكة احتجاجهم للشركة، مضيفاً، "لا تتم دائماً استعادة القنوات بالكامل، وأحيانًا عندما يتم استرجاع هذه القنوات، فإن 20٪ من مقاطعها المصورة، تكون قد حذفت للأبد".

 
ويؤكدُ النشطاء إن عمليات الحذف لا تزال مستمرة، وإن كان ذلك بمعدل أبطأ بكثير من الصيف الماضي، وحتى مع استرجاع أكثر من 160 قناة، فإن "عملية استرجاع القنوات، تستغرق وقتاً طويلاً"، حسب ما ذكر الخطيب.
 
كيف تعمل خوارزمية "يوتيوب"؟
 
إنه من غير الواضح، نوعية الآلية التي تعمل بها خوارزميات يوتيوب حقًا، أو مدى فعاليتها، أو كيفية استهدافها فيديوهاتٍ بعينها، حيث ترفض "يوتيوب" مشاركة معلومات حول معدل الخطأ في الخوارزمية، أو إجمالي عدد عمليات الحذف التي تسببت بها هذه الخوارزميات.
 
كما لا يُعطي "يوتيوب" أي معلوماتٍ مفيدة، حول "العوامل التعليمية" التي تتبعها "الخوارزمية" لتحسين أدائها.
 
تكشف عمليات الحذف المستمرة المشكلات التي سيتعين على الناشطين وشركات التكنولوجيا، مواجهتها لعقود من الزمن.
 
ومع قلق الحكومات حيال انتشار التطرف، عبر الإنترنت والمنصات التكنولوجية التي يُنظر إليها على أنها مواقع مراسلة للمتعصبين والإرهابيين، فمن المحتمل أن تصبح شروط الخدمة (ToS) لدى كثير من الشركات، أكثر صرامة.
 
إن تقديم خوارزميات كهذه، للعمل كـ شرطيٍّ على المحتوى، يعني أن الشركات لديها الآن الأدوات والحوافز للقيام بحذف جماعي لأي محتوى، حتى منها ما قد يكون ذا قيمة تاريخية أو سياسية أو قانونية أو أخلاقية إذا سُمح لها بالبقاء على الإنترنت.
 
في الوقت الحالي، لا يزال تاريخ الحرب السورية في رحمة "يوتيوب"، ومن غير المعروف كم اختفى بالفعل.
 
 
وتقول "هيات"، فكروا في اللقطات الإخبارية التي تم تصويرها في معسكرات الاعتقال عندما حررها الحلفاء، إن تلك التقارير الإخبارية لا تزال حاسمة في عملية تعزيز الوعي، في وقتنا المعاصر، حول "المحرقة".
 
وتابعت قولها، "تخيل لو كانت هذه اللقطات مملوكة لشركة خاصة، اعتقدت أنها لن تكون خطوة تجارية جيدة لجعلها عامة، ثم تقوم بحذفها، هذا هو الوضع الذي نحن فيه".
 
الحرب السورية هي "صراع يوتيوب الأول"
 
تدرك شركة "غوغل"، وهي الشركة الأم لـ "يوتيوب"، مدى أهمية منصاتها خلال الحرب.
 
يقول "جوستين كوسلين"، مدير المنتج في شركة "جيغسو"، التي كانت تعرف في السابق باسم أفكار جوجل، خلال مقابلة في أيلول، "الحرب السورية هي من نواح عديدة أول نزاع على يوتيوب بالطريقة نفسها التي كانت فيتنام هي أول نزاع تلفزيوني".
 
وبحسب الموقع، فليس هناك من شك، أن قيمة مقاطع الفيديو في "يوتيوب" لا تقبل الجدل، خاصةً وأن النظام والجهات الفاعلة المسلحة الأخرى أغلقت جزءًا كبيرًا من البلاد أمام الصحفيين ومراقبي حقوق الإنسان.
 
وأثبت "هيغنز" وزملاؤه، دون أدنى شك، أن قوات الأسد استخدمت أسلحة كيميائية على إحدى ضواحي دمشق في آب 2013، وأن منظمة تابعة للأمم المتحدة هي الآن في المراحل الأولى من تقييم لقطات يوتيوب لسوريا لاستخدامها المستقبلي في محاكمات جرائم الحرب.
 
عمليات الملاحقة القضائية باستخدام "الفيديوهات"
 
في كانون الأول 2016، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على إنشاء الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM) للمساعدة في الملاحقات القضائية المتعلقة بجرائم الحرب المتعلقة بسوريا.
 
وتقوم "هيات" وفريقها في "Benetech"، بتطوير برامج يمكنها بحث وتنظيم ما يقدر بـ 4 ملايين من مقاطع الفيديو المتعلقة بالنزاع، حيثُ سيقوم المعهد الدولي للتدريب (IIIM) بتسهيل استخدام مقاطع الفيديو في المحكمة إذا ما تمت محاكمة من يُشتبه في أنهم من منتهكي حقوق الإنسان.
 
يمكن أن تكون مقاطع لفيديو الصراع حرجة في الحالات التي قد تنتهك فيها خدمة ToS للموقع، حتى أن المقاطع الدعائية لداعش تساعد في تحديد أعضاء المؤسسة وتوضيح التسلسلات الهرمية الداخلية لها.
 
ويشير "مجتهدي"، إلى أن "الصعوبة في هذا النوع من العمل هي أن المعلومات التي يتم نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل مرتكبي العنف، يمكن استخدامها أيضًا في مساءلة الجناة".
 
ويقول "هيغنز"، "حتى التحقيق في حادثة واحدة يمكن أن يستغرق أسبوعاً من العمل، حتى لو كان لديك شخصين أو ثلاثة أشخاص، وهناك خمس أو ست حوادث في اليوم على الأقل تستحق التحقيق في سوريا"، يقول هيغينز.
 
يتمثل الحل المفضل في "يوتيوب" لقضايا خدمة الإعلانات المتعلقة بالصراع في أن يقدم القائمون بالتحميل، بكتابة الوصف بشكل تفصيلي، عما تصفه مقاطع الفيديو الخاصة بهم، وذلك من أجل تحديد قيمة المحتوى بوضوح وتمييزه عن المواد المتطرفة.
 
إلا أن مقاطع الفيديو غالبًا ما تكون من أعمال الأشخاص في مناطق الحرب والذين لديهم وصول محدود إلى الإنترنت، ولا يتحدثون الإنجليزية، ولا يعرفون تفاصيل منصات الشبكات الإعلانية على الويب.
 
من المحتمل أن العديد من القائمون بالتحميل لم يعد لديهم اتصال موثوق به بالإنترنت أو ليسوا على قيد الحياة لتوفير سياق جديد لمقاطع الفيديو الخاصة بهم، ثم هناك صعوبة إبلاغ الأشخاص في منطقة حرب حول إرشادات ToS جديدة أو جعل سبع سنوات من مقاطع الفيديو، متوافقة.
 
لبعض الوقت، جربت مجموعات حقوق الإنسان بناء تطبيقات خاصة بها، تهدف إلى توثيق الفظائع، التي كانت تتماشى مع احتياجات وتجارب الأشخاص الذين يعيشون خلال الحرب، لكنهم لم يتمكنوا من منافسة شعبية "يوتيوب" وقابليتها للاستخدام وحجمها الكبير.
 
تقول ألكسا كوينج، المديرة التنفيذية لمركز حقوق الإنسان في كلية "بيركلي" للحقوق، "لقد أصبح مجتمع حقوق الإنسان الذي يعمل في مجال التكنولوجيا الرقمية يفهم أن إنشاء تطبيقات وقنوات جديدة لا معنى له لأي شخص"
 
وتضيف، "يسيطر يوتيوب على هذا الفضاء، وسيستمر في المستقبل المنظور".

اقرأ المزيد